الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (14)

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة (14)

علل اثر ذلك صدرت ارادتان ملكيتان بتاريخ الثلاثين من تموز 1925 تقضي الاولى “باعتبار المعاملة التي جرت في تعيين الشيخ عبد القادر بن الشيخ سعيد عضوا في مجلس الاعيان كأن لم تكن” فيما تقضي الثانية بتعيين الحاج ملا سعيد كركوكلي زاده مكانه. وفي تعليق له على ذلك يقول الحسني كان ذلك من شأنه ان “يؤدي إلى خصومات محلية”.بعد تعيين اعضاء مجلس الاعيان تقرر افتتاح مجلس الامة في السادس عشر من تموز كما سبق الذكر، وقد تحول ذلك اليوم إلى “يوم مشهود في بغداد” حسب تعبير الحسني الذي يضيف إلى ذلك قوله “كان الاحتفال بافتتاح مجلس الامة في اليوم المذكور في منتهى النظام والكمال والابهة، فقد اصطفت قطعات الجيش والشرطة والكشافة على طول الطريق المؤدية إلى بناية المجلس النيابي، وكانت موسيقى الجيش تصدح عند مدخل المجلس، والجماهير محتشدة في الشارع العام، وبالخاصة قرب بناية المجلس”.
حدد الملك فيصل الاول في خطاب العرش الذي ألقاه بالمناسبة مهمات مجلس الامة الاساسية في دورتها الاولى، اهمها سن القوانين والانظمة، وتطوير الادارة، والاهتمام بالتعليم والتربية وطرق المواصلات، وتحسين إدارة البلديات وما شابه من الامور وفي هذا السياق يتجسد دور النواب الكورد في اجتماعات الدورة الانتخابية الاولى في مجلس النواب. فقبل كل شئ اختير عدد كبير من النواب الكورد اعضاء في اللجان الثماني التي ألفها المجلس، وعلى النحو التالي.
.1ابراهيم يوسف، نائب اربيل، عضواً في “لجنة تدقيق الحسابات” التي كانت تتألف من اربعة نواب، وقد اختير مقررا للجنة.
2. نواب كركوك، محمد سعيد الحاج حسين ورفيق خادم السجادة والشيخ محمد حبيب الطالباني، ونائب اربيل داود الحيدري اعضاء المجلس في “لجنة الامور الحقوقية” التي كانت تتألف من ستة عشر نائبا.
3. احمد مختار الجاف نائب السليمانية، ونشأت ابراهيم نائب كركوك عضوين في لجنة “لجنة المراجعات والعرائض” التي كانت تتألف من اربعة عشر نائبا.
4. داود الحيدري، نائب اربيل، ومرزا فرج الحاج شريف، نائب السليمانية وهو تاجر معروف كما سبقت الاشارة، عضوين في “لجنة الامور الاقتصادية” التي كانت تتألف من اربعة عشر نائبا.
5. هبة الله المفتي، نائب الموصل، والشيخ محمد حبيب الطالباني، نائب كركوك ونواب السليمانية محمد امين زكي ومحمد صالح محمد علي ومرزا فرج حاج شريف اعضاء في “لجنة امور المعارف” التي كانت تتألف من خمسة عشر عضوا، ولقد ادى محمد امين زكي دورا متميزا في هذا المضمار كما نبين ذلك فيما بعد .
6. نشأت ابراهيم، نائب كركوك، ابراهيم يوسف، نائب اربيل، عضوين في “لجنة الامور المالية”.
7. حازم شمدين اغا، نائب الموصل، عبدالله مخلص، نائب اربيل، عضوين في “لجنة الامور السياسية” التي كانت تتألف من خمسة عشر نائبا.
8. اسماعيل الرواندوزي، نائب اربيل، محمد سعيد الحاج حسين، نائب كركوك، والشيخ نوري البريفكاني، نائب الموصل اعضاء في “لجنة الامور العسكرية” التي كانت تتألف من اثني عشر نائبا.
وبموجب التعليمات الخاصة التي صدرت بهذا الخصوص كان يحق للجان مجلس النواب والاعيان “ان تطلب حضور الوزير امامها لمناقشته في الامور التي تروم الوقوف عليها وللوزير ان ينيب عنه في ذلك الموظف الذي يتعلق الامر به”. ومن المهم ان نشير إلى ان نائب السليمانية محمد امين زكي سرعان ما اختير رئيسا للجنة الامور العسكرية، وكانت السبب في اختياره يكمن في انه كان من المع ضباط الركن المعروفين، وقد ذاع صيته في اواخر العهد العثماني، وكان مدرسا في كلية الاركان في اسطنبول قبل عودته إلى العراق مع العلم ان ياسين الهاشمي قد اختير في البداية رئيسا للجنة المذكورة.
ومع ان الوجود الكوردي في لجان اول مجلس نواب عراقي كان واضحا إلا ان دورهم لم يرتق إلى المستوى نفسه، ولم يكن مرد ذلك إلى حضور نواب الكورد انفسهم بقدر ما نجم الامر عن قلة التجربة النيابية نفسها التي جعلت من معظم هذه اللجان ظواهر شكلية، حتى ان اكثر من لجنة واحدة من اللجان تلك قد اختفت في دورات مجلس النواب اللاحقة. فان “لجنة امور المعارف” لم تبت في امر، على الرغم من اهميتها الاستثنائية عموما، وبالنسبة لظروف العراق يومذاك خصوصا، لم تبت بشيء طوال الاجتماع غير الاعتيادي الثاني لمجلس النواب في دورته الانتحابية الاولى، والذي بدأ بتاريخ الثالث من ايار وانتهى بتاريخ الثامن من حزيران عام 1927 في أي موضوع لان “لن يحل لها أي شيء” اصلا كما ورد نصا في تقرير سكرتير المجلس عند اعمال اللجان الدائمة خير الدين السنوي، فيما لم يحل إلى “لجنة الامور الاقتصادية” المهمة بدورها، في الاجتماع نفسه “سوى لائحة واحدة وهي لائحة قانون تشجيع الصنائع التي احيلت اليها ولجنة الامور المالية مشتركا، ولم يقدم عنها تقرير، وقد بقيت مهملة بسبب حل المجلس” كما ورد ايضا نصا في الوثيقة البرلمانية نفسها.
نضيف إلى ما سبق حقيقة مهمة اخرى، وهي ان ايا من النواب الكورد لم ينتم إلى المعارضة البرلمانية اثناء اعمال المجلس في مدة دورته الانتخابية الاولى، مع العلم ان المعارضة تلك ادت دورا مهما متميزا في تلك الحقبة في عمر المجلس، ويرتبط سبب ذلك بامرين حيويين، الاول منهما هو ان المعارضة البرلمانية نفسها لم تفهم اهمية المسألة الكوردية على حقيقتها، ولم تطرح نفسها في مضمارها بمستوى الحد الادنى من الشعور بالمسؤولية في اطار وطني ديمقراطي، بل انها، وفي حالات غير قليلة، كررت نفس اخطاء الاتحاديين في اسلوب تعاملهم مع القوميات غير التركية في اواخر العهد العثماني، وفي المقدمة منها القومية العربية. اما العامل الثاني فانه ارتبط بحقيقة ان المعارضة الكوردية الحقيقية اختارت لنفسها يومذاك، ولاسباب عدة، طريق الكفاح المسلح بقيادة الشيخ محمود، بينما كان معظم النواب الكورد في المجلس الاول يتمركزون في الخندق المعادي للشيخ لاسباب شتى وبدرجات متفاوتة، وكان ذلك اصلا من اهم اسباب اختيارهم نوابا.
لا يعني ذلك، دون شك، ان نواب الكورد هؤلاء اهملوا قضايا شعبهم، فانهم اثاروا امام مجلس النواب في تلك الحقبة من عمله امورا مهمة كانت تدخل في صميم خدمة الكورد، وتستهدف تطوير المناطق التي كانوا يمثلونها. ولقد ركز هؤلاء النواب، في اطار المناخ المسموح، على قضايا التعليم والخدمات الصحية وطرق المواصلات وقضايا الادارة وغيرها من الامور التي اثيرت امام مجلس النواب في دورته الانتخابية الاولى كما في دوراته اللاحقة.
في هذا السياق حظيت قضايا التعليم باهتمام النواب الاستثنائي، لا سيما النقص في المدارس الذي كانت تعاني منه بعض الوية العراق الكوردية، ومنها السليمانية، والتفاوت الكبير بين نسبة المدارس من لواء إلى آخر. ففي الوقت الذي كان في لواء الموصل 72 مدرسة ابتدائية للبنين، و18 مدرسة للاناث، ومدرسة ثانوية واحدة، لم يكن في لواء السليمانية سوى مدرسة واحدة يداوم فيها 105 طلاب وتضم خمسة صفوف فقط، ومحرومة من ابسط المستلزمات اللازمة لسير العملية التربوية بعد ان كان في المدينة نفسها بضع مدارس ابتدائية ورشدية ومدرسة رشدية عسكرية، كما ورد في نص مداخلة برلمانية موثقة قدمها امام المجلس نائب السليمانية محمد امين زكي. وفي الجلسة نفسها تمت الاشارة إلى ان مفتش وزارة المعارف اكد في تقرير خاص له ضرورة فتح اربع مدارس حكومية جديدة في لواء السليمانية، لكن الحكومة لم تعر تقريره أي اهمية تذكر.
في الوقت نفسه قدم اثنا عشر نائبا ثلاثة اقتراحات إلى المجلس في اجتماعه غير الاعتيادي الاول تضمنت اتخاذ قاعدة المساواة والموازنة في تشكيلات معارف الالوية، وتهيئة المستلزمات اللازمة للتدريس إلى الالوية بنسبة عادلة، واكمال تشكيلات المعارف في لواء السليمانية باسرع ما يمكن، وبما يضمن تأسيس اربع مدارس جديدة في العام 1925، فضلا عن مدرسة صناعية اخرى للبنات، وزيادة عددها في سنة 1926. اما النواب الكورد الستة الذين وقفوا على المقترحات المذكورة فكانوا محمد امين زكي ومرزا فرج الحاج شريف والشاعر احمد مختار الجاف ومحمد صالح من نواب السليمانية، فضلا عن نائبي اربيل اسماعيل رواندوزي وابراهيم يوسف.
تصدى نائب السليمانية محمد امين زكي مرارا،وباسلوب شامل لهذا الموضوع الحيوي الذي يشكل احد الاسس التي لاغنى عنها لبناء اي مجتمع وتطوره إلى آفاق رحبة، فحلل بالارقام فقدان الموازنة بين الوية العراق. ففي الموصل توجد مدرسة واحدة لكل خمسة الاف نسمة، وتوجد في اربيل مدرسة واحدة لكل ثلاث وثلاثين الف نسمة، ولكركوك مدرسة واحدة لكل عشرة الاف نسمة، وللعاصمة بغداد فلكل ثمانية عشر الف مدرسة، في حين لم يحصل مائة وستين الف نسمة من ابناء السليمانية إلا على مدرسة واحدة. واكد النائب ضرورة اخذ الحكومة هذا الموضوع بنظر الاعتبار لكي ” لا تتقدم بعض الالوية…. وتبقى الالوية الاخرى متأخرة”.
حاول مزاحم الباجه جي نائب الحلة الدفاع عن موقف حكومة عبدالمحسن السعدون والتقليل من اهمية مااورده نائب السليمانية من حقائق تخص هذا الموضوع، معللا الامر بما اسماه، “العوامل الموقعية… التي عرقلت مساعي الحكومة في تكثير المدارس هناك”. فرد عليه محمد امين زكي مؤكدا انه اوضح رأيه عن تشكيلات المعارف في الالوية بنظرة عامة، واستشهد بلواء كربلاء التي قال ان وجود اربع مدارس فيها هو عدد قليل قياسا لسكانها، وان القصد من الاقتراحات التي قدمها وزملاؤه هو لفت انتباه الحكومة إلى قلة المدارس عموما، وان توزيعها ليس عادلا كما يعتقدون. في جلسة الثامن من تشرين الاول 1925 دعا نائب الموصل حازم آل شمدين اغا إلى ضرورة ارسال معلمين كورد إلى المدارس الواقعة في كوردستان لكي يستفيد ابناء المنطقة منهم بدلا من المعلمين العرب الذين دأبت وزارة المعارف على تعيينهم في المناطق الكوردية. وايد يوسف غنيمة نائب بغداد ما ذكره زميله مؤكدا “ان هذا الطلب معقول ومشروع”، والتمس من المجلس احالته إلى وزارة المعارف لتقييد رغبة الكورد المشروعة هذه.
انكر ساطع الحصري مدير المعارف العام، الذي اناب في جلسة مجلس النواب عن وزير المعارف، انكر وجود اي معلم في كوردستان يجهل اللغة الكوردية.وعندما اوضح آل شمدين اغا وجود مثل هؤلاء المعلمين في مناطق زاخو وعقرة والعمادية عاد الحصري ليصحح ماذكره بأنه ” لا يوجد معلم لا يحسن الكوردية هناك إلا معلمي اللغة الانكليزية، وعندما يحصل معلم لا يعرف اللغة الكوردية والانكليزية سنستبدلهم، وان معظم المعلمين الذين كنا قد اضطررنا على ارسالهم هناك بناءً على عدم وجود من يحسن اللغة الكوردية، وانا اؤكد للمجلس بأن لا يوجد لدى المعارف معلمين كافيين في الوقت الحاضر”. وحسما للنقاش احال رئيس مجلس النواب المقترح على الاقتراع فنال الاكثرية.
ان اي تحليل لما ورد في مقترح نائب الموصل يدلل على ان ما طرحه لم يكن يتعدى المطالبة بحق طبيعي مشروع لاي قومية في ان يتعلم ابناؤها في اهم مرحلة في مراحل حياتهم الابجدية التي تهيئهم ليكونوا اعضاء نافعين في مجتمعهم رغم الصعوبات التي تحيط بدراستهم، وعدم وجود ابسط مستلزمات التعليم لهم، الموضوع الذي لم يتصد الحصري لمعالجته بالمستوى المطلوب.
لم تكن قلة المدارس في الالوية الكوردية هي المشكلة الوحيدة التي كان يعاني منها ابناؤها في مضمار التعليم حسب، فان القائمين على شؤون المعارف يومذاك كانوا على سبيل المثال، ينوون الغاء مدرسة الصناعة في كركوك دون غيرها، متذرعين في ذلك بمختلف الحجج الواهية من قبيل عدم وجود “المقدار الكافي من المعلمين” وعدم حاجة مدينة كركوك لمتخرجي المدارس الصناعية “لان غاية هذه المدارس ليس هو التعليم المجرد، بل هو تعليم الصناعة” و “ان متخرجي الصناعة لا يصلحون لشيء إلا اذا كان لصناعتهم رواج” فضلا عن “ان خريجي هذه المدرسة اصبحوا كثيرين ويشتغلون بأمور اخرى لا علاقة لها بالصناعة” على حد ما جاء في قول ساطع الحصري في معرض دعوته النواب للموافقة على نقل مدرسة كركوك الصناعية، فيما نرى الحصري نفسه، وفي جلسة المجلس نفسها يتخذ موقفا نقيضا من اقتراح ابداه نائب ديالى نصرة الفارسي بخصوص مدرسة الصناعة في الموصل ايضا، وفي ضوء ما عرضه الحصري بخصوص مدرسة الصناعة في كركوك، اذ رفض الحصري ذلك على اساس ان رغبة “اهل الموصل فيها كثيرة، ويجب ان تبقى المدرسة ما بقي هذا الاقبال”، مما يجسد، دون ريب توجها عنصريا مبكرا لم يعهده المجتمع العراقي من قبل. ومن اجل القاء ضوء اضافي على ابعاد، ودوافع مثل هذا الموقف اللاموضوعي الذي اثار حفيظة النواب الكورد في المجلس عن حق، نشير إلى حقيقتين مهمتين أخريين، هما ان مدرسة صناعة كركوك كانت اعرق المدارس في تاريخ التعليم العراقي الحديث، ففي وقت مبكر من العام 1871 اسس الوالي مدحت باشا في كركوك مدرسة للصنائع كانت واحدة من اثنتين في كل العراق، والاخرى كانت في بغداد. ومن الضروري ان نشير بالمناسبة إلى ان ابناء كركوك انفسهم قاموا ببناء هذه المدرسة ” وتأثيثها وشراء مختلف لوازمها” كما اعلنت صحيفة “الزوراء” وحسب الصحيفة نفسها فأن احد مواطني الموصل دعا في السنة نفسها تأسيس مدرسة للصنائع في مدينتهم، وعلى صفحات “الزوراء” ايضا، إلى “الأقتداء باهالي مدينة كركوك”.اما الحقيقة المهمة الاخرى فهي ان دعوة الحصري إلى الغاء مدرسة صنائع كركوك تزامنت تماما مع دخول المفاوضات العراقية- البريطانية بصدد الامتيازات الخاصة لاستغلال نفط كركوك مراحلها النهائية، مما مهد الطريق للقيام باعمال التنقيب وحفر الابار على نطاق واسع جدا هناك، وهذا كان يعني بالبداهة ان كركوك اصبحت يومذاك بحاجة ماسة إلى الايدي العاملة الماهرة من نوع خريجي المدارس الصناعية، اكثر من اية منطقة عراقية اخرى.
على الرغم من كل ذلك تقرر الغاء المدرسة، ولم يؤخذ برأي نائب كركوك نشأت ابراهيم الخاص باصلاح المدرسة بدلا من الغائها، ليفقد الكورد بذلك مركزا تعليميا صناعيا مهما بسبب السياسة التعليمية اللاموضوعية ومن المفيد ان نشير بالمناسبة الى ان نائب السليمانية محمد امين زكي كان طرفا مباشرا فيما كان يجري بهذا الخصوص لا بوصفه نائبا فحسب، بل كان ايضا وزيرا للاشغال والمواصلات في العديد من الوزارات التي الفت في ذلك العهد فاعد اكثر من تقرير خاص بصدد الموضوع.
اولى النواب الكورد في اجتماعات الدورة الانتخابية الاولى لمجلس النواب موضوع استكمال نواقص المرافق التعليمية في المناطق الكوردية اهتماما خاصا، لكنهم اصطدموا بنفس العقبات التي حالت دون تحقيق مطاليبهم المشروعة تلك إلا في حدود.ففي جلسة المجلس يوم الثاني من آذار 1926 اقترح اسماعيل رواندوزي نائب اربيل مع عدد من رفاقه فتح مدرسة في راوندوز طالبا الاسراع في ذلك لانه يدرك ان عرائضه، “تبقى في منضدة مدير المعارف مدة طويلة، وتكون طعمة للغير حسب سياسته المعروفة نحو الالوية الشمالية”. ومرة اخرى تذرع ساطع الحصري بان وزارة المعارف خصصت المبالغ اللازمة في ميزانية سنة 1924 لفتح مدرسة في راوندوز، لكنها توقفت عن تنفيذ مشروعها بسبب الحوادث التي جرت في المنطقة. وعندها طلب رواندوزي توضيحا عن فتح صف ثانوي في اربيل، فقال ساطع الحصري حول هذا الموضوع ما نصه: ” ان الوزارة تعتقد ان التحصيل في اربيل لم يصل إلى درجة يمكن معها فتح مدرسة ثانوية، لانه يوجد في الصف الاخير من مدرسة ابتدائية اربيل ثمانية طلاب ولايؤمل نجاح اكثر من 4 او 5، فتأسيس صف ثانوي يعد اسرافا”.
وفات ممثل وزير المعارف اين يذهب الطلبة المتخرجون من الذين يتوقع نجاح اربع او خمسة منهم خلال عام 1926، الامر الذي اثار استفسارات النواب حول مستوى التدريس ونظرة وزارة المعارف إلى المناطق الكوردية. وبهذا الصدد قال خيري الامام، نائب الموصل، في تعقيبه على ساطع الحصري ان عدم تخرج طلاب من مدرسة اربيل يدل “على انحطاط التدريس في ذلك اللواء المهم، وهذا الانحطاط انما يكون ناشئا عن اهمال الوزارة بذلك اللواء.
وجاءت ردود ساطع الحصري مفعمة بالتبريرات، والقى باللائمة على عدم استقرار الاوضاع في اربيل، ولم ينس ان يؤكد “ان عدم وجود صفوف سادسة في المدرسة ليس من اعمال الوزارة”، حينذاك لم يجد ابراهيم يوسف نائب اربيل بدا من ان يسلط الضوء ساطعا على حقيقة التعليم بشكل عام في اربيل، ومن خلاله على توجهات وزارة المعارف وسياستها تجاه المنطقة الكوردية، فقال بهذا الصدد ان ابن اربيل عندما يتم دراسته في الصف الخامس يضطر للذهاب إلى مدينة كركوك لاكمال دراسته الابتدائية ومن ثم يأتي إلى بغداد للتحصيل الثانوي، وهذا يعني “ان الوزارة:… اهملت جميع الالوية الشمالية لعدم التساوي الموجود”، مستشهدا بأن في العراق (213) مدرسة تجعل نصيب كل لواء (15) مدرسة، لايوجد منها في لواء اربيل سوى (6) مدارس، بينما توجد في لواء الموصل (100) مدرسة “فأين هذه النسبة من تلك” كما تسأل عن حق. لقد تركت مواقف ساطع الحصري، ومن سار على نهجه، من التعليم في المناطق الكوردية آثارا سلبية عميقة الغور في نفوس الكورد، بمن فيهم النواب الكورد الذين انتقد بعضهم مواقفه تلك انتقادا لاذعا في اجتماعات المجلس في دورته الانتخابية الثانية.