الرئيسية » مقالات » القواعد المتغيره في السياسه الدوليه

القواعد المتغيره في السياسه الدوليه

لم تكن التهديدات التركيه الاخيرة التي برزت الى السطح مؤخرا شيئا جديدا على المتتبع للوضع السياسي الذي تشهده المنطقه منذ احتلال العراق واسقاط الدكتاتوريه وتطورات الاحداث في الملف الكردي تحديدا ،لكن ..التغيير الذي لم ينتبه له البعض ربما اثار عاصفه من الرعب عند اطراف المعادله الاخرى الا وهو التحول في مواقف حزب العمال الكردستاني من الاعتماد على الاسلحه الروسية الصنع الى الاسلحه الامريكيه المتطوره والتي اثارت الاتراك ودقت اجراس الخطر لديهم في التحول الذي يجري في السر في السياسه الامريكيه وتعاملها مع ملف القضيه الكرديه خاصة بعد مؤتمر طهران للدول المطله على بحر قزوين والاتفاقات التي وقعت فيه ..

فالقضايا الرئيسيه التي كانت تجمع البلدان في تحالف فيما مضى بدأت تتلاشى تدريجيا بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر وتغير وجه هذه التحالفات بعد التغيير الجذري الذي حدث في النظرة الامريكيه الى العالم وتم اعادة النظر ايضا في الاصطفافات الدوليه على أساس المستجدات التي ابرزت الوجه الجديد للصراع بين الاسلام السياسي والرأسماليه العالميه بقيادة الولايات المتحده الامريكيه ،لا بد من القول ان النظر الى الحاله الدوليه من هذه الزاويه يعني عمليا التسليم بوجود الصراع على ارض الواقع وفق هذه الصيغه وهذا يقود الى تحديد مواقف الدول وتشخيصها على أساس موقفها من هذا الصراع وهناك الكثير من ألأسس التي بنيت على أساسها العلاقات بدأت تتهدم بحكم تغير دفة الصراع الذي لم يعد بلائم موقف بعض الدول ومنها تركيا ، فموقف الاتحاد الاوربي تجاه الاخيرة والنظرة الامريكيه الجديده للشرق الاوسط ادت الى اتخاذ الاتراك موقفا جديدا جاء بعد دراسة هذا الواقع الدولي لانها ستكون الخاسر الاكبر اذا ماتم تطبيق هذه السياسه

في الامد القريب لهذا تحاول ان تدخل الواقع الشرق الاوسطي كقطب وليس كطرف لا سيما بعد ادراكها التغير الذي طرأ على الموقف الامريكي من حزب العمال ودور الاحزاب الكرديه العراقيه في التأثير بهذا الاتجاه …

الولايات المتحده الامريكيه لا تتوقع ان يذهب الاتراك ابعد من اغلاق قاعدة انجرليك الجويه الموجوده جنوب شرقي تركيا وهو ما يحسبون حسابه من الان ولكن الواقع يفرض على تركيا الذهاب ابعد من ذلك الى حد الوقوف مع الطرف الاخر في المعادله وهو ايران وروسيا لوضع حد للمشروع الامريكي للشرق الاوسط طالما انه يتعارض والطموحات التركيه ، وهناك تحريض واضح من هذا الطرف لتركيا للاصطدام بالولايات المتحده من خلال تحديها في التغلغل في شمال العراق ووضع حد لدعمها لحزب العمال الكردستاني ..

التغيير في النظرة الامريكيه لهذا الحزب جاءت قبل انعقاد مؤتمر بحر قزوين الاخير الذي وضع معاهده للدول تمنع اي تواجد اجنبي في منطقة بحر قزوين والمعني هنا كما نعلم هو الولايات المتحده التي ترغب في الذهاب في القضيه الكرديه ابعد مما يتصور حتى قادة الاحزاب الكرديه العراقيه فهي تريد تحرير حتى الاراضي الكرديه في الطرف الايراني للاقتراب من بحر قزوين من جهة والمحافظه على المصالح الاسرائيليه في الاراضي التركيه الواقعه جنوب شرق البلاد والتي تهددها السياسه التركيه الجديده وتوجهاتها ..

والخوف من اشتعال حرب اقليميه كبرى او كما يسميها بوش حرب عالميه ثالثه هو خوف مشروع اذا ما ادركنا حجم التضارب في المصالح بين هذه الدول وفي هذه البقعه من العالم بالتحديد ، الزيارة الاخيرة للرئيس السوري كان هدفها دفع الاتراك الى هذا الصراع بقوة على الرغم ان هذه السياسه تتعارض والشعارات التي تحملها الحكومه السوريه لكنه مارس قوة السياسه كما يقولون من اجل انضاج الواقع الذي يؤدي الى اضعاف دور الولايات المتحده في المنطقه وجعل تأثيرها محدودا في الحركات والاحزاب الصغيرة بدلا من تأثيرها على دول المنطقه ،وهذا سيؤدي اذا كتب النجاح له الى اضعاف الدورين المصري والسعودي اذا ما تشبثا بالعلاقه القويه مع الولايات المتحده ومشاريعها في المنطقه ،لان التحالف التركي السوري الايراني سيتمكن من جذب تعاطف شعوب المنطقه في وجه المشروع الامريكي ..

لا يمكن القول ان سوريا وايران تتحركان بمعزل عن الاشارة الروسيه او دعمها لكن الخطر الاكبر الذي ينتج عادة عن التلاعب بمصير شعوب المنطقه بهذه الطريقه ستكون عواقبه وخيمه وقد ينتج عنها حرب مدمرة تأخذ المنطقه الى المجهول والى معاهدات دوليه جديده اذا ما ارادت الاستقرار …

ان هناك الكثير من القواعد في السياسه الدوليه تشهد انهيارا تدريجيا لتفسح المجال لاخرى جديده تكون مختلفه عنها وتحمل في طياتها تغييرا ربما يصعب على الجماهير البسيطه رصدها وتحليل نتائجها على المدى البعيد لكن الواضح فيها انها تجري على ارض الواقع دون ان يتمكن احد من وقفها وتجنب عواقبها لان اطرافها جزءا من اللعبه الدوليه ، تغيير المواقف بالنسبة للدول انطلاقا من المصالح بات امرا بديهيا يجعل الوضع الدولي اكثر تعقيدا ويقود الى تصادم القوى هنا وهناك بأشكال مختلفه وهذا التغيير عادة ما يكون على حساب التوازنات الدوليه ، هناك قطبا ينمو ببطئ ليثبت اقدامه على الواقع الدولي ولا يقل هذا القطب اهميه عن الدور الذي تلعبه الولايات المتحده وحلف الناتو في عالم اليوم لكنه لن يرى النور قبل مرور العالم وبلدان الشرق الاوسط بالتحديد بمنعطفات خطيرة قد تهدد وجودهم اذا ما اندلعت اي حرب فيها ، والمشكله ان الشعوب غير قادرة على تغيير الواقع كما كان يحدث في السابق بسبب تأثرها بالطروحات التي تروجها الدعايه الرأسماليه من تقوقع في فكر قومي وطائفي وعنصري وغيرها فهذه الطروحات اجلت سقوط العديد من الحكومات الاستبداديه بالمنطقه وجعلتها قادرة على البقاء فترة اطول رغما عن ارادة الشعوب هذه ، ونشر قيم الكراهيه هذه مسؤولية الولايات المتحده بالتحديد بعد خروجها على العالم بوجهها الحقيقي باحتلال افغانستان والعراق وتدمير كل من يوغسلافيا والصومال ، كما انها المستفيد الاكبر لضمان استمرار احتفاظها بالتفوق العسكري وكذلك الاقتصادي وعلى الاغلب فانها تدرك حجم المأزق الذي يحيط بها جراء نشرها لهذه القيم في المجتمع البشري وكذلك جراء السياسات المتخبطه التي يشرف عليها شخصيات تجهل واقع المنطقه وطبيعة شعوبها …

لقد غدت مخططات الادارة الامريكيه مكشوفه لاقرب حلفاءها وكذلك لاعداءها واصبح من الصعب عليها تمريرها دون تنازلات تقدمها في مواقع معينه من مواقع تأثيرها وهذا ما يؤدي تدريجيا الى تراجعها حتى وان كان ذلك يحدث دون رغبتها ، فبعد ان خسرت معظم مواقعها في اسيا وامريكا الجنوبيه هاهي تغامر بمواقعها في الشرق الاوسط بدعمها لقوى الاستبداد التي تعمل على قمع الحريات في كل من مصر والاردن والسعوديه واسرائيل وكذلك في المغرب العربي بدعمها لحكوماتها القامعه لحقوق الانسان وخاصة في تونس والمغرب ،

ان هناك الكثير من الاخطاء التي ستؤدي الولايات المتحده الى خسارتها لقوتها تقوقعها في محيط معين لن تتمكن من الخروج منه قبل ان تحدث تغييرا جذريا في سياستها وهذا لن يحدث طالما تحكمت فيها تلك العقليات التي برزت للسطح بقوة الى الصورة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر …

المحافظون الجدد هكذا يسمونهم في الولايات المتحده الامريكيه ولهم تسميه اخرى في الصحافه اليساريه لا داع لذكرها هؤلاء هم الذين أسسوا الولايات المتحده بطريقه غزوات المغول وتواجه اليوم نظريتهم انحدارا وتراجعا قد لا يستمر طويلا بعد الفشل الذريع الذي لقوه في العراق واماكن اخرى من العالم وكذلك بعد انسحاب الكتله السوفيتيه من العالم وتغيير اسمها فهذا التيار لم يمت عمليا كما تصور البعض بأنتهاء الدور السوفيتي على الصعيد الدولي بل كانت تلك بداية نهايته لا سيما بعد دخول اعضاء جدد لا يعلموا عن التيار شئ سوى الطاعه والمديح لكنهم يفتقدون الى ارضيه ثقافيه لاستيعاب الفكر المحافظ …

الامثله التي جسدتها حياة الكثير من الصحفيين والكتاب والاكادميين والتي انتهت نهايه سيئه هي التي جعلت الاغلبيه من المنتمين لهذه الفئه تدرك حجم المخاطر التي تنتظر من يوجه النقد او التعريف الدقيق لنوايا المحافظون الجدد في السياسه والاقتصاد فراحت اعداد لا بأس بها تتملقها حتى وصلت مواقع مرموقه في الادارة الامريكيه فهي لا تحتاج سوى للطاعه وفهم الدور الموكل للشخص دون ان يسأل عن اي شئ اخر …

وافرزت هذه الطريقه جيلا كاملا من عديمي الخبرة والمغامرين حبا في ارضاء السيد كان منهم شاب يدعى بول بريمر ادى دوره السياسي واللصوصي في المهمه التي اوكلت له في العراق امام انظار العالم دون ان يتمكن احدا من ردعه ..

وغيره ممن ادو ادوارهم على اكمل وجه دون ان يعلم شيئا عن المهمه التي قام بها وابعادها كما حدث لكولن باول الذي صحى ضميره فجأة ليعلن عن انسحابه من لعبه قذره لا يعلم عنها شئ ربما شعر بأنهم احتقروه عندما اسندوا له مهمه كهذه ،

غير انهم انفسهم واقعون اليوم تحت سطوة متعاملين جدد في السياسه الدوليه ويمتلكون التكافؤ الذي يؤهلهم للوقوف بوجه مخططاتهم . واصبح المحافظون الجدد امام معادله غير قادرين على فهم عناصرها ولا التفاعلات التي تحدث داخلها وبالتالي لا يعلمون شيئا عن نتائجها وهو ما يحدث لهم اليوم على ارض الواقع ..

فالحرب في العراق تفرز يوميا عناصر جديده للصراع لم تكن موجوده في السابق وانشغالها في هذه الحرب يشبه الى حد بعيد انشغال الاتحاد السوفيتي في افغانستان على الرغم من اختلاف طبيعة الاهداف السياسيه من الاحتلالين ، ويكبر حجم الخطر بنهوض تيارا اسلاميا قادرا على تحجيم المصالح الامريكيه على الاقل في البلدان الاسلاميه ودفعها تدريجيا على الهرب الى الخلف والتخلي عن مواقعها لا سيما وان لعبة الاقتصاد الحر وصندوق النقد لم يعدا ينطليان على احد في عالم اليوم ولغة السياسه التي كانت تستخدمها في الامس تم تفنيدها في حرب العراق فالديمقراطيه الامريكيه اصبحت اليوم في ذهن الجماهير تعني التعصب الطائفي والمذهبي والعنصريه القوميه والشوفينيه المسيطرة وتجعل من الشعوب واعيه في عدم الانجرار ثانية في لعبة كهذه ، لقد صعدت الولايات المتحده الى العالم كقوة في الشرق الاقصى وهي تدافع اليوم عن هذا الصعود في الشرق الاوسط الذي تريد احتكاره كأي بضاعه تتداولها في الاسواق لكنها لا تحسب حساب شعوب المنطقه التي تتزايد بينهم كراهية الولايات المتحده واي قريب منها في المنطقه بعد ان ادركت هذه الشعوب انه لا يمكن لها لعب دورا نزيها طالما تعمل الادارة المكونه من المحافظين الجدد على تلبية مطالب اسرائيل والسهر عليها ليل نهار دون ان تكون هناك أسس معينه لسياستها غير الكذب طبعا ..

ان هذه القواعد لم تتغير لان هناك دولا بدأت تمارس نفس اللعبة الامريكيه فحسب بل لان اوراق الولايات المتحده في العالم بدأت بالاحتراق الواحده تلو الاخرى لتعبر عن عالم جديد ينمو بأتجاه اعادة صياغة الخريطه الدوليه وفق مفاهيم جديده اكثر اتساعا …فلا يمكن للعالم ان يعيش طويلا تحت سيطرة قوة مفرده لان ذلك يتناقض حتى مع قانون الطبيعه الذي لا يسمح لمعادله من طرف واحد البقاء والنجاح ..

قاعدة المعسكرين المتصارعين انتهت وحلت محلها مؤقتا المعسكر المصدر للفوضى والازمات المتمثل بحلف الناتو بقيادة الولايات المتحده ، والحرب البارده هي الاخرى انتهت لتحل محلها حرب ساخنه قد تشعل حرب عالميه ثالثه ،والكثير من ملامح القرن الماضي بدأت تختفي وهي حاله طبيعيه في قانون التطور لكن الغير طبيعي هو التحكم في طبيعه ملامح القوى الناشئه والتي ستدخل الصراع وتكمل معادلة الحرب البارده الجديده بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي ـ اليهودي ليعيش العالم من جديد صراعا من نوع اخر تكون الشعوب العاجزة عن احداث التغيير هي الوقود للحرب الجديده …