الرئيسية » مقالات » مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني وبين الأستاذ الدكتور سيّار الجميل الحلقة الرابعة

مواصلة النقاش والجدل في الجادة العريضة للفكر والسياسية بيني وبين الأستاذ الدكتور سيّار الجميل الحلقة الرابعة

حين أحاور أي إنسان أو أناقش أفكاره تسيرني ثلاثة عوامل أوجزها فيما يلي:
• الاحترام الكامل لوجهة نظر الآخر أياً كان موقع ومكانة الكاتب.
• التحرى قبل كل شيء عن نقاط الالتقاء, إذ أنها جديرة بتقريب وجهات النظر وتسهيل مهمة النقاش, والاحتراس من الإساءة إلى الكاتب أو فكره, بل نقد الفكر أو أسلوب التفكير وطريقة المعالجة.
• الكف عن النقاش مع من أرى أن المناقش قد خرج عن أصول النقاش الحضاري وعن أهداف النقاش أصلاً, لا لعجزي عن الرد على ذلك بكلمات مناسبة, بل لأن النقاش لا يصبح له معنى ولن يوصل إلى ما هو مطلوب من جدل علمي وموضوعي يستند إلى قواعده السليمة. وقد نفذت هذا الأسلوب في الكثير من مناقشاتي خلال الأعوام المنصرمة, وسكت عن الرد على البعض حين اقتنعت بأنهم تجاوزا الحدود.
ولكن حين يكون طرف النقاش الآخر مثل الصديق الأستاذ الدكتور سيّار الجميل, فأن النقاش مع أفكاره له معنى وهدف, كما يكون منعشاً ومحفزاً ومغنياً في آن. ومن هنا يأتي اهتمامي بمناقشة الكثير من الأفكار المهمة الواردة في الحلقات الأربع المشار إليها.
هل أنا مثالي في ما طرحت؟
حين يكون الإنسان مثالياً في مثل القضية التي نعالجها عندها, كما يبدو لي, لا يحتاج الإنسان إلى كثير عناء في البحث والتمحيص والتدقيق أو أن يكلف نفسه وضع الفرضيات ثم السعي للبحث فيها ومعالجتها والتوصل بشأنها إلى موضوعة تستوجب البرهنة عليها, بل يكفي أن يكون حالماً ليغرف من النصائح المنشورة في الكثير من الكتابات على مدى السنوات المنصرمة, أو أن يبدع فيها ولكنها لن تقدم أو تؤخر في الأمر شيئاً ولن تفيد أحداً, رغم أن المثاليين الجدليين قدموا للبشرية الكثير من الأفكار والنتاجات الرائعة أو المفيدة, ومنهم الكثير من الأنبياء والمصلحين على مدى التاريخ, بكل ما فيه من غث وسمين, إضافة إلى الفلاسفة العظام من المثاليين الجدليين, وفي مقدمتهم هيگل. لم أكن في يوم من الأيام واعظاً, ويصعب علي أن أكون واعظاً أو ناصحاً لأحد, بل أحاول أن أنظر إلى الأمور التي ابحث فيها نظرة نقدية مدققة, كما يفترض أن يكون عليه الباحث. هكذا نظرت إلى تاريخي الفكري والسياسي, وهكذا شخصت مواطن الخلل والصواب في مسيرتي السابقة, ورغم اعترافي بالأخطاء التي ارتكبتها فلست نادماً بأي حال عن المسيرة التي أصبح عمرها اليوم 55 عاماً لأنها كانت ضرورية لعوامل عديدة لست بمعرض البحث فيها, ولأنها ساهمت في إنضاج موقفي من قضية مركزية واحدة على الأقل هي أنه لا يجوز لي أن أدعي “امتلاك الحقيقة” أو “امتلاك الحق”, فالحياة أغنى وأعقد بكثير, كما أن الحقيقة لها مسالك ودروب عديدة وصور عديدة وزوايا رؤية كثيرة. وحين كنت أُدّرس الطلبة في الجامعة المستنصرية أو في كليات جامعة الجزائر لم أتحدث لهم عن أي حقيقة, بل كنت أطرح عليهم الدرب الذي في مقدوره أن يوصلهم إلى محاولة اكتشاف الحقيقة النسبية في المكان والزمان المعينين, إذ ليست هناك حقيقة مطلقة.
لقد اعتقد الشيوعيون سنوات طويلة, وكنت منهم, وربما بعضهم الكثير لا زال يعتقد بأنه كان أو لا يزال يمتلك الحقيقة كلها والحق كله, وبالتالي فهو الأفضل والأحسن لأنه يمتلك النظرية الأكثر علمية وهو الأكثر نضالية من الآخرين. وكان هذا الموقف خاطئا وتسبب بعواقب مضرة وفادحة. وحين أتحدث عن الشيوعيين لا أقصد الشيوعيين العراقيين وحدهم, بل أغلب شيوعيي وأغلب يساريي العالم . وحين كان القومي العربي يتحدث عن فكره القومي كان ينطلق من ذات القاعدة, أي امتلاكه الحقيقة المطلقة والحق المطلق بالكامل. وكانت المآسي المعروفة لنا جميعاً التي تسبب بها حملة هذا الفكر. وليس القوميين العرب وحدهم واجهوا هذا المطب, بل كل قوميي العالم وهم يواجهون هذا المأزق حتى يومنا بسبب تلك القناعة غير الصحيحة. وحين ينطلق الإسلاميون السياسيون وأتباع مختلف الأديان من امتلاكهم الحقيقة الأبدية والمطلقة ويمتلكون الحق المطلق, فهم يقعون بنفس الخطأ والمطب الكبير الذي ارتكبه الإسلاميون المتزمتون والسلفيون قبل ذلك وارتكبه غيرهم وما زال آخرون يرتكبوه حتى يومنا هذا.
نحن نناقش مسائل حياتية ليست بعيدة عن الواقع ونبحث في قضايا تمس الإنسان العراقي أو الإنسان العربي أو الإنسان من أي قومية كانت في الدول العربية, وبالتالي لا بد أن تبرز وجهات نظر متباينة, وهو أمر جيد, إذ يمكن عبر النقاش المسئول والحصيف والهادف أن نتوصل إلى نتائج تخدم القضية التي نعمل من أجلها.
الديمقراطية والولولة عليها
حين قلت بأن الولولة والبكاء على عدم وجود الديمقراطية لا يجدينا نفعاً, لأن غياب الديمقراطية أمر واقع وقائم ومشخص من قبل الجميع. ولكن السؤال هو: كيف نوفر مستلزمات السير نحو الديمقراطية, سواء أطال الوقت الذي تحتاجه هذه المسيرة أم قصر؟ ثم يفترض فينا العمل من أجل إشاعة وتكريس فكرة الديمقراطية ومن ثم توفير مستلزمات ذلك, إذ أنها لن تأتينا بقدرة قادر ولا تنزل علينا من السماء مهما بذل الغرب من جهود في هذا السبيل, بل المفروض أن نعمل لتوفير مستلزمات نشوء الديمقراطية في بلداننا الشرقية, والتي هي عملية ثقيلة وطويلة ومعقدة ومليئة بالتضحيات, ولكن في مقدور الغرب بحضارته المعاصرة والعالمية, وبمقدور قوانين العولمة الموضوعية في حالة استيعابها والتعامل الواعي معها, أن تساهم كلها وتساعد في تعجيل المسيرة المنشودة صوب الديمقراطية وأن يقوم الغرب بدعمها وتنشيطها بصورة مباشرة أو غير مباشرة, ولكن ليس بالأساليب والطريقة التي يمارسها بوش في الوقت الحاضر, لأنها غير مجدية وغير فاعلة بالاتجاه الصحيح, إذ أنه ينطلق في واقع الأمر من أساس خاطئ يقوم على ثلاث قواعد, وهي:
• أن الولايات المتحدة هي المالكة للحرية وهي التي يفترض فيها أن تنشر الحرية في جميع أرجاء العالم, وهي الأمثل في ذلك, حتى أنها أفضل من أوروبا العتيقة.
• الانطلاق من مواقع قومية شوفينية ضيقة وقناعة بأن الأمريكي هو الأفضل والأحسن والأكثر قدرة على كل شيء بالمقارنة مع بقية البشر. وهي نظرة تذكرني بما لا أريد التذكير به. وهذا يرتبط أيضاً بحديثه عن القوات المسلحة أيضاً.
• إنه ينطلق من موقع ديني سلفي متزمت “انجليكاني” محافظ جداً يرى بأن الله منح الولايات المتحدة الأمريكية ومنحه بالذات مهمة ومسئولية إصلاح العالم ونشر الحرية فيها. إنه أمام مهمة دينية. ومن هنا بدأ المبشرون من الكنيسة الإنجليكانية يدخلون العراق ويسعون للتبشير التي أدت على موت الكثير منهم على أيدي قوى متزمتة مشابهة لها من المسلمين.
إن الإصابة بواحدة من هذه العلل كاف لخلق مشكلات كبيرة في العالم, فكيف إذا اجتمعت القواعد الثلاث في شخص واحد وفي دولة أعظم مثل الولايات المتحدة الأمريكية.
في حديث ودي وصريح مع أبني سامر جرى قبل عدة سنوات قال لي: يا أبي أن جيلكم خذل في نضاله وفشل في تحقيق أهدافه! شعرت في حينها بالأسى, ولكن الشاب لم يكن مخطئاً في تحديد حقيقة ولحظة الفشل في عملية نضالية طويلة كلفت الكثير, ولكنه مع ذلك لم ينتبه إلى واقع أن النضال الاجتماعي ليس معركة عسكرية لاحتلال جبل وقهر وحدة عسكرية واحدة ثم ينتهي كل شيء, بل هي عملية صراع طويلة الأمد لأن النضال الديمقراطي لا يريد تغيير الظواهر, بل يعمل من أجل تحقيق تغيير جذري في فكر الإنسان ووعيه وممارساته, تغيير في التقاليد والعادات والثقافات, تغيير في القاعدة والبناء الفوقي, تغيير في علاقات الإنتاج وما ينشأ عنها ويعود إليها, فما نحمله من فكر وما نمارسه في حياتنا اليومية يتناقض تناقضاً حاداً مع أسس ومبادئ الديمقراطية. وبهذا الصدد شخص الأستاذ الجميل بصواب, كما أرى, عمق المشكلة حين قال بأن الديمقراطي شيء والإسلام شيء آخر, مهما حاول البعض من طيبي النفوس تقريب الإسلام من الديمقراطية, فهما على طرفي نقيض. كتب الزميل بصواب وصدق يقول: “علينا أن نعلن لكل مجتمعاتنا بصراحة متناهية أن الدين لا يمكن توظيفه في الديمقراطية .. ولا يمكن للأحزاب الدينية أن تجّرب حظها في المسألة الديمقراطية ! وعلى الإعلام في الدولة الديمقراطية أن يكون مستقلا عن أي سلطة سياسية أو دينية .. وعلى الإنسان في المجتمع أن يكون حرا في خياراته كلها وأفكاره ومبادئه .. فهل هناك ثمة دولة في العالم الإسلامي قاطبة لديها الشجاعة في أن تقول هذا للمجتمع ؟”. (مقتطف من الحلقة الرابعة).
ولكني أختلف معه في ما أشار إليه: “وعليه ، فأن دعوتي دوما إلى مشروع الديمقراطية لابد أن يؤجل إلى حين خلق البيئة المميزة والإنسان الصالح ليحيا في مجتمع ديمقراطي !!” إذ أنه عاد وصحح الموقف وأتفق معه حين كتب يقول: “إنني لا ارفض الديمقراطية أبدا ، ولكن نحن بحاجة إلى زمن للتأهيل على الحريات والفكر الحر وعلى تربية الأجيال الجديدة على مفاهيم جديدة هذا لا يعني تأجيل النضال من أجل إقامة المجتمع المدني والتمتع بالحرية والديمقراطية , بل هو من أجل فهم العلاقة الجدلية بينها أولاً , وسبل خوض الكفاح ثانياً , وافتراض تجليات هذا الفهم في صياغة شعارات المرحلة النضالية ومهماتها الأساسية وخطابها الفكري والسياسي ثالثاً”. (الحلقة الرابعة).
أختلف مع الزميل الدكتور الجميل حين يقول: “إن التغيير الاقتصادي وتغيير بنية المجتمع الاقتصادية لا ينفعان أبدا في خلق وعي اجتماعي وتنوير ديني .. المسألة ليست من البساطة بمكان .. إن المجتمعات الديمقراطية اليوم كانت قد مرّت بمخاضات عسيرة من التحولات ، وهي ليست بمجتمعات إسلامية؟”, لسببين هما أولاً إن تغيير البنية الاقتصادية وتغيير البنية الاجتماعية يمكنهما توفير مستلزمات التغيير أولاً, وأن عملية التغيير الاقتصادي والاجتماعي لا بد لها أن تقترن, وليست مسالة ميكانيكية أو عفوية, بعملية واسعة وشاملة للفكر والثقافة والممارسة اليومية وترتبط بحياة دستورية ثانياً. ولهذا فأنا لا أمتلك تصوراً يرى بسرعة بناء الديمقراطية في العراق, لا أفصل بين العمل الاقتصادي والاجتماعي والعمل الفكري والثقافي وتغيير أسلوب التفكير والممارسة لدى الإنسان والمجتمع, بل أرى فيهما عملية واحدة متعددة الجوانب ومتشابكة ومتداخلة ويؤثر بعضها على البعض الآخر بصورة جدلية.
ومن هنا أكرر القول بأن الحرية والديمقراطية هي نتاج لمجتمع مدني جديد غير المجتمع الذي نعيش فيه, غير المجتمع الإسلامي الذي يأخذ بخناق الإنسان ويحرمه من التفكير واستخدام عقله, مجتمع يؤكد الأخذ بقاعدة “لا تفكر لها مدبر”. مجتمع لا تزال هيئة علماء المسلمين السنة والتيار الصدري الشيعي والأحزاب الإسلامية السياسية الأخرى في العراق, شيعية مسيطرة حالياً أم سنية, مثلاً, أو تلك القوى الشيعية الصفوية الحاكمة في إيران, أو تلك الجماعات الحنبلية الوهابية الآمرة والناهية في السعودية, أو تلك القوى المهيمنة بسلاح حزب الله الإيراني على لبنان وفارضة الجمود على حركة الحكم فيه, أو ذلك الحزب المؤدلج بذهنية الأخوان المسلمين ووهابيي القاعدة, “حماس”, الذي مارس الانقلاب على الشرعية الفلسطينية في غزة…الخ. أؤكد مرة أخرى بأن مجتمعاتنا الاستهلاكية والريعية, زراعية كانت أم نفطية, متخلفة وتعيش مرحلة بؤس فكري وثقافي ومحرومة من التمتع بعطاء فكر مثقفيها الديمقراطيين, رغم غنى ثرواته الأولية ومظاهر من الحضارة الغربية التقنية, ورغم الكتابات الجيدة لخيرة مثقفيها. وتغط الغالبية العظمى من شعوبها في سبات عميق وبعيدة عن الحضارة الصناعية والثورة التقنية والفكر الحر, إنها تمر بسبات أشبه بسبات أهل الكهف!
لا أمارس النقد ضد المؤسسات الدينية والخطاب السياسي للقوى الإسلامية السياسية حسب, ولا أمارسه ضد الممارسات السياسية اليومية لقوى والأحزاب الإسلامية السياسية حسب, بل أوجه نقدي أيضاً وأساساً إلى الدين ذاته. ولا أوجه نقدي صوب بعض أبرز بنود الدستور وبعض مضامينه الطائفية أو كونها حمالة أوجه, أو قاصرة ومتخلفة, كما في الموقف من المرأة مثلاً, ولا هو ضد المحاصصة الطائفية في المجلس النيابي والحكومة والمحاصصة الطائفية عمودياً وأفقياً في الدولة والمؤسسات وغيرها حسب, بل يتوجه نقدي إلى القوى السياسية العلمانية التي وافقت على كل ذلك, وإلى مجمل العملية السياسية التي هي نتاج الدكتاتورية السابقة وقوى الاحتلال والصراعات غير الحضارية الجارية في العراق وموازين القوى الراهنة. حين تخلصنا من الدكتاتور الأهوج صدام حسين, وقعنا في شباك دكتاتور صغير جاء إلينا من الغرب المتحضر ليفرض علينا ما يشاء وما يريد وساهم بذلك في إضعاف القوى الديمقراطية والعلمانية وشجع الطائفية وفرض المحاصصة الطائفية, إنه السيد باول بريمر, الذي تعامل مع العراقيات والعراقيين كما يتعامل السيد مع عبده في القرون الخوالي في الولايات المتحدة الأمريكية. والآن يتهم بوش بريمر بذلك ويرد عليه بريمر ليقول أنا نفذت السياسة التي كان البيت الأبيض يريد تنفيذها في العراق! وكلنا يعرف ما وراء الأكمة! وقد كتبت بهذا الشأن عشرات المقالات خلال الأعوام المنصرمة, ولدي الثقة بسبب حسن إطلاع ودأب الزميل الجميل أنه قد أطلع على بعض ما نشرته بهذا الصدد.
وحين كتبت أن المجتمع يغوص في عمق الثقافة الدينية, كنت أتصور بأنها ستفهم على أنها تغوص في مستنقع الثقافة الدينية المطعمة بالتقاليد والخلق والسلوكيات الإقطاعية والريفية الجاهلة أو الأمية, وإلا لاخترت مصطلحاً غير الغوص! لست راغباً هنا أن أتوسع بشرح مفهوم العلاقات شبه الإقطاعية والسلوكيات, سواء أسميت بالإقطاعية أم الإقطاع الشرقي أم العلاقات الآسيوية, التي تنشأ عنها, فدراسات الدكتور الجميل ليست قليلة في هذا الصدد, وخاصة ما يمس الدولة العثمانية والعراق, على سبيل المثال لا الحصر.
تطرق الزميل الفاضل حول تجربة الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية التي كانت منغلقة على نفسه. لا أختلف معه بهذا الصدد بل أتفق معه تماماً. فقد قمت بدراسة هذه التجربة في دراسة لم أنشرها حتى الآن لأنها تحتاج إلى عمل إضافي غير قليل ولا أجد وقتاً كافياً لذلك.
هذه التجربة جديرة بالدراسة لأنها بدأت مع العقد الثاني من القرن العشرين وانتهت في العقد الأخير منه بالنسبة للاتحاد السوفييتي وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية بالنسبة لبقية الدول الاشتراكية. وهي تجربة لا تمس الشيوعيين وحدهم في العالم, بل هي تجربة تمس الإنسانية كلها. إذ أن أحداثها سيطرت على العالم طوال سبعة عقود, وشكلت في فترات معينة محور الصراع العالمي وأنتجت الحرب الباردة التي عانت منها البشرية وما ارتبط بها من سباق للتسلح وعواقبه لا على العالم المتقدم, بل وعلى العالم النامي الذي نشكل جزءاً منه بشكل خاص.
كان النضال في سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ديدن الشعوب ومحركها لقرون طويلة. ولم تكن هذه التجارب “الاشتراكية” سوى هامش صغير, ولكنه يحتل مكانة مهمة, في تاريخ البشرية كلها. لقد بدأت الحركة بفكر وشعارات عبأت الناس حولها, ولكنها انتهت بانهيار وغضب الناس عليها. ولم يكن الفكر في البداية هو المحرك, بل كان الواقع المعاش في روسيا والمظالم والقهر والحرب هي التي سمحت لنشوء فكر مناقض لذلك الواقع وساع للتغيير. وحين انتصرت ثورة شباط/فبراير 1917 كان بالإمكان السير قدما بثورة برجوازية ديمقراطية مناهضة للعلاقات الإقطاعية ولسياسة القيصر وظلم وممارسات وزارة الداخلية وستولوبين. ونشأت ظروف سمحت استثمرت من جانب البولشفيك للانقلاب على الثورة البرجوازية بثورة أكتوبر 1917. وإذ كان لينين قبل ذاك يتحدث عن عدم نضوج الوضع الروسي واقعاً وفكراً ووعياً للاشتراكية (راجع في هذا الصدد كتاب لينين الدولة والثورة), بدأ بعدها يتحدث عن إمكانية بناء الاشتراكية في روسيا, في حين لم يكن قد تغير سوى وصول البولشفيك إلى السلطة. وكان هنا موقع الخطأ الأساس. ورغم محاولات لينين تصحيح ذلك في برنامج “السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب)”, إلا أن الوقت كان قد فات وانتهى إلى مرضه المعروف وسيطر ستالين بشراسته وقسوته وظلمه واستبداده المعروف على الحزب والدولة. ولكن الخلل والعلة كانت في التنظير والممارس السياسية الأولى لفلاديمير إيليج لينين, ومن ثم في ممارسات ستالين, إذ لم يكن ستالين منظراً في البداية, بل كان منفذاً لا غير, ثم أصبح منظراً بائساً فيما بعد, تماما كما حصل لصدام حسين الذي كان مشبعاً بنظريات ستالين ومحباً لإسلوبه في الحكم وجزر الناس, وكذلك كان تابعاً لأفكار روزينبيرغ وهتلر القومية ولسياسات فرانكو الاستبدادية, إذ كتب في سجل السفارة الأسبانية في بغداد حين مات فرانكو “رحل أخر فارس من فرسان أوروبا”.
لقد سقطت التجربة السوفييتية وبقية التجارب الاشتراكية. والسؤال هو: ما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك السقوط؟ يخطئ, كما أرى, من يعتقد بأن السقوط جاء نتيجة التآمر الخارجي, بل الصحيح هو التآكل الداخلي الذي أطاح بـ “النظام السوفييتي والكواكب السيارة معه”. ولم تكن العوامل الخارجية سوى مساعدة لسرعة الانهيار. يمكن تلخيص بعض ما أراه في هذا الصدد, وليس كل ما يفترض أن يقال, فيما يلي:
1. كان المجتمع الروسي والمجتمعات الأخرى التي ارتبطت به في الاتحاد السوفييتي التي بدأت بها التجربة لا تزال تعيش في مرحلة الإقطاع ولم تتقدم روسيا خطوات متقدمة على طريق الرأسمالية من حيث البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية والوعي وأسلوب التفكير, رغم إلغاء نظام القنانة في العام 1861 ورغم نشوء نسبي وتطور محدود في العلاقات الرأسمالية.
2. أن هذه التجارب فقدت ابتداءً قوة تأثيرها من خلال غياب الحرية والديمقراطية والتجاوز على التعددية الفكرية والسياسية والخشية من الناس ومحاولة تنفيذ القرارات بالآمرية والقوة القمعية ومصادرة حقوق الإنسان. وهذا ما شخصته روزا لوكسمبورغ, وهي في سجنها في برلين وقبل قتلها حين كتبت عن الثورة الروسية وعن الديمقراطية البروليتارية والسوفييتات وما يراد منها من تصفيق للقادة وبعيداً عن الديمقراطية وحرية الفرد. وكانت صادقة ومصيبة في نقدها.
3. وأن هذه النظم مارست الدكتاتورية باسم البروليتاريا لصالح النخبة الحزبية الحاكمة والسلطة الشمولية في الحكم وفي الموقف من المجتمع, وخاصة الحزب الحاكم, والتشابك بين السلطات الثلاث التي أصبحت كلها بيد الحزب الشيوعي بدلاً من الفصل بين السلطات وإبعاد الحزب الشيوعي عن التدخل في شئون السلطة. وأصبحت الشيوعية هي الدين الجديد للحزب الحاكم وأعضاء الحزب. وبالتالي شوه حتى المنهج الماركسي واستخدم لأغراض نفعية إرادية بعيدة عن الواقع.
4. كما أن هذه النظم عجزت عن فهم واستيعاب حركة وفعل القوانين الاقتصادية وعجزت عن إدراك العلاقة الجدلية في ما بينها, ومنها قوانين العرض والطلب أو آليات السوق والأسعار والمنافسة…..الخ.
5. كما أنها كانت نظماً منغلقة على نفسها وشعوبها, وأغلقت نوافذ الفكر والسياسة والآراء الأخرى على نفسها وشعوبها, وكانت الحصيلة الفكرية مرة, وحدانية التفكير والرؤية.
6. وبدلاً من المناقشة والإقناع كانت التهم توجه لكل المنتقدين والمخالفين وبدأت السجون وأحكام النفي والإعدام والمخالفين لقرارات الحزب أو الدولة تلتهم الناس ولكنها كانت تنزل بالنظام ذاته المزيد من الضربات والتآكل والخواء.
7. وكان الحكام السوفييت يسيرون على قاعدة “من بطن أمه وإلى القبر” على رأس الحزب والسلطة, وهذا ما أخذت به أغلب الأحزاب الشيوعية الأخرى حتى يومنا هذا.
8. وأصبحت العدالة في هذه البلدان في خبر كان, إذ كانت عدالة الفقر العامة من جهة, ولكنها كانت في ذات الوقت رخاء النخبة الحزبية الحاكمة ومن حولها من جهة أخرى.
لا شك في أن هذه المجتمعات قدمت خبرة كبيرة للبشرية, كما قدمت نماذج مهمة في مجالات مهمة يمكن أن تستفيد منها الشعوب الأخرى في مجالات مختلفة, ولكن المحصلة النهائية لم يكن أمام هذه النظم التي هتكت القوانين الاقتصادية الموضوعية وهتكت حلم الإنسان بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية إلا أن تنهار وتتوارى عن الأنظار. والصين الشعبية, وهي من بقايا تلك الفترة, تعيش التناقض بأجلى صوره. وما تقدمه شاشات التلفزة عن الفقر والفاقة في ريف ومدن الصين من جهة, ومن بذخ وازدهار العيش للنخب الحزبية والحاكمة سوى الدليل على أنها في مواقع أخرى غير ما تدعيه.
ولكن علينا مناقشة فكرة أخرى مهمة هي أن هذه التجربة لم تظهر إلا بسبب الاختلالات الفعلية في الرأسمالية ذاتها, فانهيار اشتراكية الدولة في الدول الشرقية, لا يعني بأي حال انتصار للرأسمالية التي تعاني من أزمة حادة, بما فيها أزمة الديمقراطية ومن اصطفاف واستقطاب اجتماعي ومن تناقضات محتدمة وصراعات جديدة. هل يمكن أن تسكت الملايين من الناس حين تجد نفسها (40 مليون إنسان) تعيش تحت خط الفقر المقر دولياً في الولايات المتحدة الأمريكية؟ رغم كل ما نتحدث عنه من ليبرالية وحرية وديمقراطية. وهل يمكن أن يستمر الرأسماليون في الدول الغربية بممارسة السياسات اليمينية الراهنة في إطار العولمة إزاء شعوبهم وشعوب الدول النامية, أم أنها يمكن أن تقود من جديد إلى توترات طبقية وتناقضات تتفاقم ثم تتحول إلى صراعات ثم نزاعات, وما يمكن أن تنتجه من إشكاليات جديدة لتلك المجتمعات. هل يمكن أن يستمر العالم الواحد بمثل هذه الفجوة في المستويات الحضارية والدخلية والمعيشية؟ هل يمكن أن يكون نصيب 20% من البشرية 80% من دخل العالم و80% من البشرية تحصل على حوالي 20% من دخل العالم, إضافة إلى الجوانب الأخرى المرتبطة بهذا التوزيع.
حين نتحدث عن اللبرالية والديمقراطية, وهو أمر سليم وجميل, ولكن علينا أن نقدم التحفظات الضرورية على مسيرة اللبرالية والديمقراطية في العالم الراهن. العولمة عملية موضوعية, وهو أمر ثابت, ولكن كيف تمارس هذه العولمة إزاء الدول النامية, كيف يتصرف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, كيف تفرض برامج هذه المؤسسات على الدول النامية, وما هي عواقبها؟ حين نعالج إشكاليات العولمة, نتحمل مسئولية كبيرة في التطرق إلى جانبيها, جانبها الموضوعي, وجانبها الآخر في الممارسة السياسية والاقتصادية للدول الكبرى.
هذه جملة من الأفكار التي لا تعني بالضرورة مناقشة مباشرة مع الأستاذ الفاضل الجميل, بل وجدت ضرورة طرحها لاستكمال صورة تصوراتي حول مسيرتنا في الدول العربية. ويمكن العودة لمقال لي نشرته حول العولمة تحت عنوان “العولمة ومخاوف العالمين العربي والإسلامي” في جريدة NZZ السويسرية أو كتابي الذي صدر بجزئين عن وزارة الثقافة ببغداد تحت عنوان” العولمة من منظور مختلف”.
أرجو أن أكون قد ساهمت في توضيح بعض الأمور التي وجدت مفيداً توضيحها مع شكري الجزيل للصديق الدكتور الجميل على سعة أفقه وصدره والذي فتح باب النقاش حول قضايا مهمة من هذا النوع.
7/11/2007 كاظم حبيب