الرئيسية » مقالات » الفساد كارثة.. ومهنة

الفساد كارثة.. ومهنة

ائما ننسى الاثر الكارثي العميق الذي تتركه الطعون بنزاهة اصحاب النزاهة، سواء كانت هذه الطعون تستند الى بينات ووقائع او انها تنطلق من شبهات وظنون، فان الجمهور-ومن حقه ذلك- سيتشكك في وجود موظف واحد(او مسؤول) بعيد عن شبه الفساد والكسب الحرام، ويطال الشك، بخاصة، اولئك الموظفين والمسؤولين المؤتمنين على المال العام وذوي الصلة بدورة المال والتجارة والاستثمار وتمتد الشكوك الى جميع منافذ الادارة والاقتصاد بالطول والعرض، إذ يتداول المواطنون (بالسر والعلن) معلومات تثير الفزع عما يحل بثروة الوطن، وعن ابطال الفساد واقاربهم وابنائهم واحفادهم، وعن فنون التغطية على جرائم النهب، وعن مصائر لجان التحقيق في تهم الاختلاس وتصريف القضايا من الابواب الخلفية.
الاثر الكارثي، ايضا، بالاضافة الى “كفر” الجمهور بالنزاهة واصحابها، يمكن قراءته في زعزعة ثقة الموظف (او المسؤول) النزيه في جدوى النزاهة، وتراجع همته في رصد الفساد، وتحوله، في افضل الاحوال، الى مراقب سلبي لاعمال “الغرف” والنهب والسطو، والى الخوف من التصدي الى عتاوي المرحلة، وربما-وهو الاخطر- سيكون مضطرا الى التواطؤ مع هذه الجريمة بالصمت خشية التنكيل او الاختطاف او التجريف، وما لا تحمد عقباه، والمشكلة ان احدا لا يعرف، في مثل هذا المناخ الملبد بالفضائح والاتهامات والشائعات، من بقي من الموظفين والمسؤولين خارج نادي الفساد.
سيتساءل الكثيرون: اين القضاء؟ وسيرد كثيرون على ذلك بالقول ان جهاز القضاء لا يزال ضعيفا ومضطربا وتحت ضغوط هائلة، ويقول حكماء بان القضية اكبر من القضاء، وهي ذي صلة بحال المرحلة، من اداء الاحتلال الى شلل الحكومة الى عجز البرلمان الى جيوب دول الجوار الى فساد الاحزاب السياسية.. واخيرا الى براعة ابطال الفساد في تمثيل دور الورع والتضحية والخوف من الله، ومن اليوم الآخر.
وعلى هامش هذه الكارثة، وربما على مرمى منها، تشكلت ثقافة هجينة عن شرعة نهب اموال الكفرة، ونوازع غريبة عن الكسب السريع و”اضرب واهرب” و”كل بالطرف ونم بالوسط” ويقول صديق في رسالة له بان آخر منتوجات الفساد المتداولة بين الجمهور هي “كل ووصوص” ويضيف “ان الوصوصة ترتبط هذه الايام بفنون سرقة اموال الدولة والتعيش من خطوط النهب وبظهور بوادر النعمة المفاجئة والثراء الغريب على بعض الموظفين والعاملين في الدوائر القريبة لمجرى المال، وعلى ابناء واحفاد الفاسدين الكبار”.
لدي رسائل تشيّب الرأس عن اسماء فاسدين يتمتعون بحمايات من تكايا دينية وامنية، ويملأون الصالة بالبكاء على قوت الشعب، والضحك على الذقون، والاكثر من هذا، عن ابناء يرثون المهنة عن ابائهم ليورثوها الى الاحفاد.
ــــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:

“الإنسان الوحيد الذي لن يحسدك على موهبتك هو أبوك”
جوته