الرئيسية » مقالات » التهديدات التركية بالعدوان على إقليم جنوب كوردستان

التهديدات التركية بالعدوان على إقليم جنوب كوردستان

في البداية أحب أن أنوّه الى التسميات الخبيثة التي خرجت بها الأبواق العروبية و وسائل الإعلام المعادية لشعب كوردستان التي أطلقتها على محاولة النظام التركي بإعلان حرب ضد الشعب الكوردستاني، بحجة محاربة ثوار حزب العمال الكوردستاني المتواجدين في إقليم جنوب كوردستان. أطلقت تلك الأبواق تسميات عديدة للعدوان العسكري الطوراني على الشعب الكوردستاني المسالم، مثل تسميات “الإجتياح التركي لإقليم كوردستان” أو “عبور الحدود” أو “توغل القوات التركية” و غيرها من هذه التسميات و العناوين البائسة التي ترمي الى إقناع القارئ أو السامع بأنّ القوات التركية خارجة في نزهة الى إقليم الجنوب و أن الجيش التركي جيش جبار لا توجد قوة تعترض “زحفه” “للقضاء” على مجموعات “إرهابية عاصية مختفية” على سفوح جبل قنديل الشامخ. تُظهر هذه الأبواق الإعلامية المعادية و كأنّ الجيش التركي سيقوم بغزو أطلال مدن و قرى مهجورة و مناطق غير مأهولة، و عليه لا يعترضه عائق في مهمته لإحتلال الجنوب الكوردستاني. إنّ هدف هذه السموم هو إعلان حرب نفسية على الشعب الكوردستاني من جانب الأعداء لتثبيط معنوياته و تخويفه لقهر إرادته و إستسلامه و القبول بحالة الخضوع و الذل. كما أنّ هذه الهجمة الإعلامية تهدف أيضاً الى رفع معنويات الطورانيين. من المؤسف القول بأنّ الكثير من الكُتاب و المسئولين الكورد الساذجين و وسائل الإعلام الكوردية تُردد كالببغاء تلك التسميات الإستسلامية لأننا، نحن غالبية الكورد، لا زلنا لم نستطع من تحرير أنفسنا من التبعية الفكرية و الثقافية للشعوب التي تحتل وطننا، نتيجة تعرضنا لتلك الأفكار و الثقافات المظلمة لفترة طويلة، حيث فشلنا في إزالة آثارها فينا و التي تؤدي الى الإفتقاد الى شخصيتنا المستقلة و الإلتجاء الى ترديد مقولات الأعداء.

أحب أيضاً أن أشير الى إستخدام البعض من الكوردستانيين تسمية “حزب العمال الكوردستاني التركي” أو “حزب العمال التركي”، مردّدين كالببغاء التسميات العنصرية التي يرددها المسئولون الطورانيون و العروبيون و أبواق إعلامهم. إنّ هذا التقليد الأعمى من قِبل بعض الكوردستانيين ينّم عن سذاجتهم أو بيعهم لأنفسهم و لأعداء الكورد و محتليهم لقاء حفنة من الدولارات. كنتُ قبل عدة أيام أشارك في تجمع كوردستاني في إستنكار و إحتجاج على التهديدات التركية للشعب الكوردستاني و كانت أعلام كوردستان ترفرف في كل مكان بشموخ و كبرياء. قلتُ مع نفسي أن محتلي كوردستان و أعداء الشعب الكوردستاني يطالبوننا برفع الأعلام التركية و الإيرانية و العراقية و السورية بدلاً من العلم الكوردستاني لأنّ المشاركين هم مواطني تلك الدول. كل المشاركين كانوا كوردستانيين و مع ذلك يُراد منّا أن نمحو هويتنا و وجودنا و نذوب في تلك الشعوب. هذا مطلب مستحيل لأننا كأي شعب من شعوب الأرض لا بد أن تكون لنا هويتنا و علمنا و دولتنا.

صحيح أنّ القوات التركية تتفوق على القوات الكوردستانية عُدةً و عدداً و تعتمد كوردستان إقتصادياً على (تركيا) بشكل كبير، إلا أن الجانب الكوردستاني يتفوق بدوره على الجانب التركي، لكونه يدافع عن تربة وطنه و عن حقوقه المشروعة و أنه سيحارب على أرضه و بين شعبه و يتبع حرب العصابات و نظراً لوعورة طبيعة كوردستان و لوقوف الرأي العام العالمي الى جانبه و عدم تحمل الأتراك لحرب طويلة الأمد خارج حدودهم و الأضرار الجسيمة التي ستلحقها الحرب بالإقتصاد التركي الضعيف.

إتهام حزب العمال الكوردستاني بالإرهاب من قِبل بعض المسئولين و الجهات الكوردبة يعني أنّ كل حركات التحرر في العالم التي حملت السلاح لتحرير أوطانها و لتحقيق حرية شعوبها و حقوقها، كانت حركات إرهابية. تسمية حزب العمال الكوردستاني ب(الإرهابي) يعني أنّ نيلسون مانديلا و أحمد بن بله و غيرهما كانوا إرهابيين لأنهم لجأوا الى السلاح في تحقيق تحرير بلدانهم. كان رئيس الوزارء العراقي السيد نوري المالكي و الكثير من افراد حزبه يعيشون في دول الجوار (إيران و سوريا) و كانوا يستخدمون أراضي تلك الدول كقاعدة للنضال ضد النظام البعثي، بل كثير من الأحزاب الكوردستانية و العراقية تم تأسيسها في تلك الدول. كانت تلك الأحزاب و الشخصيات تعطي الحق لنفسها في الحصول على المساعدات المالية و العسكرية من دول الجوار العراقي و إستخدام أراضي تلك الدول منطلقاً لمحاربة النظام البعثي العراقي، بينما نرى اليوم المالكي و غيره، بعد إستلامهم السلطة، يتهمون ثوار حزب العمال الكوردستاني بالإرهاب و يهددونهم بتسليمهم للحكومة الفاشية في (تركيا) دون حياء أو خجل.

حزب العمال الكوردستاني أرغمه النظام التركي العنصري على حمل السلاح ليدافع عن حرية شعبه الذي يُسمّيهم النظام المذكور ب(أتراك الجبال) و يمنعهم من التكلم بلغتهم و تسمية أطفالهم بأسماء كوردية و يُحرّمهم من تعلم لغتهم و الإستماع الى موسيقاهم و أغانيهم و فرض على الشعب الكوردي الجهل و الفقر و الأمراض و البطالة، رغم كون الكورد من أعرق شعوب العالم و رغم كونه يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، بينما الأتراك هم حديثو العهد في المنطقة، غرباء فيها، إستولوا على جزء من كوردستان و بدأوا بإذلال شعبها و نهب خيراتها. مع ذلك، يبادر حزب العمال الكوردستاني في مرات عديدة الى إعلان وقف إطلاق النار و يطالب (تركيا) بإجراء المفاوضات لحل المسألة الكوردية هناك، إلا أنّ النظام التركي يستمر في تغطرسه و في إنكاره لوجوب الشعب الكوردي. الكورد لا يريدون أن تُراق قطرة دم تركية أو كوردستانية، إلا أن العنصريين الترك يمضون في غيّهم و ظلمهم و إنكارهم لوجود الشعب الكوردي و يجبرون الكورد أن يدافعوا عن هويتهم و ثقافتهم و حقوقهم بكل الوسائل بما فيها الكفاح المسلح الذي تجيزه القوانين الدولية.

نقطة أخرى أثيرها هنا و هي التصريحات الصادرة عن السئولين الكوردستانيين و كتابات الكُتّاب الكورد التي تطالب النظام التركي بإصدار (عفو) عام عن ثوار حزب العمال الكوردستاني بدون خجل و كأنما هؤلاء الثوار هم مجرد (عصاة مجرمون) بحاجة الى إستدراج عطف السلطات التركية الكمالية للعفو عنهم. إنّ هؤلاء الثوار هم أصحاب قضية و يضحون بحياتهم في سبيل تحرير وطنهم المحتل و شعبهم المستعبد. عليه، يجب إجبار العنصريين الأتراك بالجلوس مع ممثلي حزب العمال الكوردستاني و ممثلين آخرين من الكوردستانيين الشماليين و إجراء مفاوضات بين الطرفين في دولة محايدة و تحت إشراف الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد الأوربي. كما يجب على كل من الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد الأوربي رفع إسم الحزب من قائمة المنظمات الإرهابية، لأن هذه الدول وضعت حزب العمال الكوردستاني في قائمتها للإرهاب لأسباب سياسية، من أهمها تبنّي الحزب لأفكار يسارية و كونه يناضل ضد النظام التركي الذي هو عضو في حلف الناتو و القرار صدر أثناء الحرب الباردة و كانت المنافسة مصيرية بين الكتلتين العدوتين، الناتو و وارشو و الأهمية القصوى ل(تركيا) للحلف الغربي آنذاك، لتشكيلها الجناح الجنوبي لحلف الأطلسي.

نعم، أنّ الحروب هي دلالة على إنحطاط الإنسان و بدائيته و تخلفه و أنانيته و جشعه. الحرب تعني إزهاق الأرواح و تدمير البلدان و تلويث البيئة و إستنزاف الثروات الطبيعية و تبديدها. كما أنّ الكوردستانيين لم يكونوا يوماً ما دعاة حرب لأنهم منذ حقبة تأريخية طويلة، يعانون من الإبادة الجماعية و أصبحوا ضحايا للحروب و الغزوات الأجنبية على بلادهم. لذلك فأنهم شعب يؤمن بالسلم و لغة الحوار في حل المشاكل. نحن لا نشجع الحروب و الدمار، و كل شعب يدخل أتون الحروب فهو خاسر لأن الحرب هي جنون بعينه، فهي تعني الموت و الدمار و إستنزاف الطاقات البشرية و المادية للشعوب المتحاربة، بغض النظر عن نتائجها.

بالنسبة للكوردستانيين، فأنّ كوردستان مقسّمة و محتلة من قِبل أنظمة عنصرية وحشية، إستطاعت أن تغرس في نفوس غالبية شعوبها روح العنصرية و العنف و إلغاء الآخر. لذلك فأن وجود شعب كوردستان هو في خطر جدّي كشعب، حيث أنه تحت حكم أربع كيانات سياسية، يحكم إثنين منها العرب (العراق و سوريا) و الثالث يحكمه الأتراك، بينما يعيش الكوردستانيون في إيران تحت الحكم الفارسي. هذا الشعب الموزّع على تلك الكيانات العنصرية الأربع، ممنوع عليه التواصل السياسي و الثقافي و اللغوي و الإجتماعي و الإقتصادي مع نفسه، حيث أن حدوداً دولية مصطنعة تمنع مواطني شعب كوردستان من التفاعل فيما بينهم و جعلت منهم مواطنين لأربع دول، يحملون جوازات سفر تلك الكيانات، رغم إنتمائهم لشعب واحد و رغم عيشهم على أرضهم التأريخية منذ ما قبل التأريخ. هذا التقسيم الجائر لكوردستان أدى الى إنكماش مساحة كوردستان بمرور الزمن و عملَ على تعريب و تتريك و تفريس أو إستعراب و إستفراس (إنسلاخ المرء من قوميته لصالح القومية الفارسية) و إستتراك (إنسلاخ المرء من قوميته لصالح القومية التركية) عشرات الملايين من شعب كوردستان، من كورد و كلدانيين و أرمن و تركمان و آشوريين، خلال الحقب التأريخية الماضية. أصحاب الديانات و المذاهب الكوردستانية، من مسلمين و شيعة و سُنة و إيزيديين و علويين و كاكائيين و غيرهم إنقطع تواصلهم مع البعض أيضاً نتيجة تقسيمها بين تلك الدول، حيث أن الحواجز السياسية المصطنعة تحول دون ذلك التواصل. كما أنّ شعب كوردستان ممنوع عليه التواصل مع البعض حتى داخل إقليمه بسبب فرض لغة و ثقافة الشعوب المحتلة لوطنه.

من هنا ندرك بأنّ الوجود الكوردستاني في خطر، حيث أنه مع مرور الوقت يتسع الإختلاف اللغوي و الثقافي و الإجتماعي بين المجتمع الكوردستاني نتيجة إحتلال وطنهم و تجزئته. لذلك نرى أن الكورد يستعملون في يومنا هذا ثلاث أبجديات في كتاباتهم و يفتقدون الى لغة مشتركة تجمعهم. إنّ الكورد التقسيميين و الإقليميين الذين يصرّون و يؤيدون بقاء كوردستان محتلة و مجزأة، سواء عن دراية أو بدونها، فأنهم يساعدون الدول المحتلة لتفتيت الشعب الكوردي و جعله متشرذماً و يدفعون بعملهم هذا الى ظهور عدة شعوب (كوردستانية) مع مرور الوقت، حيث أنّ لغتنا و ثقافتنا في كل إقليم كوردستاني تسير في مسارات منفصلة و مستقلة عن بعضها و يكوّن الكورد في كل إقليم كوردستاني شعباً جديداً. مما تقدم، نرى أن الوجود الكوردي، كشعب و أمة، في خطر كبير. لا بد من توحّد الجماهير الكوردستانية في كافة أجزاء كوردستان و تبنّي إستقلال كوردستان و العمل على تحريرها قبل فوات الأوان، و إلا أن كل كوردستاني سيكون مساهماً في إفناء الأمة الكوردية، بشكل خاص و الشعب الكوردستاني بشكل عام. إنه قضية حياة أو موت بالنسبة للشعب الكوردستاني.

إطلعتُ على كتابات بعض الزملاء و الزميلات من الكورد و لكُتّاب من أصدقاء و مناصري الشعب الكوردستاني حول التهديدات التركية لشعب كوردستان و لحزب العمال الكوردستاني. إنّ قسماً من هؤلاء الكًتّاب يعالجون المسألة بسطحية و يستخدمون تحليلات ميتافيزيقية بائسة تدل على قُصر نظر، دون إعطاء هذه المشكلة بُعدها و عمقها السياسي الشامل و إهمالهم للتهديد الخطير الذي يتعرض له الوجود الكوردستاني كلما طالت فترة إحتلال كوردستان و تشتت شعبها. هذا البعض فشلوا أيضاً في تشخيص الهدف التركي من تهديداته ضد شعب كوردستان أو تغاضوا عنه، حيث أن هدف الأتراك هو إستعباد الكورد و إلغاء وجوده. الذرائع كثيرة بالنسبة للأتراك، في محاولتهم لإنهاء الوجود الكوردي، كشعب و أمة. اليوم يتشبثون بوجود قوات محدودة لثوار حزب العمال الكوردستاني في جبل قنديل لتحقيق أهدافهم الشريرة، و غداً سيحاولون إبتزاز الكوردستانيين و تركيعهم بحجة تطبيق النظام الفيدرالي في العراق أو إجراء الإستفتاء في محافظة كركوك. إذن، المسألة هي أعمق و أخطر مما يدّعيه النظام الطوراني في أنقرة، حيث أنّ شعارهم هو الحيلولة دون حرية الشعب الكوردي حتى لو أنّ الكورد تركوا أرضهم التأريخية، كوردستان، و إنتقلوا الى كوكب آخر! عليه، على الكورد و أصدقائه أن يستوعبوا الظروف الخطيرة التي يمر بها شعب كوردستان و التي تهدد وجوده و عليهم أن ينطلقوا من هذا الواقع في تحديد المخاطر التي يتعرض لها هذا الشعب العريق كلما طال إستمرار إحتلال كوردستان، و من ثمّ عليهم تحديد سبل التصدي لها لتحقيق طموحات هذا الشعب الأسير المشتت.

كما هو معروف، أنّه في السياسة هناك حقائق يجب على شعب كوردستان معرفتها. إنّ العلاقات الدولية و الحزبية مبنية على المصالح و أنّ الحق دائماّ مع القوة، سواءً كانت قوة عسكرية أو سياسية أو إقتصادية أو تكنولوجية أو معنوية. كذلك هناك ثلاث نقاط أخرى يتطلب من الكورد أخذها في الإعتبار في نضالهم في سبيل الحرية و الإستقلال و الوحدة. الأولى هي أنّ أربع دول تحتل كوردستان و تطوّقها و أنّ هذه الدول مهما إختلفت مع بعضها فأنها تلتقي مع بعضها لتكريس إحتلالها لكوردستان و إستعباد شعبها و نهب خيراتها و لا يمكن الإئتمان بها و الإعتماد عليها. النقطة الثانية هي أنّ الظروف السياسية و التحالفات الإقليمية و الدولية هي ظروف متحركة و متغيرة، ترسم مساراتها و ملامحها موازين القوى و إلتقاء المصالح فيما بين القوى المعنية. النقطة الأخيرة هي أنّ شعوب المنطقة بشكل عام و شعوب الدول المحتلة لكوردستان، هي شعوب متخلفة، تتأصل فيها العنصرية و إلغاء الآخر و إستعمال العنف التي رسمتها الظروف التأريخية التي مرت بها هذه الشعوب و العقائد الشمولية الإقصائية التي تم ترسيخها في نفوسها. لذلك فأن الحديث عن الأخوة بين الكورد و تلك الشعوب هو كذب و دجل لا غير و أنّ الواقع يُدحضها و يُعرّي زيف هذا الإدعاء. لا يمكن نكران وجود أصوات متنورّين و مثقفين ينتمون الى الشعوب المحتلة لكوردستان و الذين يدافعون عن شعب كوردستان و حريته و يُشكرون على قيمهم و مبادئهم الإنسانية النبيلة، إلا أنّ هذه الأصوات القليلة تأتي من أناس لا حول لهم و لا قوة، حيث أنهم بعيدون عن مراكز السلطة و الحكم و يُشكّلون أقلية قليلة. عليه، لا سبيل لإستمرارية الوجود الكوردي، كشعب إلا بالإعتماد على النفس و على القوى الذاتية، و ذلك بتوحيد الصف الكوردستاني في جميع أجزاء كوردستان و تأسيس جبهة موحدة مؤلفة من كل القوى الكوردستانية المؤمنة بإستقلال كوردستان. كما يجب العمل على تحقيق مقومات و مستلزمات الأمن القومي الكوردستاني و تحليل الواقع الإقليمي و الدولي و بناء العلاقات الكوردستانية على ضوء هذا الواقع. ينبغي رفع شعار إستقلال كوردستان و توحيدها و تحرير شعبها من العبودية و التبعية و تحديد و وضع إستراتيجيات و خطط و آليات نضال ترتقي الى مستوى متطلبات تحقيق ذلك الشعار و تؤمّن مطامح الكوردستانيين في إنجاز مهمة التحرر و الإستقلال و الوحدة.

بالنسبة الى حزب العمال الكوردستاني، فأنّ الثائرين على سفح جبل قنديل البالغ عددهم بضعة آلاف مقاتل، حسب ما تذكر وسائل الإعلام، يُشكّلون جزء صغيراً من قوات الحزب، حيث أنّ معظم قواته متواجدة في إقليم شمال كوردستان، بل ينتشر أعضاء الحزب في كافة أرجاء الدولة (التركية)، في إسطنبول و أنقرة و إزمير و غيرها، في قلب الحكومة التركية. لأكون أكثر دقة و أقول بأنّ جذور الحزب تمتد بعمق في كافة أرجاء (تركيا) و أنّ له جماهير و أنصار غفيرة لا ينحصر وجودها في شمال كوردستان أو في (تركيا) و إنما تنتشر في مختلف بقاع العالم. كما أنّ للحزب أنصار كثيرين في الأقاليم الكوردستانية الأخرى. إستطاع حزب العمال الكوردستاني منذ تأسيسه أن يبني تنظيماً منضبطاً و مسئولاً، تتوفر فيه مقومات الإدامة و الإستمرارية و التجديد. قام الحزب ببناء مؤسسات عسكرية و إقتصادية و تنظيمية و إعلامية عملاقة تؤمّن تلك الديمومة و تمنحه القوة و المنعة. إنّ الحزب المذكور بات يمتلك معظم المؤسسات التي يتطلبها كيان سياسي، أي الدولة و أنّ الشئ الوحيد الذي ينقصه هو أرض محررة لينشر عليها تلك المؤسسات لإدارتها. إذن فأنّ القضاء على الحزب هو محض خيال لا غير، و الأتراك أنفسهم يدركون ذلك جيداً. لذلك فأنّ التهديدات التركية ترمي الى إدامة و تقوية تحكم الجنرات بالحياة السياسية في (تركيا) و إستمرارهم في نهب ثروات البلاد بحجة الدفاع عن العلمانية و الكمالية و الطورانية. كما أنّ من أهداف الأتراك هو إبتزاز الكوردستانيين الجنوبيين و تخويفهم و إفشال التجربة الكوردستانية الفتية و الضغط على العراقيين لإلغاء النظام الفيدرالي في العراق و إيجاد حكومة عراقية مركزية قوية تضطهد الكورد و تمنعهم من التمتع بحقوقهم القومية. فيما لو فشل الطورانيون في تقويض الإقليم الجنوبي و إلغاء نظام الحكم الفيدرالي في العراق، فأنهم سيحاولون سلخ محافظة كركوك من كوردستان لحرمان الإقليم الكوردستاني من جزء من أرضه و من عائدات نفط كركوك و الذي يهدف بدوره الى منع توفر مقومات إقتصادية تؤهّل الكوردستانيين لبناء دولتهم المستقلة في الجنوب الكوردستاني.

من هنا ندرك بأنّ تهديدات المسئولين الأتراك بالقيام بعمل عسكري ضد حزب العمال الكوردستاني و شعب إقليم جنوب كوردستان هي نتيجة خلافات سياسية تركية داخلية و نتيجة للضغط الذي تتعرض له حكومة أردوغان من قِبل الطغمة العسكرية و القوى و الأحزاب اليمينية العنصرية. إنها ناتجة عن النزاعات الداخلية بين الحزب الإسلامي الحاكم و العلمانيين العنصريين و المافيا العسكرية و تنامي الشعور المعادي للولايات المتحدة الأمريكية في أوساط المجتمع التركي، بتحريض و تخطيط من الجنرالات التركية و القوى الكمالية العنصرية و الفاشية. إنّ إقدام العسكرتارية التركية بالإعتداء على الجنوب الكوردستاني في هجوم واسع سيكون إنتحاراً بالنسبة ل(تركيا) من الناحية السياسية و الإقتصاداية و العسكرية. من الناحية السياسية، فأنّ علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية ستتدهور و يوصد الباب الأوروبي بوجهها من قِبل الإتحاد الأوروبي و ستُدان من قِبل الأمم المتحدة والرأي العام العالمي. من الناحية الإقتصادية، فأنّ الخبراء الإقتصاديين يتوقعون أن تصل خسارة (تركيا) الإقتصادية الى حوالي 200 مليار دولار فيما لو تورطت في الدخول في حرب ضد الشعب الكوردستاني من جراء توقف و سحب الإستثمارات الأجنبية فيها و تدهور السياحة و التكاليف الباهضة للحرب و توقف إستثماراتها في إقليم جنوب كوردستان و العراق و توقف تدفق نفط كركوك الى (تركيا). هذه الخسارة الضخمة التي ستتعرض لها (تركيا) في حالة إعلانها الحرب، ستقود بكل تأكيد الى إنهيار كامل للإقتصاد التركي الضعيف. أما من الناحية العسكرية، فأنّ القوات التركية الغازية ستتكبد خسائر بشرية كبيرة في صفوف قواتها، بالإضافة الى فقدان الكثير من آلياتها و أسلحتها. إعلان (تركيا) الحرب على الشعب الكوردستاني سيصبح فرصة مؤاتية للكوردستانيين أن يمرغوا غطرسة و عنجهية الحكومة التركية في التراب و ذلك بنقل الحرب الى داخل (تركيا)، بتكثيف حرب العصابات في إقليم شمال كوردستان و في (تركيا) نفسها، في إسطنبول و أنقرة و إزمير و غيرها من المدن التي تعيش فيها جاليات كوردية كبيرة وعن طريق العصيان المدني و التظاهرات الجماهيرية. نجاح الكورد في نقل المعركة الى أرض العدو سيمنحهم فرصة تأريخية لتحرير الشمال الكوردستاني من دنس المحتلين الأتراك و مواصلة القتال الى أن يتمكنوا من تحرير جميع الأراضي المحتلة.

إنّ الأتراك لا زالوا يعيشون في أحلام الماضي العثماني و تحت تأثير الفكر الأتاتوركي الفاشي، لذلك فأنّهم سيستمرون في عرض عضلاتهم في المنطقة و التلويح بالعدوان و شن الحروب على شعوب المنطقة لإبتزازها و لا يردعهم عن الإستمرار في سلوكهم العدواني غير القيام بهزيمتهم و و إذلالهم و خاصة أنهم لم يتذوقوا طعم الهزيمة منذ تأسيس دولتهم العنصرية، حيث أنهم لم يدخلوا في حرب حقيقية منذ ذلك الحين. يبدو أنهم سيلقون مصيرهم الأسود على أيادي أحفاد السومريين و الميديين الذين سيقومون بتحرير أنفسهم و إنقاذ الشعوب الأرمنية و الآشورية و اليونانية من شرور هؤلاء المتخلفين. مع ذلك أعتقد أنّ الأتراك لا يتجرأون أبداً على محاولة غزو كوردستان، لأنها ستكون نهايتهم و إنما قد يقومون بعملية محدودة لضرب الثوار الشماليين في جبال قنديل و سيفشلون في تحقيق أهدافهم كما فشلوا في السابق.

إن القضية الكوردية قائمة منذ تأسيس الدولة التركية العنصرية. مسألة حرمان الشعب الكوردي من أبسط حقوقه القومية و الإنسانية في (تركيا) هي مسألة قائمة قبل ظهور حزب العمال الكوردستاني بعشرات السنين. تضحيات الكورد مستمرة منذ تأسيس الكيان التركي و الثورات و الإنتفاضات الكوردية المستمرة تشهد على تلك. عليه، فأن القضية تتعلق بإحتلال (تركيا) المنطقة الشمالية من كوردستان و حرمان أكثر من 25 مليون كوردي في الشمال الكوردستاني من حقوقهم القومية و الإنسانية، بل إنكار الوجود الكوردي في (تركيا) و إذلال و إستعباد الكورد في هذا الكيان و أنّ حزب العمال الكوردستاني يهدف الى إنهاء هذا الإحتلال و الإستعباد. إذن على الشعوب المتحضرة و منظمات المجتمع المدني في العالم و منظمة الأمم المتحدة و الكُتّاب و المثقفين و وسائل الإعلام التركيز على إحتلال كوردستان من قِبل أربع كيانات سياسية عنصرية متخلفة و حرمان شعبها الذي تصل نفوسه الى أكثر من أربعين مليون نسمة من حق تقرير المصير و التخلص من نير الإحتلال. يعيش هذا الشعب العريق في ظروف صعبة للغاية، حيث تتعرض هويته و ثقافته الى خطر الزوال. على تلك الجهات ممارسة الضغوط على الحكومة التركية و إرغامها على الإعتراف بحق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره بنفسه في إستفتاء شعبي تُشرف عليه منظمة الأمم المتحدة ليقول الشعب الكوردستاني كلمته في إختيار مصيره و تحديد حياته و مستقبله. إنّ إهمال حل القضية الكوردية في منطقة الشرق الأوسط و حرمانه من تأسيس دولته، أسوةً بشعوب العالم الأخرى، سيقود الى إستمرارية الحروب و إراقة الدماء و الإضطراب في هذه المنطقة. كما أنّ على أصدقاء و أعداء الكورد على السواء أن يتأكدوا بأنّ المارد الكوردي قد خرج من قمقمه و ليست هناك قوة في الأرض قادرة على الوقوف في طريق حريته و إستقلال بلاده، حيث أن الشعب الكوردستاني إستطاع أن يمضي في ديمومته و يحافظ على حياته و هويته، حينما نجح في إجتياز خطر الذوبان و الفناء في فترة عصيبة من تأريخه، ألا وهي فترة الحرب الباردة و إزدهار الفكر العروبي و الطوراني و طغيانهما في المنطقة. اليوم دخل الشعب الكوردستاني مع شعوب العالم الأخرى في عالم العولمة و الإنترنيت و الفضائيات و إندحار الأفكار العنصرية و تحرر الشعوب و تبنّي الديمقراطية و حقوق الشعوب و الإعتراف بالآخر الذي هو الضمان الأكيد لتحرر الكوردستانيين و تأسيس دولتهم. لا يُهم إن أفلح الأتراك في إحتلال أجزاء من الجنوب الكوردستاني و تعرض الكوردستايين لنكسات، إلا أنّه على المدى البعيد ستكون المحصلة النهائية هي في صالح الشعب الكوردستاني و سيتم إستقلال كوردستان و تحرر شعبها من العبودية و الذل و سيكون النصر لهم و مصير أعدائهم الإندحار و الهزيمة.

تتعرض حكومة إقليم كوردستان في الوقت الحاضر لضغوط تركية كبيرة، سياسياً و إقتصادياً و عسكرياً و نفسياً. لخلق مقومات القوة و المنعة عند الكوردستانيين الجنوبيين، أحب هنا التحدث عن بعض جوانب الضعف عندهم. إنني أعتقد بكل أسف بأن سلطات الجنوب الكوردستاني غير قادرة على مقاومة تلك الضغوط لسببين رئيسيين. الأول هو وضع المصالح الشخصية و العائلية و القبلية و الحزبية فوق المصالح الوطنية و القومية. إنّ المسئولين الكوردستانين غير مستعدين أبداً أن يجازفوا بفقدان الشهرة و السلطة و الثروة و النعيم التي يتمتعون بها و ذلك بتبني طموحات الشعب الكوردستاني التي تعارضها (تركيا) و بالتالي الدخول في حرب معها. النقطة الثانية هي أنّ السلطات الكوردستانية في الجنوب، خلال حكمها شبه المستقبل في السنوات الخمسة عشرة الماضية، لم تتمكن و لم تعمل على تأسيس مرتكزات كيان قادر على الحياة و لم تعمل على إيجاد متطلبات الحفاظ على الأمن القومي الكوردستاني، حيث أنه بعد مرور خمسة عشر عاماً على إستلام الحكم لم تستطع السلطات الكوردستانية من توحيد الوزارات المهمة، حيث أبقى كل من الحزبَين الحاكمَين على الوزارات التي تخص الثروة و السلطة بشكل مستقل لكل منهما و هي وزارات البيشمه ركه و الداخلية و المالية، لإستحواذ كل منهما على المواد المالية و المؤسسات العسكرية بشكل مستقل لفقدان الثقة بينهما و عدم إستطاعتهما تقسيمها بينهما بشكل مشترك، و بذلك فشلا في تأسيس جيش كوردستاني موحد و أجهزة أمنية مركزية. عند توحيد الإدارتين الكورديتين، نتيجة التنافس الشديد بين الحزبَين الحاكمَين و عدم تنازلهما عن الإستغناء عن قسم من وزرائهما في الإدارتين السابقتين، قاد الى إستيزار 42 وزيراً في حكومة الإقليم الموحدة و الذي يُشكّل عبئاً كبيراً على ميزانية الإقليم و تُكلّف شعب كوردستان أعباءً مالية ضخمة تُصرف على الرواتب العالية للوزراء (الراتب المخصص للوزير و عضو البرلمان الكورستاني هو من الأسرار التي غير مسموح للشعب معرفته)، بالإضافة الى تكاليف موظفي هذه الوزارات و مؤسساتها. كتابة الدستور الكوردستاني بدأت قبل مشروع الدستور العراقي، إلا أنه تمّ إنجاز كتابة الدستور العراقي و الإستفتاء عليه و إقراره، بالرغم من العمليات الإرهابية و الفوضى الأمنية و السياسية التي يمر بها العراق، بينما مشروع الدستور الكوردستاني لا زال يتراوح في مكانه و مصيره مجهولاً رغم الأمن و الإستقرار الذي يتمتع به الإقليم الجنوبي لكوردستان و رغم عرض مسودة الدستور للمناقشة، سواء داخل أروقة البرلمان أو على صفحات الصحف و في وسائل الإعلام الأخرى و تم تقييمها من خلال نشر مئات المقالات. اللغة الكوردية الموحدة تُشكّل أهم عنصر لتوحيد الأمة الكوردية و الحفاظ عليها، إلا أنّ حكومة إقليم كوردستان لم تهتم إهتماماً جدّياً بهذا الموضوع المصيرى رغم إثارته شبه اليومية من قِبل المثقفين و الكُتّاب الكورد. موضوع آخر خطير يجب الإشارة إليه هو تداخل سلطات الحزبين الحاكمين مع السلطات التنفيذية للإقليم أو بالأحرى تدخل الشخصيات الحزبية في شئون السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية و الذي يؤدي الى شلل تلك الهيئات و عجزها عن إداء مهامها. نقطة أخرى هي أنّ السلطات الكوردستانية خلقت مجتمعاً إستهلاكياً غير منتج، حيث هناك عشرات الآلاف من أعضاء الحزبَين الحاكمَين متفرغين للأعمال الحزبية و يستلمون رواتب شهرية من خزينة الإقليم، دون أن يقدّموا أي عمل يساهم في بناء كوردستان. كما أنّ البطالة المُقنعة منتشرة بشكل كبير و التي تعرقل مسيرة التقدم الكوردستاني. الديمقراطية في الجنوب الكوردستاني تعاني من معوقات كثيرة تقف أمامها و من أهم أخطاء النظام الديمقراطي في هذا الإقليم هو قيام الحزبَين الحاكمَين بإقتسام السلطة فيما بينهما و إرضاء الأحزاب الصغيرة بمنحهم بعض المناصب و الإمتيازات و بذلك تنعدم الأحزاب المعارضة في الحياة السياسية الكوردستانية لمراقبة أعمال السلطة التنفيذية و يفتقد النظام لسياسي الى منافسة حزبية ديمراطية و يتم تفريغ الديمقراطية من محتواها في غياب أحد أهم عناصرها و شروطها.

الأمن الغذائي و الإعتماد على القدرة الذاتية لإنتاج وسائل الطاقة، من كهرباء و وقود، يعاني من الإهمال و اللامبالاة أيضاً، حيث يعتمد الإقليم في الحصول على الغذاء و مصادر الطاقة على كل من (تركيا) و إيران اللتين تحتلان أجزاء من كوردستان و تعملان بصورة حثيثة على إجهاض التجربة الكوردستانية الفتية. خمسة عشر عاماً، و هي عمر الإستقلال شبه التام لإقليم الجنوب، وهي فترة ليست قصيرة و كان من الممكن للكوردستانيين في هذا الإقليم أن يتخلصوا من التبعية الإقتصادية للدول المحتلة لكوردستان و ذلك بتوفير مستلزمات الأمن الإقتصادي، إلا أنّه لم يتم بذل جهود مخلصة لتحقيق هذا الهدف، بل جُعل الإقليم مجرد مقاطعة تابعة للدول المحتلة لكوردستان إقتصادياً و الذي عن طريق الحصارالإقتصادي يستطيع المحتلون فرض شروطهم على الكوردستانيين دون الحاجة الى تهديدات عسكرية. نفس الشئ يمكن أن يُقال بصدد الفشل في بناء قوة عسكرية دفاعية رادعة للإقليم لدرجة أنّ القوى المعادية للكوردستانيين، كجنرالات (تركيا)، لم يكن حينئذ بإستطاعتهم التلويح بإستعمال القوة ضد الإقليم، و إنما كان مثل هذا الإستعداد العسكري الكوردستاني سيصبح مصدر إنطلاقة لتحرير الأجزاء الأخرى من كوردستان من براثن الإحتلال. لا أريد الإسترسال في هذ الموضوع الهام لأنني، منذ عدة سنوات بدأتُ بكتابة رؤوس أقلام حوله و سأنشرها ضمن سلسلة طويلة من المقالات و بشئ من التفصيل و بصورة علمية و موضوعية، هادفاً بذلك خدمة شعبنا العريق، بعيداً عن الأفق الضيق في محاولة لإستهداف أحد و إنما هدفي هو متابعة المسيرة الكوردستانية و خلق متطلبات إستقلال كوردستان و تحرر شعبها من الإستعباد و الذل.