الرئيسية » مقالات » في تفكيك خطاب الهذيان العروبي ودحضه : هذيان حياة الحويك عطية نموذجا

في تفكيك خطاب الهذيان العروبي ودحضه : هذيان حياة الحويك عطية نموذجا

أثارت ولازالت حلقة “الاتجاه المعاكس” في 9 / 10 / 2007 حول تقسيم العراق والتي شارك فيها عن الجانب الكردي كاتب هذه السطور في مواجهة أحد عتاة القومجيين الاسلامويين والذي كان يفخر على رؤوس الأشهاد وأمام عشرات الملايين من المشاهدين بكونه إرهابيا فقد أثارت الحلقة كما هائلا من ردود الأفعال الهستيرية المتشنجة في أوساط الممانعة المأزومة الاسلاموية القومجية في العالم العربي والمدعومة أساسا من النظام السوري وأدواته وبيادقه في لبنان كحسن نصرالله ووئام وهاب وفي فلسطين كخالد مشعل وأحمد جبريل وفي الأردن كليث شبيلات وتلميذه “النجيب” إبراهيم علوش وفي العراق كحارث الضاري وصالح المطلق فضلا عن بعض الشراذم الممانعة هنا وهناك في غير بلد عربي ونحن هنا سنكتفي بأخذ عينة من ردود الأفعال القومجية الهوجاء المتعلقة بالحلقة المعنية من الاتجاه المعاكس التي كان لي شرف تمثيل شعبي الكردي والذود عن عدالة قضيتي الكردية فيها فقد نشرت الدكتورة حياة الحويك عطية مقالا في صحيفتي “الدستور” الأردنية و”الخليج” الإماراتية تعليقا على الحلقة المذكورة قوامه اجترار الاتهامات الباطلة السخيفة وكيل الشتائم البذيئة بحق الشعب الكردي وقضيته القومية العادلة والمثير للسخرية أن الدكتورة حياة وهي القومجية العتيدة تؤكد في معرض اعتراضها على عدالة ومشروعية حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في دولة قومية مستقلة على أن عصر القوميات قد ولى منذ القرن التاسع عشر محاولة إسقاط التجربة التاريخية الأوروبية والغربية عامة على منطقتنا المصابة بالتمكن الاستبدادي والاستعصاء الديموقراطي تاليا والتي ترسخت بعد مخاض عسير وشاق وطويل للوصول إلى نموذج الدولة – الأمة في الغرب الديموقراطي الحضاري الحداثي الذي تخلص من لوثة الآيديولوجيات والصراعات والاحترابات القومية والدينية والمذهبية بعد سلسلة من الحروب والنزاعات والمطارحات والمراجعات الفكرية والثقافية والإصلاحية الدينية العميقة ومع ذلك فالغرب لم يبرأ من شرور الآيديولوجيات المتطرفة حتى منتصف القرن الماضي وخروج الحلفاء منتصرين في الحرب العالمية الثانية على النازية والفاشية بل أن بلدانا كاسبانيا والبرتغال واليونان كانت حتى قبل عقود قلائل ضحية نظم تسلطية ديكتاتورية متلحفة بالعباءة القومية .
والحال أن النموذج الديموقراطي الغربي المرتكز إلى المواطنة الدستورية لا يقوم بأي حال من الأحوال على طمس المسألة القومية عبر نفي القوميات المتباينة في إطار الدولة الواحدة وصهرها بل هو بوصفه صيغة حضارية متقدمة يقوم على الاحتفاء بالتعدد والتنوع وليس كبتهما وقمعهما كما تدعي الدكتورة وعليه فقد اعتمدت الدول الغربية المتعددة القوميات والانتماءات الدينية والمذهبية صيغ وأشكال حكم توافقية تعددية واتحادية بما ينسجم مع تنظيم هذا التعدد وضبطه واحتواءه ايجابيا وبما يعود بالنفع على الجميع ويعزز الاستقرار والتكامل والوحدات الوطنية الطوعية لتلك البلدان ومحاولات الكاتبة المتذاكية لإدراج القضية الكردية العادلة في خانة الدعاوى القومية المتطرفة لا تثير في واقع الأمر سوى الضحك وهي محاولة سخيفة لإحلال الضحية محل الجلاد وتصوير الأكراد سببا لكل مشكلات المنطقة وأزماتها واستعصاءاتها المزمنة التي هي في واقع الحال نتاج طبيعي للبناء الاعتباطي الدمجي الخاطئ لهذه الدول المعطوبة تعريفا وخصوصا الدول الأربع المقتسمة لكردستان ( تركيا وإيران والعراق وسورية ) فالايديولوجيا القومية العنصرية والاستئصالية المتطرفة الحاكمة في تلك البلدان والمتنكرة للقضية الكردية هي المفترض تشبيهها بالنازية والفاشية لا بل أن هذه الآيديولوجيات البعثية والكمالية والخمينية تبز الفاشية والنازية وتفوقهما تزمتا وعنجهية وعدوانية في قهر وإبادة الشعوب والقوميات الأخرى وعلى رأسها الشعب الكردي دون أن نغفل الشعوب والجماعات الأخرى كالأمازيغ في شمال أفريقيا والأقباط في مصر والجنوبيين والدارفوريين في السودان والآذريين والبلوش والعرب في إيران واللاز والأرمن والعلويين والعرب والشركس في تركيا .
أما القومية المركبة التي تتحدث عنها الكاتبة كوصفة سحرية لحل المسألة القومية في أوروبا فهي تتجاهل بذلك حقيقة أن أوروبا نفسها مهد الحداثة والتنوير والحضارة الكونية لا زالت تعاني في غير بلد أوروبي من إشكالات مزمنة متعلقة بالاختلاف القومي والديني والمذهبي كقضية ايرلندا الشمالية في بريطانيا التي هي أم الديموقراطيات الغربية قاطبة وقضية الباسك في اسبانيا … أي أن حلول ومعالجات المسألة القومية ليست بهذه البساطة والاختزالية عبر القول بان دولة ديموقراطية قائمة على المواطنة كفيلة بحل مسألة التعددية القومية في تلك الدولة فالمسألة القومية لا تحل إلا عير تمتع الشعوب والجماعات المتمايزة بحقها في تقرير مصيرها أتمثل ذلك في الرغبة في التعايش والبقاء في إطار دولة المواطنة الواحدة الجامعة عبر صيغ شتى كالحكم الذاتي – الفيدرالية – الكونفيدرالية وغيرها من الصيغ أو حتى الرغبة في الاستقلال والانفصال ولنا في تجربة تشيكوسلوفاكيا خير مثال في هذا الصدد عندما آنفصلت تشيكيا وسلوفاكيا عن بعضهما بكل أريحية وبطريقة حضارية راقية أما في يوغوسلافيا والتي أصر نظامها على المكابرة والمضي في نهجه الاستبدادي القسري فقد انشطرت هي الأخرى في المحصلة لكن بعد غرقها في بحور من الدم والدمع وكان المسمار الأخير في نعشها قبل أكثر من عام عندما نظمت جمهورية مونتينيغرو ( الجبل الأسود ) استفتاء شعبيا على البقاء ضمن يوغوسلافيا أسفرت نتائجه عن التصويت لصالح الاستقلال عن الدولة اليوغوسلافية وأعلن في 3 / 6 / 2006 رسميا عن قيام دولة مونينيغرو المستقلة عن صربيا وثمة الآن جهود دولية حثيثة لضمان تحقيق رغبة الشعب الكوسوفي في إقليم كوسوفو التواق إلى التحرر من الربقة الصربية عبر منحه حقه في تقرير مصيره والاستقلال عن صربيا في دولة خاصة به أسوة بنظيره في الجبل الأسود وعليه فادعاء الكاتبة بان الدعاوى الاستقلالية تعامل كجريمة في أوروبا هو محض هراء فالاتحاد الأوروبي كما لا يخفى هو من أبرز الداعمين لقضية استقلال كوسوفو وللتذكير فان الشعب الكوسوفي الألباني هو شعب مسلم في غالبيته كي لا تقول لنا الدكتورة بان دعم استقلال كوسوفو هو مؤامرة صليبية استعمارية للثأر من صربيا وريثة يوغوسلافيا السابقة عديمة الانحياز وصديقة العالمين العربي والإسلامي .
وعلاوة على ذلك ثمة عشرات الحركات والتجمعات الداعية بشكل أو بأخر إلى الانفصال في عدد من الدول الغربية بغض النظر إن كانت تستند إلى رؤية قومية متزمتة معزولة أو تعبر عن نبض حقيقي للجماعات التي تمثلها كما في شمال ايطاليا وفي اسكتلندا في المملكة المتحدة وفي إقليم كيبيك الفرنكوفوني في كندا وفي إقليم كاتالونيا في اسبانيا وحتى في بلجيكا التي تشكل عاصمتها بروكسيل في الآن عينه عاصمة للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو مجتمعين فان ثمة تصاعدا للتمايز الفلمنكي ( الهولندي ) – الفرنكوفوني ( الفرنسي ) لدرجة بات معها الحديث عن الانفصال قائما ومتداولا أما إقليم كيبيك الفرنكوفوني في كندا فقد شهد استفتاءين على الانفصال عن الفيدرالية الكندية فالحال أننا لم نسمع أن ثمة تجريما وتحريما في الغرب لهذه الظواهر والمطالبات المذكورة أعلاه بل أن ثمة جهودا ومساعي جدية ومسؤولة لاحتوائها ايجابيا عبر تفهمها واستيعابها وسبر خلفياتها ومقدماتها وصولا إلى البحث في إمكانيات اجتراح حلول ومقاربات سامية وسليمة وبما يتوافق مع التقاليد الديموقراطية الحضارية المترسخة في البنى السياسية والسوسيولوجية لهذه الدول والبلدان وكي لا نبتعد كثيرا ها هو السودان الذي سيشهد بموجب اتفاقية السلام في نيفاشا بين الحكومة السودانية وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان وفي غضون أعوام قلائل وتحديدا في عام 2011 استفتاء في الجنوب حول الانفصال وكل المؤشرات تدل على أن الشعب الجنوبي سيصوت لصالح الاستقلال في دولة قومية خاصة به لكن اللافت أن الجوقة القومجية التي تقيم الدنيا ولا تقعدها تشديدا على وحدة العراق وعروبته بوصفه حارس البوابة الشرقية فإنها لا تجعجع ( من الجعجة بلا طحن ) ولا تتحدث بالحماسة إياها عن وحدة السودان الذي هو سلة غذاء العالم العربي كما يقال فيا لها من ازدواجية فاضحة ونفاق مكشوف وعنصرية علنية وقحة ذلك أن السودان هو في النهاية بلد أفريقي كما يبدو أن شح التمويل وربما انعدامه من قبل الخرطوم هو أيضا من أسباب فتور حماسة القومجيين البعثيين والاسلامويين وخفوت صوتهم القبيح في الاعتراض على سير السودان قدما نحو التقسيم .
فالكاتبة تخلط عمدا بين القضية القومية الديموقراطية العادلة للشعب الكردي وبين الدعاوى والآيديولوجيات القومية المتطرفة فالدكتورة حياة وهي قومجية عروبية قلبا وقالبا تداوي الناس وهي عليلة فهي تتهمنا كأكراد بالتعصب والتطرف والتزمت وتتناسى حقيقة صدورها عن آيديولوجية موغلة في الدم والحقد والكراهية ونبذ الآخر وأبلسته وهنا فأنا أطمئن الدكتورة إلى أن الفاشية البعثية في طريقها إلى الزوال فبعد أن قبرت غير مأسوف عليها في بغداد ها هي في طريقها إلى الاندثار في معقلها الدمشقي الثاني والأخير وكتحصيل حاصل ستضمحل حينها الدكاكين المتناثرة هنا وهناك بفعل انقطاع المدد المالي اللازم لشراء الذمم والأقلام والضمائر وأصحاب الدرجات العلمية العالية وفي مقدمها الدكان – المؤتمر القومي – الإسلامي والجمعية المغمورة التي اكتشفها الناس بفضل اشتراك أحد أعضائها وناشطيها “النشامى” في برنامج “الاتجاه المعاكس” وأعني بها جمعية مناهضة العنصرية والصهيونية .
أما بكاء السيدة حياة على أطلال سيدها المقبور صدام وتغنيها المثير للاشمئزاز بمآثره وانجازاته وأبرزها استخدام الأسلحة الكيماوية في ضرب الشعب الكردي في حلبجة وغيرها من مناطق كردستان الجنوبية ( كردستان العراق ) فان دل على شئ فإنما يدل على أن ثمة دوما من يصنع الديكتاتور فصدام لم ينزل من السماء ولم يكن مخلوقا فضائيا من سكان الكواكب الأخرى بل هو وبكل أسف نتاج هذه البيئة الاستبدادية السقيمة وهذه الثقافة العبودية المريضة التي تمثل الدكتورة حياة الحويك عطية أبهى تجلياتها وأحد أعلامها وقس على ذلك .
وتفتي الكاتبة بعدم شرعية الانتخابات العراقية في ظل الاحتلال في حين أنها هي ورفاقها ورفيقاتها ( لا أدري لماذا تذكرت هنا “المناضلة” القومجية الأخرى المشابهة لصاحبتنا المدعوة حميدة نعنع ) ما آنفكوا يشيدون بنزاهة الانتخابات الفلسطينية التي فازت فيها حركة حماس الإرهابية في ظل الاحتلال الإسرائيلي ثم أن دولا في حجم ومكانة ألمانيا وايطاليا واليابان وكوريا الجنوبية وكلها ديموقراطيات راسخة ونموذجية من الطراز الأول شهدت انتخابات حرة نزيهة بل أن هذه الدول وضعت وأقرت دساتيرها العصرية المؤسسة لدمقرطتها في ظل الاحتلال الأميركي الذي أخذ لاحقا شكل الوجود المقنن في قواعد عسكرية فمهما طعن القومجيون الفاشيون في العالم العربي في شرعية الانتخابات العراقية فان هذه الانتخابات تتمتع بقدر كبير من النزاهة والمصداقية والشرعية بما لا يقاس بالانتخابات العربية في الجملوكيات الثورجية التي لا تقل نتائجها عن نسبة 95 في المائة والتي رفعها المشنوق صدام في آخر مهزلة من مهازل استفتاءاته الصورية إلى نسبة 100 في المائة وتطعن الكاتبة في حداثة المؤسسات العراقية القائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية وهذا بطبيعة الحال مجرد تلاعب بالكلمات وقفز فوق الوقائع الموضوعية على الأرض وهي أن التعددية الطائفية والعرقية حقيقة ملموسة في العراق الذي يتشكل أساسا من ثلاث مكونات رئيسية هي الشيعة والسنة والأكراد ولا مناص من تفاعل هذه المكونات وتكاملها وتفاهمها وتمثلها في كافة مؤسسات وهياكل الدولة والحكم في إطار عراق ديموقراطي فيدرالي إن أريد لهذا البلد المنكوب أن يخرج من هذه الحال المأساوية التي خلفها البعث الفاشي من خلال تسلطه الديكتاتوري الأقلوي الأحادي طيلة أكثر من ثلاثة عقود فلماذا لم تكن الكاتبة تعترض حينها على ذلك الاستئثار البعثي الانقلابي الجشع الذي ابتلع الدولة والمجتمع برمتهما .
وفي تسطيح وابتسار ساذجين ومتهافتين لحقائق القضية الكردية في العراق ووقائعها التاريخية الثابتة تدعي الدكتورة بان الأكراد كانوا شركاء في حكم العراق منذ العهد الملكي والدليل أن نوري السعيد كان كرديا ( هل تعلم الدكتورة أن المستترك عصمت اينونو أحد عتاة الفاشية الكمالية ورفيق درب أتاتورك وخليفته هو الآخر كان كرديا ) وتضيف أن الأكراد شاركوا في الحكم في عهد الأنظمة الثورية ( أي الانقلابية العسكرية ) المتعاقبة ونحمد الله على أن الكاتبة لم تورد لنا اسم النكرة المقبور طه ياسين رمضان كونه هو الآخر كردي الأصل كي تدلل على صحة كلامها عن المشاركة الكردية المزعومة في حكم العراق فشر البلية ما يضحك .
وتضيف الكاتبة أن الأكراد كانوا دوما دعاة انفصال وتآمر على الدولة العراقية وكانوا يلجأون إليها في حال الاقتتال الداخلي أو الخطر الخارجي وهنا لا بد من التوكيد على أن الحركة التحررية الكردية في كردستان العراق كانت على طول الخط في طليعة القوى الديموقراطية الليبرالية المقارعة للاستبداد في العراق حتى أن الشعار المركزي لهذه الحركة كان “الديموقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان” وفي 1992 تبنى البرلمان الكردستاني الصيغة الفيدرالية لحل القضية الكردية في إطار اتحاد اختياري ضمن عراق ديموقراطي تعددي فأين هي الدعاوى والمشاريع التآمرية الانفصالية في ذلك مع أن من حق الشعب الكردي في كردستان العراق وفي كل أجزاء كردستان تقرير مصيره كما يرى بما في ذلك حقه في دولة كردية مستقلة والذي تسميه الدكتورة انفصالا وتآمرا بينما نرى إليه كأكراد حقا مشروعا وطبيعيا في الاستقلال الذي لا نعتبره والحال هذه تهمة أو جريمة حتى نخشى أو نحجم عن البوح بحقنا المبدئي والشرعي في انجازه وتحقيقه في يوم من الأيام بوصفنا أمة قائمة بذاتها يربو تعدادها على الخمسين مليون نسمة .
أما سعي الكاتبة إلى النبش العقيم في أحداث ماضية تخطاها الزمن متعلقة بالاقتتال الداخلي الكردي الذي تجاوزه الشعب الكردي الذي يقدم الآن إزاء تكالب أنقرة وطهران ودمشق على التجربة الديموقراطية في كردستان أروع صورة عن التلاحم والتكاتف والتضامن بين الأكراد في الأجزاء الأربعة من كردستان وحيال التهديدات والأطماع التركية التوسعية الوقحة في كردستان العراق ونطمئن الدكتورة إلى أنه لا عودة مطلقا إلى الاقتتال الكردي – الكردي وأن صفحة الاحتراب الداخلي قد طويت والى الأبد في كردستان فالحزبان الكرديان الرئيسيان ( الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ) وقد وقعا قبل أشهر مذكرة التحالف الاستراتيجي بينهما أصبحا أقوى من أي وقت مضى وهما يصدران في قوتهما هذه أولا وقبل كل شئ عن التفويض الشعبي الكردي لهما ديموقراطيا وهنا فنحن ننصح الكاتبة إلى الانصراف والبحث عن حلول ومعالجات لوقف الاقتتال الداخلي الفلسطيني بين دويلتي فتحستان في الضفة الغربية وحماسستان في قطاع غزة والذي هو صراع على شبح سلطة هزيلة مهلهلة لا سلطة لها .
وفي تحليل خارق الذكاء تستحق الكاتبة والمحللة العظيمة التهنئة عليه تحتج على تصريحات المسؤولين الأكراد المؤكدة على أن كردستان جزء من العراق ما يستوجب تصدي الحكومة العراقية لأي غزو تركي لهذا الجزء من العراق ومبعث احتجاج الكاتبة على هذه التصريحات هو أنها “تأتي بعد يومين من حلقة “الاتجاه المعاكس” التي كان يصيح فيها المحاور الكردي داعيا إلى الانفصال عن الدولة المركزية مطلقا كل ما يعرف من شتائم على العرب وبهذا السلوك الميركانتيلي نفهم لماذا يطالبون بالفيدرالية لا بالانفصال ما يعني إبقاء حماية الحدود في يد الدولة المركزية دون أن يمنع ذلك حكومة الإقليم من إقامة العلاقات الخارجية والتصرف بالثروات وممارسة التطهير العرقي” والغريب أن الدكتورة تقولني ما لم أقله فأنا لم أشتم العرب قط في برنامج “الاتجاه المعاكس” الذي يقدر عدد مشاهديه بالخمسين مليون مشاهد فكيف تسمح السيدة حياة لنفسها بالكذب والتزوير والتلفيق بهذا الشكل السافر حول ما دار في برنامج تلفزيوني يشاهده هذا الكم الهائل من ملايين البشر حول العالم اللهم إلا إذا كانت دكتورتنا تعتبر نقد الآيديولوجيا الفاشية البعثية وفضحها وتفكيك أساطيرها وأوهامها وأكاذيبها شتما وسبا للعرب أجمعين وعموما فنحن نحترم ونقدر الشعوب العربية المغلوبة على أمرها ونتفهم معاناتها ومأساتها بوصفها هي الأخرى ضحية هذا الهوس والهذيان القومجي العروبي الاسلاموي كما أن كيل الشتائم ليس من أخلاقنا فنحن في النهاية كنا نمثل قضية شعب عادلة في وسيلة إعلام محترمة ولم نكن على طاولة مقهى من مقاهي الدرجة العاشرة التي يرتادها صاحبنا السيد إبراهيم علوش في أحد الأزقة حتى نطلق العنان للسباب والشتائم .
أما قولها أنني كنت أصيح داعيا إلى الانفصال فهذا ما لا نخفيه ولا ننكره فمن حيث المبدأ لنا الحق كأمة مجزأة الوطن بين تركيا وإيران والعراق وسورية مطلق الحق في إقامة دولة كردية واحدة تلم شملنا وان كنا الآن في صدد البحث عن حلول وسط توافقية مع القوميات الحاكمة في الدول الأربعة المقتسمة لكردستان بما يحقق المصالح المشتركة ويعيد بناء هذه الدول المأزومة على أسس ديموقراطية فيدرالية وبما يقطع مع كل أشكال الدولة المركزية التوتاليتارية النافية للآخر القومي والنابذة والمتنكرة لواقع التعدد والاختلاف القائم بين التراكيب الاثنية والدينية والمذهبية في هذه البلدان وأما احتجاج الكاتبة على دعوة الأكراد للحكومة المركزية للتصدي للجيش التركي في حال غزوه لكردستان العراق فهذا ما يبعث على الاستهجان والاستغراب الشديدين فهل تريد الكاتبة من العراقيين عربا وأكرادا حكومة اتحادية في بغداد وحكومة إقليمية في أربيل هل تريد منهم نثر الورود على الجيش التركي الغازي والتهليل لدباباته ومدرعاته المعتدية أوليس موقف الكاتبة هذا أكبر تفريط بوحدة العراق ودعوة صريحة لتركيا لاجتياح واحتلال كردستان العراق التي هي جزء من العراق الذي ما برحت الكاتبة تذرف دموع التماسيح عليه وعلى وحدته وسلامة أراضيه لكن إذا ما نظرنا إلى موقف بشار الأسد صاحب الرسالة الخالدة الذي دافع صراحة وعلانية عن حق تركيا في غزو العراق وتهديد وحدته الترابية (وكأن تنازل الأسد عن لواء الاسكندرون السوري السليب لتركيا لا يكفي ) يسهل علينا حينها تفهم موقف الكاتبة المنتمية هي الأخرى إلى حملة الرسالة الخالدة والتي غدت والحال هذه رسالة خائبة فإذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت الرقص وعموما فحماية الحدود وصد أي اعتداء خارجي على العراق هو من صلب اختصاصات الحكومة الاتحادية والأكراد إذ يشددون على ذلك فان موقفهم ينسجم تماما مع بديهيات النظام الفيدرالي والدستور العراقي ومع الحفاظ على وحدة العراق وسلامة أراضيه .
أما ما يتعلق بتمتع الأكراد بحقهم في الاستفادة من ثروات العراق الطبيعية كالبترول فهذا ينسجم ويتسق مع نص الدستور العراقي وروحه الذي صوت له قرابة 12 مليون عراقي ويتناغم مع أبجديات النظام الفيدرالي القائم على تقاسم السلطات والثروات بين المركز والأقاليم فقد ولى الزمن الذي يحرم فيه الأكراد من ثروات وطنهم ويعاملوا كمواطنين من الدرجة العاشرة فكردستان العراق كما هو معلوم تسبح على بحر من النفط ولله الحمد وقد آن الآوان كي يستفيد الشعب الكردي من خيرات وطنه جنبا إلى جنب شريكه في الوطن العراقي الشعب العربي وهذا ليس منة أو مكرمة من أحد فطوال عقود استخدمت عائدات النفط وغيره من الثروات الوطنية في قمع الشعب الكردي وإبادته وتمويل عمليات وحملات الإرهاب المنظم والأرض المحروقة والتعريب والتهجير والتشريد التي كان يمارسها النظام البعثي بحق الأكراد وبخصوص العلاقات الخارجية فالحال أن الحركة التحررية الكردية لها باع طويل في الدفاع والذود عن قضية شعبها العادلة في مختلف المحافل الدولية وهي بوصفها حركة ديموقراطية نابذة للتعصب والإرهاب والتطرف تتمتع بمصداقية عالية وبعلاقات واسعة ومتشعبة في طول العالم الحر وعرضه من أميركا مرورا بكندا وأوروبا وصولا إلى أستراليا وعلى مختلف الصعد والمستويات الرسمية والشعبية الحكومية والمدنية وهي علاقات ليست وليدة اليوم كما أتحفتنا الدكتورة باكتشافها الخارق المذهل وان كان من الطبيعي أن تتوسع شبكة العلاقات هذه وتتوطد بعدما أصبح الأكراد شركاء أساسيين في حكم العراق الاتحادي وتمثيله على الصعيد الدولي وبعد أن اكتسبت التجربة الديموقراطية القائمة في كردستان العراق شرعية دستورية وقانونية ضمن العراق الديموقراطي الفيدرالي الجديد .
أما اتهام الكاتبة للأكراد بممارسة التطهير العرقي بحق العرب فهو ضرب من الهذيان القومجي العروبي الفارغ فالقاصي والداني يعلم أن الأكراد هم ضحية التطهير العرقي وبامتياز في العراق حيث مشاريع التعريب والتبعيث والترحيل بحق الشعب الكردي كانت تندرج في سياق سياسة سلطوية مبرمجة ومتكاملة هادفة إلى تغيير الواقع الديموغرافي القومي في كردستان وإفراغ أكبر مساحة ممكنة منها من سكانها الأكراد لاسيما في كركوك وخانقين وشنكال وغيرها من المناطق الكردستانية التي استقطعت وعربت عبر إلحاقها بمحافظات عربية وإحلال مواطنين عرب محل المواطنين الأكراد الذين تم تهجيرهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وأراضيهم في ممارسات عنصرية استيطانية فاشية لا تقل عن الممارسات الإسرائيلية العنصرية الاستيطانية في أراضي 67 العربية المحتلة بل وتفوقها همجية وتخلفا ولنأخذ كركوك مثلا فوفق كل الإحصاءات السكانية والمصادر التاريخية المختلفة هي جزء لا يتجزأ من كردستان ولمراجعة مختلف الإحصاءات السكانية في محافظة كركوك الدالة على الأغلبية السكانية الكردية فيها يمكن مراجعة مقالنا على الرابط التالي في جريدة “الشرق الأوسط” اللندنية 🙁
http://www.aawsat.com/leader.asp?article=332216&issue=9841§ion=3 ) فالقول بممارسة الأكراد للتطهير العرقي هو كالقول تماما بان الأرض مستطيلة الشكل وليست كروية الشكل فالأكراد في ذروة الصراع مع النظام البائد حيث كانوا يقصفون بالسلاح الكيماوي وتدمر مدنهم وتحرق قراهم إلا أنهم لم يرتكبوا يوما عملا إرهابيا واحدا بحق المدنيين من العرب العراقيين ولا حتى بحق العسكريين منهم فكيف الآن وهم في موقع القوة والشراكة في حكم العراق فما أخذ منا كأكراد بالقوة سنسترده بقوة القانون والحق والحكمة والمنطق وفق المادة ( 140 ) من الدستور العراقي الدائم الخاصة بتطبيع الأوضاع في المناطق الكردستانية المعربة والمستقطعة قسرا عن إقليم كردستان .
وتمضي الكاتبة في أكاذيبها وتلفيقاتها وتهجمها المثير للشفقة على الأكراد وقياداتهم الشرعية المنتخبة كقولها بان الأكراد كانوا يقبلون يد صدام في عام 1991 فالواضح أن الدكتورة من فرط تعودها وإدمانها على تقبيل يدي صدام راحت تتهم لاشعوريا الآخرين بذلك وفي معرض نفيها لواحدة من أبشع وأكبر جرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين ألا وهي جريمة الأنفال وحلبجة تخرج علينا بتساؤل يقطر سخفا واستهزاء بأرواح وآلام وعذابات مئات الالآف من الأبرياء الأكراد من ضحايا الإبادة الجماعية البعثية بالأسلحة الكيماوية للشعب الكردي الأعزل ومفاد تساؤلها : هل سمح للمحكمة أو حتى للإعلام بمناقشة المعلومات التوثيقية حول حلبجة ؟ .
أما النكتة – الفضيحة فهي قول الكاتبة بان العلم العراقي الحالي وجد منذ وجود الدولة وأنه قد أجريت عليه تعديلات بحسب التطورات السياسية والإدارية في حين أن الحقيقة هي أن هذا العلم وضعه نظام البعث الانقلابي الفاشي وهو كان يرمز عبر نجماته الثلاث إلى الوحدة الثلاثية الورقية ( أي المقتصرة على الورق ) بين مصر والعراق وسورية ثم بعد اهتراء هذه الوحدة الورقية أصبحت النجمات الثلاث ترمز بقدرة قادر بعثي إلى الوحدة والحرية والاشتراكية ( الثلاثية الشعاراتية المرحة لحزب البعث ) فكيف تدعي إذا السيدة الكاتبة بان هذا العلم وجد منذ وجود الدولة فالعلم العراقي الأول كما هو معلوم كان في العهد الملكي يتوسطه سيف وخنجر أما العلم الأول في العهد الجمهوري فتتوسطه الشمس وهو يرفع الآن في كردستان بديلا عن علم الفاشية البعثية فهل يعقل أن الدكتورة جاهلة إلى هذا الحد أم أنها وهنا المصيبة أعظم تستغفل قراءها الكرام فأن يغير العلم وهو رمز سيادي لأي دولة بهذه الخفة وتبعا لأهواء الطغمة البعثية الحاكمة فتارة يرمز بنجماته إلى الدول الثلاث المكونة لتلك الوحدة – المسخرة وتارة ترمز إلى ثلاث شعارات حزبية فارغة فهذا وحده يكفي للطعن في هذا العلم البعثي الذي لطالما ارتكبت في ظلاله أشنع الجرائم وأبشع الارتكابات الوحشية من كردستان شمالا مرورا بالوسط وصولا إلى الجنوب وعليه فهذا العلم الذي يرمز إلى حقبة سوداء كالحة في تاريخ العراقيين عامة والأكراد خاصة لن يرفع أبدا في كردستان والذي ينص الدستور العراقي على تغييره ووضع علم وطني فيدرالي جديد يرمز إلى العراقيين عربا وأكرادا بما يقطع مع مآسي الماضي وكوارثه وآلامه ويؤسس للآمال في غد مشرق وواعد .
وتعلق الكاتبة على اتهامي للبعثيين والعروبويين بالفاشية والقومجية قائلة بان هذا تعبير من باب قلة الأدب لانه اهانة لقناعة ملايين من القوميين والحق أن ثمة بونا شاسعا في المعنى والمبنى بين مفردتي القومية والقومجية فالأولى ترمز إلى نزعة سوية معتزة بانتمائها القومي ومنفتحة على غيرها من القوميات دون عقد عنصرية وبعيدا عن التعصب والتطرف والاستعلاء القومي على الآخر المختلف أما الثانية والتي كنت بصدد نعتها بالفاشية فهي نزعة عنصرية استعلائية تقوم تعريفا على نفي القوميات الأخرى واحتقارها وغمط حقوقها وصهرها وتصويرها خطرا وجوديا ينبغي بتره واستئصاله كي يتسنى للنزعة القومجية تحقيق مبتغاها في التحليق الوهمي منفردة في فضاء التفوق والعظمة والسؤدد القومي الأحادي الكاذب وعموما فأنا لست بحاجة إلى شهادة حسن سلوك وأدب من الدكتورة حياة الحويك وغيرها من قومجيين بعثيين ويحضرني هنا ما سطرته ردا على أحد معلمي السيدة حياة وأحد مؤسسي حزب البعث السيد شبلي العيسمي الذي اتهمني بالانفصالية والدعوة إلى دولة كردية مستقلة حيث كتبت مع الاعتذار من أبي الطيب المتنبي ما يلي : إذا أتتك مذمتي من أحد مؤسسي حزب البعث الناقص فهي الشهادة لي بأني كامل (
http://www.alrasidalarabi.com/m5.htm ) وكنت أتمنى أن لا تنزل الدكتورة إلى هذا الحضيض والى هذا المستوى المتدني المؤسف في إطلاق الشتائم بحقي بهذا الشكل إذ يمكنني أيضا والحال هذه الرد بانها تحمل شهادة دكتوراه في قلة الأدب وفن السباب شأنها شأن رفيقها في قلة الأدب والذوق والفهم النكرة المدعو إبراهيم علوش وليعذرني القارئ الكريم لكن لكل مقام مقال .
وتختم الكاتبة بالدعوة إلى محاربة تقسيم العراق دون أن توضح لنا الآليات والطرائق التي تقترحها لمحاربة التقسيم فهل هي الآليات والسبل ذاتها التي اتبعتها الأنظمة العسكرية الثورجية طيلة نصف قرن والتي كان نتاجها الكارثة التي حلت بالعراق من خلال إمعان تلك الأنظمة في عسكرة المجتمع ومصادرته وتدميره وتفتيته عبر تأليب تراكيبه بعضها على بعض بما يتيح لها الاستمرارية في التسلط على مجتمع مشرذم متنابذ فاقد المبادرة وعاجز تماما أمام تغول السلطة التوتاليتارية التي كانت تعتاش على تعميق التناقضات المجتمعية وتوسيع الفجوات الفاصلة بين المكونات القومية والمذهبية في العراق فأي مقاربة جادة وعقلانية لدرء احتمالات تقسيم العراق الذي هو عمليا وواقعيا قائم الآن بين شيعة العراق وسنته عبر التطهير المذهبي والمجازر المتبادلة ينبغي أن تقوم على معالجة مسببات التقسيم وبواعثه وجذوره العميقة فالتقسيم المحتمل هو نتيجة طبيعية كما أسلفنا لعقود من الاستبداد البعثي المديد الذي عمل على تكريس معادلة شريرة وقذرة قوامها : إما جحيم البعث وإما نار الفوضى والحرب الأهلية والتي للأسف الشديد فرضت نفسها إلى حد كبير في عراق ما بعد صدام ولكسر هذه المعادلة البعثية الخبيثة لا بد من اعتماد الخيار الديموقراطي الفيدرالي والتمسك به رغم كل العقبات والعثرات والصعوبات فالمعادلة هي إما الديموقراطية والفيدرالية بما يحل القضية الكردية وسائر القضايا والمشكلات الموروثة من عهود الاستبداد وإما إعادة إنتاج الديكتاتورية والتسلط ولو بصيغ وتمظهرات مختلفة شكلا لا مضمونا عن الاستبداد البعثي البائد مع ما يترتب على ذلك من فوضى وانهيارات وحرب أهلية مفتوحة وحينها يغدو التقسيم هو الحل الأمثل عقلا ومنطقا وحقنا لدماء الناس وأرواحهم بغض النظر عن انتماءاتهم فالبشر في النهاية أهم وأقدس من الوحدات الوطنية المزعومة في العراق وغير العراق من البلدان التي لا تستحق أن تسمى أوطانا طالما أنها تجتر الفشل وتعيد إنتاج تراجيديا الاستبداد القاتلة والمشوهة لكل ما هو إنساني سوي خلاق وجميل مرة بعد مرة .
ختاما يبدو أن عزيزنا الدكتور فيصل القاسم قد تحاشى ذكر نتيجة الاستفتاء المرافق للحلقة على تقسيم العراق والتي بلغت نسبة المؤيدين فيها لتقسيم العراق أكثر من 58 في المائة من مجموع المصوتين الذين تجاوز عددهم الثلاثة آلاف مصوت فالدكتور فيصل حرصا منه على ما يبدو على تفادي التداعيات الكارثية لإعلان تلك النتيجة المجلجلة على الصحة النفسية والعقلية لعتاة القومجية البعثية ومنهم الدكتورة حياة الحويك عطية ورأفة منه بهم فضل التغاضي عنها فالصدمة كبيرة جدا لهم إذ أين تبخرت أصوات “الشارع العربي” الذي لطالما أدعوا كذبا وزورا تمثيله والنطق باسمه .