الرئيسية » مقالات » يمهل ولايهمل

يمهل ولايهمل

في السابع من آذار من العام 1986 دفع بنا جلاوزة النظام الفاشي الى داخل شاحنة في رحلة من مديرية امن الموصل دون اية دراية لنا بالطريق الذي ستسلكه هذه الشاحنة المقفلة سوى معرفتنا بنهاية مصيرنا وادراكنا ان ارواحنا مرهونة بما ستقرره افاعي محكمة الثورة، ان لم يكن قد تقرر هذا الرهان سلفا غداة نهاية التحقيقات الاولية في مديرية الامن. وبعد مسير اكثر من ثماني ساعات، وطأت اقدامنا الارض خارج الشاحنة لننقل الى سيارة لاندكروز يقودها شخصان احاطونا بجو من الرعب حينما ابلغونا ان علينا طأطأة رؤوسنا عند دخولنا الى مديرية الامن العامة في بغداد وما ان وصلت السيارة الى اول سيطرة حتى فوجئنا بصيحات قذرة تلزمنا عدم رفع انظارنا الى مديرية الرعب والخوف، وبعد حوالي ساعة كان لنا موعد اخر مع سيارة يقودها شخصان اقلتنا الى بناية عرفت فيما بعد انها الحاكمية، وفي الحاكمية مكثنا ثلاثة ايام واربعة ليال امكنتنا من اللقاء بفتيات مؤمنات ولدن في احضان العلم والفضيلة كن قد انهين سبع سنوات من فترة حكمهن بتهمة الانتماء الى احزاب المعارضة الاسلامية سني الثمانينيات تلك السنين العجاف المليئة بالقهر والطغيان والاكثر ظلما في تاريخ العراق، تأملنا قاعة كبيرة حوت العشرات من نساء الكورد الفيلية واطفالهن لجمعهن والزج بهن الى الحدود مع ايران بتهمة التبعية، تذكرت ايضا نساء كن رائدات في هذا المشوار، فالست فاطمة استاذة كلية الهندسية جامعة بغداد والتي اعدمت عام 1986 بتهمة اجتياز الحدود الى ايران، الدولة المعادية للنظام المقبور ايام الحرب العراقية- الايرانية، والاستاذة فاطمة هي واحدة من النخب الاصيلة التي كان يقتدى بها فالعلم والحكمة والوعي الكبير كان طاغيا على سلوكها، وكانت لها ساعات سوداء مع رحلة العذاب في غرف التعذيب والرذيلة، فكانوا الانجانس يأتون بها الى غرفة النساء فاقدة للوعي بعد ان كانوا يضعون قطبي الكهرباء على جسدها تاركينها مغمى عليها. وما قصة ام محمد التي قتلوا ابنتها ذات الخمس سنوات امام عينيها مهددين بهذه الطفلة والدها ابو محمد في الطابق العلوي لتسليم نفسه اليهم حينما اجتاحوا المنزل الواقع في منطقة وادي حجر في محافظة نينوى والذي ابى بكل بطولة وعنفوان تسليم نفسه اليهم وقام بفتجير نفسه عائلة ام محمد ذات الثلاث بنات وولد كانت قد رحلت من محافظة النجف الاشراف الى الموصل هربا من المتابعات الامنية لهم بتهمة انتمائهم الى حزب الدعوة، وقد حوكمت ام محمد فيما بعد بالاعدام المخفف (المؤبد) وسلموا اولادها الى اقربائهم، وما سطرته المرأة الكوردية التي لم تتجاوز الخمسينيات من عمرها من بطولة وهي تقاد الى تنفيذ حكم الاعدام فيها بتهمة التستر على اولادها البيشمركه الاربعة، وانا انظر اليها كانت تمشي مرفوعة الرأس دون ان تهابهم او تنهار في تلك اللحظات الرهيبة.
بعد انتهاء فترة بقائنا في الحاكمية تم اقتيادنا هذه المرة بسيارة اقلتنا امام بناية يحيط بها جدار من الاسلاك الشائكة تمتد على جانبيها البساتين والمناطق الريفية كانت تلك البناية هي بداية لنهاية كل من دخل اليها، انها محكمة الثورة والتي كان على يمينها سرداب للمتهمين وعلى يسارها غرفة الاعدام وغرفة الشهود، يتوسطهما ممر طويل يقع امام قاعة المحكمة التي يأخذ جانبها الاسفل قفص الاتهام، وامام هذا القفص كانت هناك مقاعد يجلس عليها ضباط برتب عسكرية يتوسطهم رئيس المحكمة الجلاد (عواد محمد امين البندر)، فوجئنا عند دخول السرداب بعشرات المتهمين غيري والذين احضروا من مديريات امن المحافظات لتتم محاكمتهم جميعا في ذلك اليوم ايضا، كانت حوالي الساعة الثانية بعد الظهر عندما نودي علي فصعدت السلالم الثلاثة او الاربعة على ما اذكر للمثول امام عدل القضاة المزيفين، فوجئت بمحامي دفاع لم اره اطلاقا الا لحظة النطق بالحكم يطلب لي الرحمة من عواد البندر الذي حكم بالسجن مدة سبع سنوات بتهمة التجاوز برسوم كاركاتورية على النظام البائد.
تلك كانت محكمتهم وانظروا كيف كانوا يحاكمون ونهاية قولي ان الله عز وجل يمهل ولايهمل.

التآخي