الرئيسية » مقالات » أوضاع إقليم كُردستان العراق الجديدة الحلقة الأولى

أوضاع إقليم كُردستان العراق الجديدة الحلقة الأولى

 


المدخل
تحتل أخبار إقليم كُردستان العراق في هذه الأيام موقعاً واسعاً ومهماً في نشرات وتقارير الأخبار العالمية والإقليمية والمحلية وعلى صفحات الصحف والمجلات وفي الأحاديث العامة في الإقليم وفي المنطقة عموماً. ولم يكن شعب وحكومة إقليم كُردستان العراق السبب وراء هذا الاهتمام الدولي والشعبي , بل كانت الحكومة التركية وراء ذلك حين أثارت من جديد ضجة كبيرة ومتصاعدة ضد حزب العمال الكُردستاني وحشرت حكومة وشعب الإقليم في المشكلة , ثم حشدت القوات المسلحة وأنواع الأسلحة على الحدود العراقية التركية بحجة مطاردة قوات الپیشمرگة التابعة لحزب العمال الكُردستاني في تركيا , مهددة العراق بالويل والثبور ما لم تتخذ الحكومة العراقية الإجراءات الكفيلة بمطاردة وقتل واعتقال وتسليم هذه الجماعات المسلحة إلى الحكومة التركية, علماً بأن هذه الجماعات تقيم على الحدود بين تركيا والعراق وفي مناطق جبلية قاسية صعب على القوات التركية مطاردتها في تلك المنطقة خلال الأعوام العشرين المنصرمة , رغم زجها بالكثير من القوات المسلحة واستخدام مختلف الأسلحة لهذا الغرض, بل ازداد هذا الحزب قوة وجماهيرية وتعاطفاً من بنات وأبناء الأمة الكُردية , خاصة بعد أن تخلى الحزب عن بعض الأساليب غير المقبولة والمرفوضة التي كان يمارسها ضد سكان القرى الكُردية حين كانت لا تبدي تعاوناً معه. وقد كلفت الحرب ضد حزب العمال الكُردستاني الحكومة والخزينة التركية المليارات سنوياً ورفعت من مديونية الحكومة التركية الخارجية إلى مستويات عالية لا يستطيع الاقتصاد التركي على تحملها طويلاً.
كان ولا يزال في مقدور الحكومة التركية معالجة هذه القضية بالتي هي أحسن من خلال التفاوض مع حزب العمال الكُردستاني وبقية القوى الكُردية المنظمة سياسياً للوصول إلى حلول عملية في إطار الدولة التركية وليس خارجها , وهو ما دعا إليه السيد عبد الله أوجلان من سجنه في تركيا ولم تستجب له الحكومة التركية حتى الآن. إن مطالب الحركة السياسية الكردية ليست تعجيزية وليست انفصالية , بل هي حقوق إنسان وحقوق ثقافية وإدارية , إنها جزء من حق كل شعب وكل قومية أن تتمتع بذلك. لقد كان ولا يزال من المفروض أن تنتبه الحكومة التركية , وكذا حليفتها الأساسية الولايات المتحدة والدول الأوروربية , إلى أن حل المشكلة الكُردية في تركيا بالطرق الديمقراطية والسلمية هو الشكل الوحيد السليم لمعالجة القضية الكُردية في تركيا وهو لصالح تركيا أولاً وقبل كل شيء , كما أنه لصالح الشعب الكُردي فيها ولصالح الاتحاد الأوروبي , كما يبعد عن الجميع شرور الحرب والقتل والتعويق والخراب والخسائر المادية. إنه الطريق الوحيد حقاً لمعالجة المشكلات في هذا الزمن العولمي , سواء أكان من جانب الحكومة التركية أم من جانب حزب العمال الكُردستاني. وطريق القتال لن يجدي نفعاً ولن يوصل إلى ما هو منشود بأي حال. فقتل مئات المقاتلين منت حزب العمال لا يعني انتهاء الحركة السياسية الكردية المطالبة بحقوقها , بل سيظهر الكثير من المناضلين في سبيل حقوقهم المشروعة في كُردستان تركيا. إن الموقف المبدئي من القضايا القومية هو الذي يفرض طرح القضية القومية في تركيا بصورة صحيحة , مع المطالبة باستخدام أساليب كفاح تستجيب لظروف المرحلة التي يمر بها العالم.
كان هذا المدخل ضرورياً لثلاثة أسباب
1 . إن التحشيد العسكري للقوات التركية على الحدود العراقية يعتبر تهديداً مباشراً لاستقلال وسيادة العراق ويخلق أجواء التعبئة المضادة التي تثقل كاهل العراق حيث يتعرض لقوى الإرهاب الدولي ويكافح ضدها.
2 . القلق الذي يساور الناس في كُردستان العراق من التهديدات والتحشدات التركية على الحدود وما يمكن أن يتعرض له الأبرياء من المدنيين من عواقب وخيمة بسبب الطلعات والقصف الجوي أو القصف المدفعي أو الزحف البري إلى داخل الأراضي العراقية وما يمكن أن ينشأ عنه من مقاومة وتعقيدات جديدة ضد الجميع
3. وأن القلق الناشئ عن احتمال الحروب يعطل الكثير من الطاقات والقدرات البشرية والفنية والمالية عن التحرك العقلاني في البلاد ويعطل عملية التنمية المطلوبة , كما يعطل كل ما هو إيجابي يراد تطويره في الإقليم.
4. كما يمكن أن يحرك القوى الشريرة والنائمة حالياً لتعمل ضد الأمن والاستقرار والطمأنينة التي يتمتع بها إقليم كُردستان العراق حالياً , والذي لا يجوز فقدانه بأي حال.
5. ولا شك في أن إقليم كُردستان محاط بدول قد وزعت عليها أرض كُردستان وشعبها , وهي كلها تخشى من النموذج الذي يتحقق للشعب الكُردي في العراق , وبالتالي فهي لا تتخذ مواقف إيجابية إزاء الفيدرالية التي تعتبرها شوكة في ظهرها وسرعان ما تتفق في ما بينها لتشكل جداراً ضد الإقليم يصعب اختراقه ويشكل مثل هذا الجدار خطراً على الاقتصاد الكُردستاني الذي يعتمد حالياً بنسبة عالية جداً على الاستيراد من تلك الدول أو عبرها.
ومن هذا المنطلق يهم رئاسة وحكومة إقليم كُردستان العراق , كما يهم العراق كدولة وحكومة وشعب , أن تعالج المشكلة بالطرق السلمية وأن تتم التهدئة والمبادرة لاتخاذ إجراءات إيجابية وغير تعجيزية في هذا الصدد. ويفترض في مسلحي حزب العمال الكردستاني أن يراعوا الوضع الخاص الذي تواجهه حكومة إقليم كُردستان حالياً واحترام الدستور العراقي والعلاقات بين دول الجوار والكف عن الانطلاق من الأراضي العراقية لشن حملات مسلحة ضد القوات التركية , إذ أن ذلك يقود إلى عواقب وخيمة على الجميع في هذه المرحلة من تطور العراق والإقليم معاً.
في هذه الفترة بالذات , حيث بدأت التهديدات والتحشيدات التركية , قمت بزيارة شخصية إلى إقليم كُردستان العراق.
قبل انهيار النظام الصدامي تحت ضربات القوات الأمريكية والبريطانية وغيرها زرت إقليم كُردستان وشاركت ببحث علمي حول الطبيعة العنصرية والدموية لمجازر الأنفال البعثية الصدامية زجريمة الكيماوي في حلبچة أثناء انعقاد حفل التأبين لضحايا مجازر الأنفال في ذكراها الأليمة الرابعة عشر , أي في العام 2002. وقد استمرت أعمال المؤتمر ثلاثة أيام قدمت فيها الكثير من البحث القيمة ومن باحثين معروفين مثل الدكتور فالح عبد الجبار والدكتور جبار قادر والروائي المبدع زهير الجزائري. وكانت فيدرالية إقليم كُردستان العراق قد تحررت منذ عشر سنوات من نظام صدام حسين وتخلصت لعدة سنوات من حرب الأخوة الداخلية. ولهذا كان الوضع لا يزال صعباً والموارد شحيحة , ومع ذلك كانت المسيرة طيبة وبالاتجاه الصحيح.
زرت كُردستان العراق بعد ذلك عدة مرات سواء بدعوة لحضور مهرجان المدى الثقافي أو بزيارة شخصية أو مؤتمرات ديمقراطية عامة. وكنت كل مرة أسجل انطباعاتي عن تلك الزيارات المغنية لمعلوماتي ومعارفي وتجربتي الشخصية. وكانت اللقاءات بمختلف الأوساط الشعبية والحكومية والحزبية على تنوعها تساهم في تجديد وتحديث وزيادة معلوماتي عن الشعب الكُردي وعن قواه السياسية وعن طموحاته ومشكلاته. وكان سائقو سيارات الأجرة (التاكسيات) يضيفون الكثير من المعلومات القيمة والأخبار الجديدة إلى معلوماتي , حيث كنت أتيقن من صحتها من آخرين أيضاً , وكانت كلها دون استثناء صحيحة. وكنت أعبر عنها في كتاباتي محاولاً أن أكون أميناً لما أراه وصادقاً لما أنقله وأسمعه عن الواقع الذي أعيشه هناك , رغم أن الانطباعات الشخصية تبقى ذاتية, حيث يمكن أن تكون لدى الآخرين انطباعات أخرى غير ما اراها من زاويتي وقناعاتي وتحليلاتي. وفي لقاءاتي مع المسئولين في الإقليم كنت أتحدث معهم وأنقل لهم تلك الانطباعات بصدق وموضوعية وصراحة وباحترام معاً قبل أن اسجلها على الورق أو أنشرها , إذ كان يهمني أكل العنب وليس قتل الناطور, كما يقول المثل الشعبي العراقي , أي كان يهمني تطوير وضع إقليم كُردستان العراق وتحسين حالة الجماهير وتعزيز الفيدرالية والحرية والديمقراطية فيها وفي كل العراق. وكنت أستمع بإصغاء للملاحظات التي تقال لي عن اسباب ذلك وسبل الخلاص منها. وفي هذه السلسلة من المقالات سيكون ديدني ذاته حيث سأبحث في المواضيع التالية, وفق آخر زيارة شخصية لي مع زوجتي أم سامر إلى إقليم كُردستان العراق , التي هي الأخرى تكونت لها انطباعاتها الخاصة التي قررت تسجيلها ونشرها بعد أن كانت قد زارت إقليم كُردستان العراق لأول مرة في العام 1974.
1. هل من جديد في إقليم كُردستان؟ أو , هل من نجاحات تحققت في إقليم كُردستان العراق؟
2. ما هي المشكلات التي تواجه الإقليم حالياً على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية , الداخلية منها والإقليمية؟
3. ما هي ضرورات وإمكانيات معالجة تلك المشكلات التي تواجه المجتمع وحكومة الإقليم في إطار الدولة العراقية؟

كاظم حبيب
في ربوع ومع أوضاع إقليم كُردستان العراق الجديدة
الحلقة الثانية: هل من جديد في كُردستان؟

بدأ الشعب الكُردي في إقليم كُردستان العراق منذ العام 1992, بعد إجراء الانتخابات البرلمانية وإقرار الدستور الكردستاني وإقرار تأسيس الفيدرالية الكردستانية عبر المجلس النيابي الجديد , بعملية إعادة الإعمار , ولكنها لم تكن سريعة , بل بطيئة لأسباب ثلاثة, , هي:
1. قلة الموارد المالية التي كانت تحت تصرف الحكومة الجديدة التي تشكلت بسبب الحصار الاقتصادي الدولي أولاً , وحصار الحكومة العراقية ثانياً , وكانت تعتمد على الموارد الداخلية غير النفطية وعلى الجمارك المحلية والمساعدات الشحيحة الخارجية.
2. الصراع والنزاع الذي تفجر في الإقليم بين الحزبين الحاكمين وما نجم عنه من عواقب سلبية على المجتمع والإقليم والذي توقف وفق الاتفاق الذي عقد بين الطرفين بتدخل مباشر من جانب الولايات المتحدة ومساعدتها في العام 1998.
3. حجم التركة الثقيلة التي تركها النظام العراقي خلفه في إقليم كُردستان من تخلف وخراب واسعين وخاصة في المنشآت الصناعية القليلة والتهجير القسري للفلاحين إلى مجمعات سكنية قسرية قرب المدن , حيث خلا الريف عملياً من الفلاحين المنتجين , وخاصة الشباب , والبطالة الواسعة والفقر الشديد الذي كانت تعاني منه الغالبية العظمى من السكان.
من هنا لم يكن التقدم كبيراً وسريعاً , رغم الحصول على حصة من موارد قرار “النفط مقابل الغذاء”. كانت فترة صعبة , ولكنها كانت مهمة للشعب الكُردي في العراق حيث حصل لأول مرة على القدرة في التأثير على مسيرته واتجاه تطوره وعلى الشعور المتنامي بالكرامة التي كان الشوفينيون الحكام العرب يريدون تحقيرها والإساءة إليها.
ولكن بدأت مرحلة جديدة بعد سقوط النظام العراقي في كُردستان. وعمر هذه المرحلة حتى الآن أربع سنوات. وهي فترة قصيرة بطبيعة الحال لتحقيق ما يطمح إليه الشعب الكُردي من منجزات وتغيير في البنية التحتية والقاعدة الاقتصادية والبناء الفوقي في الإقليم , إضافة على الوضع العام الذي يسود العراق كله والذي يؤثر مباشرة على الوضع في كُردستان وعلى اتخاذ الكثير من الإجراءات لحماية الأمن في الإقليم. ولهذا لا بد من أخذ هذه الأسباب وغيرها بنظر الاعتبار حين البحث في ما جرى ويجري في كُردستان منذ العام 2003 حتى الآن.
تعيش كُردستان في حالة طيبة ومرضية للمجتمع من حيث سيادة الأمن والاستقرار نتيجة الجهود التي تبذل على هذا الطريق , وهو الشرط الأساسي لتأمين أجواء البناء الاقتصادي والتقدم الاجتماعي , وبالتالي يشعر المواطن والمواطنة بحرية الحركة والعمل والسلوك. ورغم المحاولات التي تبذلها قوى الإرهاب الدولي , فأنها عجزت حتى الآن عن ضرب هذا المكسب الوطني , وتمكنت قوى الأمن الكردستانية من وضع اليد بين فترة وأخرى على بعض القوى التي تحاول توجيه ضربات أو تفجيرات أو إشاعة الفوضى في البلاد , كما استطاعت بسرعة أن تعتقل من قام بتفجيرات سابقة أدت إلى استشهاد الكثير من الناس وجرح وتعويق آخرين.
من يدخل إلى كُردستان يعيش حالة الأمن والاستقرار مباشرة ويتمتع بها , سواء أكان ذلك في محافظات أربيل أم السليمانية أم دهوك. ولكن يعيش الإنسان أيضاً في مراكز هذه المحافظات وفي الكثير من مدنها حركة عمرانية نشطة وواسعة جداً , سواء أكان ذلك بإقامة العمارات والدور السكنية الخاصة , أم البنايات الحكومية ودوائر الإقليم والأسواق العصرية , أم بإقامة الشوارع والطرق الداخلية وفي ما بين المدن و نحو إيران و تركيا , وكذلك الجسور والقناطر.
حكومة الإقليم توزع وتمنح الأراضي إلى الشركات والأشخاص ليقيموا الدور والعمارات السكنية أو إقامة مناطق الاستجمام والراحة , كما في منتجع راوندوز ومصيف شقلاوة على سبيل المثال لا الحصر.
وفي الجانب الاقتصادي شكلت حكومة الإقليم لجنة واسعة لوضع استراتيجية التنمية والإعمار في كُردستان حيث تشترك فيها الكثير من الوزارات والمؤسسات والمختصين , ولم تنته من عملها. وهناك بعض اللجان التي تعمل على وضع القوانين الخاصة بالإصلاح الزراعي وحماية البيئة والطبيعة وحماية الثروة السمكية أو الموارد الطبيعية.
أقيمت في كُردستان الكثير من الجامعات والكليات والمعاهد , وهي ظاهرة إيجابية من حيث المبدأ , رغم ما فيها من نواقص جدية في الكادر التعليمي أو في توفير المختبرات والمناهج …الخ. ويبدو أن هناك توجهاً لعقد مؤتمر علمي على مستوى العراق لأغراض تطوير المناهج التدريسية في وزارة التعليم العالي وفي الجامعات.
وفي مجال الثقافة أقيمت في محافظات كُردستان الثلاث الكثير من دور النشر الخاصة والحكومية أو الحزبية التي جهزت بأحدث وسائل الطباعة والتغليف. وقامت هذه الدور بنشر المئات من الكتب العلمية والأدبية والفنية والمجلات , سواء أكان ذلك باللغة الكُردية أم العربية أم باللغة الفارسية والتركية. ومنها ما تخصص بنشر التراث الكُردي وإعلام الكُرد , ومنها ما تخصص بالأدب , كالشعر والرواية والقصة , أو بالثقافة الكُردية العامة أو بأدب وثقافة الأطفال. كما يتم تشجيع الموسيقى والغناء والرقص الشعبي , حيث تشكلت الكثير من الفرق الفنية الجديدة والشابة , إضافة إلى وجود نهضة متميزة في مجال الفنون التشكيلية كالرسم والنحث بشكل خاص. وتبرز أمام الزائر الكثير من أعمال النحت الموزعة على ساحات المدن أو حدائقها ومنتزهاتها الكبيرة, كما في منتزه الشهيد سامي عبد الرحمن في أربيل على سبيل المثال لا الحصر. وتعيش أربيل منذ سنتين مهرجاناً كبيراً يساهم فيه المئات من المثقفات والمثقفين العراقيين من الداخل والخارج ومن العرب والكُرد ومن بقية القوميات هو مهرجان المدى الثقافي , وهو ظاهرة ثقافية متقدمة يمكن أن تتطور لتصبح مجالاً لنشر الثقافة الوطنية والقومية التقدمية والأعمال الفنية بين صفوف المجتمع الكردي وأن لا تبقى محصورة في النخبة المثقفة.
وتقيم الكثير من المؤسسات والنقابات مؤتمراتها واجتماعاتها ذات الوجهة التثقيفية والتربوية والتعليمية في محاولة منها لتعبئة الفئات المختلفة حول نشاطاتها وتنمية دورها في المجتمع , كما في عمل نقابة صحفيي كُردستان واحتفالها السنوي بصدور أول جريدة كردية في مصر ومشاركاتها في المؤتمرات الدولية.
تنشط في كُردستان الكثير من منظمات المجتمع المدني الجديدة , سواء أكانت متخصصة في شئون المرأة أم في مجالات الشباب والطلاب ومختلف مجالات العمل الاجتماعي والثقافي والفني والمهني الذي يمس حياة الناس. وهي تسعى إلى تكوين علاقات مع منظمات المجتمع المدني على المستوى العراقي أو مع الخارج. ولهذه المنظمات مستقبل جيد إن واصلت العمل بهذا الاتجاه , وخاصة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة والمجتمع المدني الديمقراطي الحديث والتصدي للمشكلات الكبيرة التي تواجه المجتمع , ومنها على سبيل المثال لا الحصر عمليات قتل النساء بذريعة غسل العار!, وأن تتمتع باستقلاليتها الضرورية لنشاطها عن الحكومة وعن الأحزاب السياسية , مع ضرورة التنسيق وتطوير علاقاتها باتجاه فئات المجتمع والحكومة في آن واحد لصالح تطور المجتمع مصلحة الفرد والإقليم.
تمارس حكومة إقليم كُردستان سياسة الباب المفتوح أمام التجارة الخارجية , وبالتالي تجد أسواق كُردستان مليئة بالسلع المختلفة, ولكن في الغالب الأعم نوعيات غير جيدة وذات عمر قصير , مع وجود نوعيات جيدة قليلة وذات أسعار عالية. السوق لا يعاني من اختناقات حتى الآن بسبب هذا الا نفتاح على العالم الخارجي وأغلب السلع تأتي من تركيا وإيران ومن دول الخليج وغالباً ما تمر على هاتين الدولتين وسوريا أيضاً. فتحت العديد من الأسواق العصرية التي تعرض السلع بأسلوب حضاري جديد , رغم أن العاملات والعاملين لا يحققون أجراً مناسباً في مقابل ارتفاع أسعار السلع المعروضة , مما يجعل العاملين والعملات غير وديين أو وديات مع الزبائن.
وعلى مستوى الموارد المالية تحقق كُردستان نسبة 17% من إيرادات العراق المالية التي يمكن وضعها في خدمة عملية التنمية وتعجيل تطورها وإعادة إعمار الإقليم , رغم ما يشار إلى أن الموارد المالية لا تصل من بغداد بالوقت المحدد. إلا أن هذه الظاهرة تعبر في الوقت نفسه عن الوضع العام الذي يسود العراق بشكل عام والفوضى التي تميز عمل الحكومة العراقية حتى الآن.
لا شك في أن الإقليم يتمتع بسيولة نقدية وبتحسن ملموس في مستوى حياة الإنسان بالقياس مع فترة الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي , خاصة وأن هناك الكثير من الشركات الأجنبية التي تنفذ مشاريع خدمية كثيرة , وهي التي تساهم في التضخم ورفع أسعار السلع والخدمات , وخاصة الفندقة وإيجارات دور السكن . كما أن البطالة هي أقل بكثير من السابق , ولكن هناك بطالة مقنعة مجهدة لخزينة الدولة والمجتمع , خاصة وأن الرواتب تستنزف نسبة عالية من خزينة الدولة تصل إلى 75 % من إجمالي إيراداتها و كما صرح بذلك مسئولون حكوميون كرد. والسيولة النقدية لا تعبر بالضرورة وفي الحالة التي نتحدث عنها عن وضع صحي سليم , إذ أن لها جوانب سلبية خاصة في مجال توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي وما ينشأ عن هذه الحالة من تضخم ومن ارتفاع غير مراقب للأسعار والخدمات التي سنتحدث عنها في مجال المشكلات التي تواجه إقليم كُردستان العراق حالياً.
أنجز إقليم كُردستان وضع الدستور الإقليمي وتوجد له رئاسة للإقليم وحكومة واسعة يصل عدد أعضائها 43 عضواً إضافة إلى رئيس الوزراء ونائباً لرئيس الوزراء , وهو تضخم غير معقول فرضه واقع معين لا بد من تغييره , كما توجد الكثير من المؤسسات الأخرى التي تعمل في كُردستان. ولدى الهيئات الوزارية , ابتداءً من رئيس الإقليم ورئيس الوزراء والكثير من الوزراء , الكثير من المستشارين والخبراء الذي لا يعبر بالضرورة عن حالة صحية أو يمتلك كلهم الكفاءة اللازمة. وهي حالة يشترك فيها العراق كله , وخاصة بغداد.
تعيش كُردستان أجواء من الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففي الإقليم تصدر الكثير من الصحف والمجلات باللغة الكردية والتركمانية والسريانية , وهي تساهم بنشر الوعي الاجتماعي. ولكنها لا تساهم كلها في ممارسة النقد البناء , رغم وجود صحف تمارس النقد بجرأة وصراحة وروح بناءة , كما أن حديث الناس مليء بالملاحظات النقدية السياسية حول الكثير من القضايا الاقتصادية والاجتماعية.
كما توجد الكثير من الأحزاب السياسية التي تسير في الخط العام الذي يمارس من الحزبين الرئيسين , ونادراً ما تساهم في النقد العلني أو الصريح و في ما عدا الأحزاب الإسلامية السياسية , التي سأبحث في بعض جوانب عملها في حلقة خاصة.
وأخيراً فأن وجود فيدرالية إقليم كُردستان في إطار الدولة العراقية الموحدة هي ظاهرة إيجابية ومكسب كبير للشعب الكردي وللقوميات الأخرى المتعايشة سلمياً في كُردستان العراق , وهي المكسب الذي يفترض الحفاظ عليه وتطويره وتنميته.

في ربوع ومع أوضاع إقليم كُردستان العراق الجديدة
الحلقة الثالثة: ما هي المشكلات التي توجه الإقليم؟
تشكل أحزاب الحركة الإسلامية السياسية الكُردستانية جزءاً من الحياة السياسية في الإقليم , وهي ممثلة في المجلس النيابي , كما أنها تشارك أجهزة الدولة ولها إعلامها الخاص. وأبرز القوى الإسلامية في الحركة هي:
1. الحركة الإسلامية في كُردستان العراق , 2. والاتحاد الإسلامي في كُردستان , 3. والعصبة الإسلامية في كُردستان.
ولا شك في أن كل حزب يتشكل في أي بلد من البلدان وبغض النظر عن الأيدولوجيا أو الفكر والسياسة التي يتبناها , يسعى إلى السلطة , سواء بالمشاركة والتحالف أم بالانفراد بالسلطة. كما يسعى بطبيعة الحال إلى تنفيذ البرنامج الذي يتبناه ويدخل في منافسة مع بقية الأحزاب باتجاهات عدة , منها:
1. وضع برنامج خاص به , بغض النظر عن جوهر التحالف الذي يدخل فيه.
2. السعي لإقناع الناس ببرنامجه وكسبهم إلى جانبه.
3. منافسة القوى الأخرى سلمياً أو بطريق الانقلاب أو …الخ وفق طبيعة البرنامج والوضع القائم والظروف السائدة في البلاد.
4. الاستفادة من أخطاء الحليف أو من موقعه في المعارضة لزيادة مؤيديه والمنتسبين إليه , أو الاستفادة من وجوده في الحكم لتعزيز مواقعه على حساب القوى الأخرى , ومنها المعارضة السياسية. ولا تختفي هذه المنافسة حتى لو كان الحكم تحالفاً توافقياً.
5. ولا شك في أنه يستعين بامتداده القومي أو الإقليمي أو علاقاته الدولية لتعزيز نهجه واتجاهه في النشاطين الفكري والسياسي.
تعيش في كُردستان العراق ثلاث قوميات هي القومية الكُردية ومن ثم القومية الكلدانية – الآشورية والقومية التركمانية إضافة إلى جمهرة من العرب , كما تعيش في كُردستان فئات سكانية تنتمي إلى عدة أديان ومذاهب هي الإسلام , السني والشيعي , والمسيحية والإيزيدية والكاكائية والشبكية والزرادشتية. ولكن المسلمون يشكلون النسبة العظمى من السكان. وبين أتباع جميع هذه الأديان هناك نوع من الصفاء وعدم الصراع وسيادة التسامح إلى حدود طيبة , رغم العدوانية التي برزت لدى بعض المسلمين الذين ينتمون إلى القوى المتشددة والمتطرفة والقاعدة أو أنصار الإسلام السنة الذين ارتكبوا جرائم قتل شنيعة بحق عدد غير قليل من الإيزيدية الأبرياء بشكل خاص.
الأرضية الإسلامية لا تعني إمكانية القوى الإسلامية السياسية على كسب أرضية واسعة في المجتمع الكُردستاني , بل أن القوى العلمانية هي التي حظيت حتى الآن بالتفاف الجماهير حولها بسبب نضالها الطويل في سبيل الحقوق الوطنية والقومية للشعب الكُردي وفي سبيل الديمقراطية في العراق. والجماهير الكُردية , إذ رغم تدينها تميل إلى فصل الدين عن الدولة , خاصة وأنها نادراً ما كانت الأحزاب الكُردية في الحكم , بل غالباً ما كانت في المعارضة وتناضل في سبيل حقوق الشعب الكُردي والقوميات الأخرى.
إلا أن الظرف قد تغير بعد وصول أحزاب الجبهة الكُردستانية , وخاصة الحزبين الرئيسين , الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني , إلى الحكم. وممارسة الأحزاب للحكم تختلف جذرياً عن ممارسة الأحزاب للنضال في صفوف المعارضة. وهذا التحول من مواقع النضال إلى سدة الحكم يحمل معه الكثير من المخاطر للقوى المناضلة التي يحاول الكثير منها أن يعوض ما فاته من مكاسب وهو خارج الحكم أو في المعارضة ويسمح لنفسه في الحصول على مكاسب إضافية , سواء أكان ذلك بصورة شرعية أم بصورة غير شرعية وبطرق مختلفة. وهي الظاهرة التي تسمح بفساد الوضع وفساد الإنسان الثوري وتحوله إلى عنصر يساهم ببطء أو بسرعة بتهديم ما تحقق من مكاسب للشعب أو لهذا الحزب أو ذاك.
ومن يتعرف على الوضع في كُردستان عن قرب يمكنه أن يشخص هذه الظاهرة بشكل صارخ يصعب على الباحث أحياناً تجاوز الحديث عنه لأنه الظاهرة الأكثر شيوعاً والأكثر تذمراً من جانب الناس والأكثر خطراً على المكاسب العامة التي تحققت للمجتمع أو للشعب أو للقومية الكُردية وبقية القوميات. ولا شك في أن مس هذه الظاهرة لا تجلب الصداقة لمن يبحث فيها , بل تجلب له البغضاء والكراهية أحياناً غير قليلة. ولكن لا بد لمن يعتقد بنفسه صديقاً للشعب الكُردي وبقية القوميات في إقليم كُردستان أن يطرح تلك الأمور ويضع اليد عليها ويبذل الجهد ليكون موضوعياً في تشخيصها وطرحها وطلب معالجتها.
توفرت لي فرصة الحديث مع عدد كبير من الموظفين من مستويات مختلفة والكثير من الناس الاعتياديين في مختلف محافظات إقليم كُردستان وكذلك مع أناس يعملون في القطاع الخاص , إضافة إلى جمهرة كبيرة من السياسيين والإعلاميين العاملين في مختلف المجالات الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة وكذلك مع سائقي سيارات الأجرة. وكانت الثقة المتبادلة بيني وبين أغلب هؤلاء الناس تسمح بالتعرف على جملة من الظواهر السلبية , مع التعرف على جوانب إيجابية في الوضع أيضاً.
لم اكتف بزيارة أربيل , بل قمت بزيارة السليمانية ودهوك وراوندوز والمنتجع السياحي الجميل “پانك” في راوندوز ومجمع ديانا للعائلات البارزانية ومدينة ديانا , كما زرت مدن القوش وصلاح الدين وشقلاوة وخليفان … الخ. وكانت هذه المرة زوجتي معي , التي لم تزر كُردستان إلا في العام 1974 , حيث تجولنا فيها ووصلنا إلى حاج عمران والعديد المدن الكُردستانية الكبيرة حينذاك.
إن لقاءاتي الكثيرة وأحاديثي الصريحة واستخدامي الكثير لسيارات الأجرة في التنقل الداخلي أكدت لي جملة من الظواهر التي أحاول تسجيلها في النقاط التالية واضعاً إياها نصب أعين الأصدقاء والأخوة في التحالف الكُردستاني وأمام قيادة الإقليم والحكومة الإقليمية آملاً أن يطلعوا عليها ويتناقشوا بشأنها , إذ ليس لي من وراء ذلك سوى الرغبة في تجاوز الصعاب والمشكلات التي تعاني منها كُردستان والتي تسمح لبعض القوى الكسب على حساب القوى السياسية التي تتبنى في برامجها الحرية والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان , ولكن لا يتجلى ذلك في الممارسة العملية.
1. هناك إحساس وملموسية كبيرتين في نشوء جفوة وفجوة متسعة بين قيادات الأحزاب السياسية أولاً , والقيادات الحكومية ثانياً , والأجهزة الحكومية والمدراء العامين والمدراء ثالثاً , وقيادات أجهزة الإعلام رابعاً , من جهة وبين الأوساط الشعبية والفئات الكادحة وصغار المنتجين والمراجعين لدوائر الدولة من جهة أخرى , بحيث يبدو وكأنه لم تعد هناك قضية مشتركة بين الجانبين , قضية كُردستان وقضية الشعب الكُردي بمجمله والتطور المستقبلي لهذا الإقليم.
2. نشوء فجوة متسعة حقاً بين الفقراء والكادحين وصغار الموظفين والمستخدمين والمنتجين القلة من جهة , وبين الأغنياء الكبار والميسورين والتجار والوزراء والمدراء العامين …الخ.
3. لم يعد الحماس القومي والوطني يحرك الناس كثيراً كما كان في السابق , لسبب أساسي هو أن الكادحين والغالبية العظمى من السكان لا تتمتع بالحد الأدنى الضروري مما يتمتع به المسئولون السياسيون والحزبيون وكبار الموظفين , وهم يعيشون يومياً الأحاديث التي تجري عن الفساد المالي وتملك الأراضي الواسعة أو التمليك الواسع للأراضي ونشوء ظواهر الانقسام في المجتمع لأسباب كثيرة , في حين أنهم كانوا وقود الثورة الطويلة وهدفها وعانوا الكثير من مآسي عدوانية النظام السابق , وبالتالي فلا بد لهم أن يحصلوا ولو على القليل الكافي مما يحصل عليه الميسورون والمسئولون في الإقليم.
4. البون الشاسع بين ما يجري في بعض المدن الكُردستانية من تحسين وتطوير , والخراب الذي تعيشه الكثير من المدن الكُردستانية , ومنها على سبيل المثال لا الحصر مدينة ديانا التي يتعذر على الإنسان أن يصف حالتها البائسة وشوارعها التي لا تختلف كثيراً عن مدينة الثورة ببغداد تقريباً. كم أتمنى على كبار المسئولين أن يسافروا إلى هذه المدينة البائسة أو مجمع العائلات البارزانية التي قتل رجالها الطيبون من قبل النظام الصدامي , ليروا كيف يعيش هؤلاء الناس.
5. لا شك في أن هناك حركة عمرانية كبيرة في كُردستان , ولا شك في وجود تحسن ملموس في عدد من القضايا التي أشرت إليها في الحلقة الأولى , ولكن لا يزال الناس يواجهون النقص الشديد في الكهرباء والماء ويتابعون الفرق بين مناطق سكنية تحصل على الكهرباء والماء ليل نهار , وأخرى لا تتمتع به إلا لسويعات قليلة أو تلك التي يجب أن تدفع أكثر لتحصل عل ساعات أكثر بصورة خاصة.
6. هناك الكثير من الأحاديث عن أن أي مشروع لا يمكن أن يقام في الإقليم دون أن يحصل البعض عل القومسيون المرتفع أولاً وعلى المناصفة في الأرباح ثانياً , وهم يعبرون عن ذلك “ففتي ففتي”.
7. الحديث عن سيطرة عائلات بعينها على أكثر المشاريع في المدن الرئيسية وفي المناطق المختلفة من كُردستان وعن سرقة براميل النفط الخام عبر منطقة زاخو.
8. ويجري الحديث أيضاً عن عدم الاستعداد لتعيين مستشارين من أفراد مستقلين , بل لا بد أن يكونوا من الحزبين الرئيسيبن بالأساس.
9. حين زرت كردستان في العام 2004 و2005 كانت أسعار غرف لشخص واحد وليلة واحدة مع الفطور تتراوح بين 60 – 100 دولار , في حين بلغت اليوم أضعاف ذلك حيث تتراوح بين 170 – 240 دولار في دهوك وأربيل على سبيل المثال لا الحصر. ويؤكد ذلك غياب دور الإقليم في الرقابة على الأسعار بالنسبة للخدمات والسلع , كما أن إيجارات السكن ترتفع كما يشاء أصحابها دون وجود قواعد يعمل بها المؤجر وتحمي المستأجر.
10. أجد لزاماً أن أشير إلى أن الإقليم لم يضع أي نظام لمتابعة قرارات الحكومة ومجلس النواب والوزارات المختلفة , وبالتالي لا يمكن معرفة ما نفذ وما لم ينفذ من قرارات رئاسية أو حكومية أو وزارية أو غيرها , أي أن هناك عفوية وعدم وجود رقابة ومتابعة على عمل المؤسسات والوزارات والدوائر المختلفة , مما يفقد القدرة على التقويم والتقييم المطلوبين لأي حكومة أو مجلس نيابي أو مؤسسة.
11. تتمتع كُردستان بالحرية السياسية من حيث المبدأ. فهناك حرية صحافة وحرية تشكيل أحزاب ومنظمات , وهناك إمكانية على نشر الملاحظات النقدية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهي مسألة مهمة جداً. ولكن علينا أن نلاحظ ثلاث مشكلات في هذا الصدد:
أ‌. أن غالبية الصحف والمجلات لا تمارس النقد للأوضاع السلبية , وبالتالي تسعى للسكوت عنها , وهناك قلة من الصحف التي تمارس ذلك , وهي تحظى بتوزيع واسع في السوق بسبب ملاحظاتها النقدية التي تتميز بالجرأة والصراحة والوضوح وتنطلق من مواقع البناء.
ب‌. الأحزاب السياسية القائمة في كُردستان هي الأخرى لا تمارس النقد العلني وبصوت مسموع للمظاهر السلبية , إذ أنها كما يبدو تخشى على مواقعها الحزبية ومصالحها الشخصية التي تحققت خلال الفترة المنصرمة , في حين أن الأحزاب الإسلامية السياسية تمارس ذلك بقوة وتحقق تأييداً شعبياً لها.
ت‌. إن الإعلام , ورغم مشاركته في عمليات التوعية والتنوير , ولكنه لا يزال بعيداً عن المشاركة الفعالة في العملية الديمقراطية المنشودة.
إن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان مبادئ أساسية يجمعها خيط واحد لا يمكن فصل بعضها عن البعض الآخر, وبالتالي فالديمقراطية ليست فاعلة حالياً في كُردستان. من المفيد أن أشير هنا إلى مسألة واحدة لتوضيح ما أقصد به حين أقول ضعف الديمقراطية أو غيابها في إقليم كُردستان:
في بلد ديمقراطي مثل الدول الأوروبية يمكن أن تحصل عمليات فساد مالي وإداري , إذ يصعب على الديمقراطية منع ذلك. ولكن الديمقراطية , التي تتجلى في وجود الصحافة الحرة والمهنية ووجود منظمات المجتمع المدني ومجلس النواب والادعاء العام والقوانين الفاعلة يمكنها أن تكشف عن تلك الفضائح المتمثلة بالفساد المالي والإداري , ويتم تقديم هؤلاء إلى المحاكم. في حين تعجز البلدان النامية عن الكشف عن تلك الفضائح بسبب غياب الديمقراطية وتقديمهم إلى المحاكم لينالوا جزاء ذلك.

لا شك في أن مسئولية الحزبين الرئيسين كبيرة في الحكم إقليم كُردستان العراق , والناس كل الناس يشيرون إليهما بالبنان حين يجري الحديث عن النواقص والسلبيات والتجاوزات , وعليهما أيضاً تقع مسئولية تغيير هذا الواقع قبل غيرهما. ولكن لا يجوز تبرئة ذمة الأحزاب الأخرى من هذا الواقع , وخاصة أولئك الذين لا يتحدثون عن النواقص , ولكنهم يستفيدون منها في إعلامهم وتثقيفهم اليومي , أو بسبب مكاسبهم الحزبية والشخصية , وبالتالي فهم يساهمون في إثارة الناس ضد حكومة الإقليم , شاءوا ذلك أم أبوا. ما عدا بعض القوى التي تنتقد ذلك بأساليب أخرى لأنها تتمنى أن تتفاقم لكي تستفيد منها في توسيع قواعدها ومؤيديها وتعزيز مواقعها.
سأحاول هنا أن أتطرق إلى كيفية استفادة قوى وأحزاب الإسلام السياسي الكُردستانية من النواقص القائمة في الإقليم , ونادراً ما تساهم في السعي لتغييرها:
1. إنها تستفيد من الممارسات البيروقراطية للمدراء العامين والمدراء الحزبيين في أجهزة الدولة , في حين يحاول المدراء العامون والمدراء من قوى الحركة الإسلامية التعامل الودي وغير البيروقراطي مع الناس والمراجعين.
2. يذهب أعضاء ومؤيدو أحزاب الحركة الإسلامية السياسية إلى بيوت الفقراء لتقديم الدعم المالي والعيني للمعوزين منهم. وهي نقود تأتي في الغالب الأعم من الإغاثة الإسلامية السعودية بشكل خاص ولكن من قوى أخرى في منطقة الشرق الأوسط وغيرها.
3. يقوم أعضاء هذه الأحزاب بمتابعة معاملات الناس الفقراء لحلها , في وقت يُعّقد آخرون من أحزاب أخرى معاملات هؤلاء الناس بالارتباط مع الفساد المالي والإداري السائدين.
4. تقدم أحزاب هذه الحركة ندوات كثيرة وندوات تلفزيونية ومسابقات وكسب متزايد للناس إلى جانبها , في حين يعجز الآخرون بسبب الكسل والوجود بالسلطة ودفء الكراسي عن ممارسة ذلك.
5. الحديث عن الأخطاء التي ترتكبها الحكومة في مختلف المجالات وتضخيمها , والتي هي أخطاء حقاً وممارسات غير سليمة , وتبدأ المقارنة بينهم وبين المسئولين المباشرين غير الفعالين وإبراز دورهم الإيجابي والدور السلبي لقوى الأحزاب الحكومية الأساسية.
6. العمل الأيديولوجي الذي تمارسه هذه الأحزاب والكتب والكراسات التي تصدر عنها وتوزع مجاناً والمسابقات التي تجريها كلها تصب في مصلحة هذه القوى وفي غير مصلحة النظام السياسي القائم في اٌلإقليم.
7. تنامي ظاهرة الحجاب وقتل النساء مما يعبر عن انتشار المسائل الدينية المتخلفة وتنامي تأثير الوجهة الإيرانية وكذلك قوى القاعدة على ذكور المجتمع بشكل خاص.
8. العصبة الإسلامية والاتحاد الإسلامي الكُردستاني اتفقا أخيراً على رفض الاستراتيجية القائمة بين الحزبين الرئيسين , ثم اتفقا على خوض الانتخابات القادمة في كُردستان بقائمة موحدة. كما أن الاتحاد الإسلامي يعمل على تغيير اسم الحزب إلى حزب التنمية والعدالة أو ما يماثل ذلك بحيث يكون للحزب تأثير أكبر على الناس والمجتمع.
أرجو أن لا يفهم من هذا الاستعراض للواقع وكأنه دعوة للضغط أو الإساءة للقوى والأحزاب الإسلامية السياسية في كُردستان بأي حال , بل يستهدف الإشارة إلى النواقص الجدية في عمل ونشاط وعلاقات الأحزاب الأخرى من جهة , وإلى طبيعة الإعلام والدعاية التي يمكن أن تنفع حين يرتكب الآخرون المزيد من الأخطاء أو التعالي على الناس من جهة ثانية , والمهمات التي يفترض أن تنهض بها الأحزاب الديمقراطية والعلمانية لدعم الإنسان والفئات الاجتماعية الكادحة والمعوزة من جهة ثالثة , والدور الذي يفترض أن تمارسه المؤسسات الحاكمة التي تقاد من الحزبين الحاكمين , الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني , إضافة إلى الأحزاب المشاركة بالحكومة بممثل واحد أو اثنين.

في ربوع ومع أوضاع إقليم كُردستان العراق الجديدة
الحلقة الرابعة والأخيرة: سبل تطوير المنجزات ومعالجة المشكلات

ليس هناك من ينتظر أن تزيل فيدرالية إقليم كُردستان العراق خلال الفترة الوجيزة المنصرمة ما تراكم عبر العقود الماضية من مظاهر التخلف والتمييز والإهمال والفقر العام المصحوبة بسيادة الاستبداد والقسوة والمظالم والقهر للفرد والمجتمع. كما لم يكن غير متوقع أن تترك عقود الهيمنة البعثية الشوفينية والدموية بصماتها الشديدة على المجتمع الكردستاني أو المجتمع العراقي بشكل عام والتي تتجلى اليوم في العلل الاجتماعية والسلوكية الناجمة عن مصادرة كاملة للحرية الفردية والحياة الدستورية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع وحقوق القوميات والأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية.
ولهذا فأن الكثير من الظواهر والمظاهر السلبية ليست نتيجة السنوات الأخيرة , بل هي نتيجة تراكم طويل الأمد وأصبحت جزءاً من سلوك الفرد اليومي والتي لا يشعر في غالب الأحيان بعواقبها الوخيمة عليه وعلى الآخر والمجتمع , إذ لم يعرف الفرد والمجتمع سلوكية غير تلك التي عاش تحت وطأتها عقوداً كثيرة. وأن إزالة أو معالجة كل ذلك سوف يستغرق سنوات كثيرة. إلا أن المعالجة الفعلية والسليمة تستوجب ابتداءً وضع الأسس والقوانين التي تساهم في الحد من تلك الظواهر السلبية وتسمح بنمو وتطور الظواهر الإيجابية في المجتمع الكردستاني , بما في ذلك سبل إعادة بناء الفرد والمجتمع. وهذه العملية تستوجب تحلي وامتلاك الهيئات السياسية والاجتماعية والأحزاب الفاعلة والحاكمة الإرادة والقدرة على دفع الفرد والمجتمع بالاتجاه الصحيح المنشود لعملية التغيير الكبيرة.
يسعى المسئولون في كُردستان , كما يرد ذلك في تصريحاتهم الكثيرة والمهمة , إلى بناء المجتمع المدني في إقليم كُردستان. ومثل هذا المجتمع لا يبنى بصورة عفوية أو ينشأ بصورة أوتوماتيكية , إذ أن هناك الكثير من المجتمعات المدنية التي تحولت إلى نظم فاشية أو غير ديمقراطية في أوروبا وفي غيرها من البلدان. لهذا فبناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث يستوجب فعلياً تأمين عدة مسائل جوهرية , منها بشكل خاص :
1. وضع الأسس النظرية لهذا المجتمع والتي تتجلى في إقرار دستور ديمقراطي علماني وعقلاني يستند إلى المؤسسات الدستورية والقوانين والنظم التي يقرها الإقليم والفصل بين السلطات والفصل بين الحكم المدني في الإقليم والدين ورفض التمييز بكل أشكاله , وخاصة التمييز بين الرجل والمرأة أو بين أتباع الأديان والمذاهب أو التمييز القومي والفكري. وهي عملية معقدة دون أدنى ريب بسبب تشابكها مع المؤسسات الدينية وشيوخ الدين الذين بتكوينهم الفكري الديني المتخلف يرفضون الجديد ويصرون على القديم.
2. وضع القواعد الأساسية أو توفير المستلزمات العملية للمجتمع المدني , وهي إقامة الصناعة الحديثة ونهوض الطبقة الوسطى أو البرجوازية ورديفها الطبقة العاملة , وتحديث الزراعة واستخدام العلوم والتقنيات والمنجزات الحديثة لثورة المعلومات أو الانفوميديا.
3. تعزيز مؤسسات المجتمع المدني إلى جانب دور الحكومة ومؤسساتها التنفيذية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في الإقليم. ولا يمكن أن تنجز هذه المهمات دون أن تكون هناك نظم للعمل والمراقبة والمتابعة والمحاسبة الاقتصادية ونظام الحوافز الاقتصادية لدى المؤسسات والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية الخاصة والحكومية لإشباع رغبة الأفراد والجماعات والمجتمع بما يسهم في خلق منافسة عقلانية بين البشر لصالح التنمية والتطوير المستديمين , لصالح الإنسان.
4. إن إعادة بناء الفرد والمجتمع يستوجب العمل باتجاهين أساسيين, وهما:
أ‌. تغيير بنية ومناهج وأساليب التربية والتعليم في جميع المراحل الدراسية , بحيث ينشأ لدينا جيل جديد قادر على الاعتماد على النفس وتغيير طريقة التفكير لدى الفرد ووعي المجتمع والتعرف على مشكلاته وأهمية المشاركة في العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية , إضافة إلى تغيير واقع وأسس الثقافية الشائعة في المجتمع وتجاوز السلبي والمتخلف المورث منها, ونشر الثقافة الحرة والديمقراطية وتأمين السير على طريق التنوير الديني والاجتماعي وتخليص الفرد والمجتمع من مظاهر الاتكالية واللاأبالية وعدم الشعور بالمسئولية إزاء المجتمع أو ازدواجية الشخصية والروح الانتهازية والخشية أو ممارسة العنف والقوة في حل المعضلات في المجتمع. ولا يمكن إلا أن ترتبط هذه الجامعات بالمؤسسات الدولية وتعليم اللغات المختلفة وخاصة الإنجليزية , إضافة إلى اللغتين الكردية والعربية والفرنسية والألمانية. ومن الضروري تدريس اللغة الكردية في الجزء العربي من العراق أيضاً.
ب‌. تطوير مؤسسات ومراكز ومختبرات البحث العلمي وربطها بوجهة التنمية المنشودة في الإقليم من خلال ربط ذلك بالجامعات والكليات والمعاهد من جهة , وبالمشاريع الاقتصادية الإنتاجية والخدمية ومنظمات المجتمع المدني والفئات الاجتماعية من جهة أخرى , إضافة على تطوير علاقات هذه المؤسسات بمؤسسات دولية متقدمة لأغراض التنسيق والتطوير والاستفادة من المعارف والخبر المتراكمة لديها.
5. وتتطلب هذه الوجهة تأمين إعلام عقلاني وموضوعي صريح وجرئ وفعال يحترم القوانين والحكومة ولا يخشاهما , إعلام مسئول يساهم في عملية التغيير والتقدم وإعادة البناء والتثقيف بمبادئ الحرية , ومنها حرية الفرد , والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والمساواة والاعتراف بالآخر ورفض التمييز والعنف والكراهية والحقد وغير محبوس بقيود شيوخ الدين والسعي لتحقيق التلاقح الفكري والسياسي بين الداخل والخارج والانفتاح على الإعلام والثقافة العالمية.
6. إن المجتمع بحاجة ماسة إلى ضمان الفصل الفعلي والقاطع بين الدين والنظام السياسي أو نظام الحكم , إي أن يكون الحكم في الإقليم مستقلاً عن الدين , وأن يكون الدين مستقلاً عن حكم الإقليم. وأن تسود الحيادية إزاء الديانات , إذ أنها ستسمح بممارسة التنوير الديني والاجتماعي والسياسي.
7. إن الديمقراطية في بلد ما تعني , ضمن ما تعني , وجود قوى في الحكم جاءت عبر الحملات الانتخابية والتنافس في البرامج والانتخابات الحرة والنزيهة من جهة , ووجود معارضة سياسية عجزت عن الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات وتمارس النقد البناء والمعارضة المسئولة من جهة أخرى لتأتي ربما إلى السلطة في دورة لاحقة.
كل هذه وغيره سوف يستغرق وقتاً طويلاً لكي تستتب الأسس والمبادئ والعلاقات الإنسانية الجديدة الخالية من أمراض الشرق المعروفة والمتوارثة في إقليم كُردستان العراق وفي العراق عموماً. ولهذا يفترض أن لا يستغرب الإنسان من وجود تلك السلبيات التي جرى الحديث عنها في الحلقة الثالثة. إلا أن المهمة يفترض أن لا تكون تبرير هذه الحالة بمخلفات الماضي أولاً , وأن لا تزداد ممارسة تلك السلبيات ذاتها وتتسع قاعدتها ثانياً , بل يفترض إدانتها والعمل الجاد والمسئول لإزالتها وعبر تعبئة كل الناس الذين يهمهم مستقبل الإنسان في كُردستان ومستقبل الأجيال القادمة. ومن هنا ينطلق النقد الذي يتوجه صوب السلبيات والدعوة إلى التغيير والتحسين عبر خطوات مدروسة ومدققة ووفق برنامج واضح المعالم والسياسات والإجراءات. وهو الذي لم نتلمس معالمه في السياسات الممارسة حالياً في الإقليم.
كلنا يعرف بأن السياسة والاقتصاد هما وجهان لعملة واحدة , رغم إمكانية الفصل بينهما ومعالجة كل منهما على حدا , ولكن لا يمكن معالجة كل منهما إلا من خلال الربط الواقعي بينهما. فوجهة النظام السياسي وإجراءاته هي التي يمكنها أن تحدد وجهة التحول الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهي لا تتم بالإرادة والرغبات وحدها , بل عبر احترام القوانين الموضوعية والتعامل الواعي معها وتعبئة الناس لتحقيقها. واللبرالية السياسية والحرية الاقتصادية التي تستوجب الاعتماد على القطاع الخاص يفترض أن لا يبعد حكومة الإقليم , في ظروف العراق الملموسة عموماً وكُردستان العراق خصوصاً عن أربع مسائل مهمة:
1. أن تلعب سياسة حكومة الإقليم دورها الأساسي في عملية تغير الإنسان وطريقة تفكيره وأساليب عمله وموقفه من الحرية والعمل والقانون والدولة واحترام الآخر …الخ. وأن تتعاون حكومة الإقليم في ذلك مع منظمات المجتمع المدني والمؤسسات التربوية والتعليمية.
2. أن لا يكون هناك قطاع دولة بجوار القطاع الخاص للمساهمة في تلك المشاريع التي يعجز عنها القطاع الخاص , سواء أكان محلياً أم خارجياً , أو تلك المرتبطة بثروة الشعب الأساسية , النفط الخام.
3. تنشيط الرقابة والإشراف من جانب حكومة الإقليم على السياسات الاقتصادية والاجتماعية , وعلى السياسة المالية والنقدية والأسعار والاستيراد والتصدير أو التصنيع , أو على سبل مكافحة البطالة.
4. توفير مستلزمات حماية الفرد والمجتمع من الاستغلال المشدد والنهب والسلب لموارد الدولة عبر الفساد المالي والإداري , إذ يفترض وضع الأسس الكفيلة والضمانات الاجتماعية التي تساعد على تنظيم جيد لتوزيع وإعادة توزيع واستخدام الثروة الاجتماعية.
وهذه الأمور الأربعة هي الأخرى غير واضحة المعالم في الإقليم. وهذا لا يعني أن بعض المسئولين لا يعرفون ذلك , بل ربما لا يشعر البعض بأهمية ذلك في هذه المرحلة , رغم كونها تضع الأسس الفعلية للبناء اللاحق لإقليم كُردستان العراق والعراق عموماً.
نحن إذاً بحاجة إلى عمل وتنسيق بين السلطات الثلاث دون أن يكون أي تدخل من إحداها بشئون السلطة الأخرى أولاً , وأن يتحقق التعاون والتنسيق بين السلطة التنفيذية ومنظمات المجتمع المدني دون التدخل في شئونهما مباشرة , بل التأثير غير المباشر على بعضهما ثانياً , ونحن بحاجة إلة فصل الدين عن سياسة وحكم الإقليم وعملية التنوير الديني واجتماعي ثالثاً و ولكننا بحاجة إلى التثقيف الواسع وتطوير رقابة الشعب على سياسة الحكومة وعلى دورها والذي يتجلى في أساليب عدة بما في ذلك عدم منح صوتها لذا الحزب أو ذاك أثناء الانتخابات …الخ. نحن بحاجة إلى المكاشفة أو المجاهرة والشفافية بين نشاط الحكومة والمجتمع , نحن بحاجة إلى إزالة الفجوة المتسعة بين الحكومة والمجتمع , وخاصة الفئات الكادحة وتأمين مستلزمات الثقة بها من خلال مكافحة الفساد المالي ة ومكافحة المحسوبية والمنسوبية , سواء أكانت عائلية أم عشائرية أم حزبية ضيقة وتحسين توزيع واستخدام الثروة.
ما قدمته هنا ليست سوى الأسس العامة التي يفترض أن نعتمدها في تغيير وتطوير المجتمع في كُردستان العراق. والتفاصيل كثيرة , ولكني سأبتعد عنها في هذه السلسلة من المقالات الأربعة , إذ كنت قد نشرت مع الأخ الدكتور جعفر عبد الغني رؤيتنا المشتركة لعملية البناء والتغيير في الجوانب الاقتصادية والإدارية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ولكن من الضروري هنا الإشارة إلى أن ما تحقق في الإقليم ليس قليلاً أولاً , وأن الإقليم يمتلك قدرة كبيرة من ناحية الموارد البشرية والمادية والمالية لتحقيق التغيير المنشود ثانياً , وما يحتاجه يتلخص في إرادة التغيير والسياسة الواقعية التي تتناغم والمرحلة الراهنة وحاجات المجتمع حالياً وفي المستقبل والاستخدام الأكثر عقلانية للثروة والموارد البشرية المتوفرة ثالثاً.
3/11/2007 كاظم حبيب