الرئيسية » مقالات » فضائية عشتار وسهرة طرب من القوش

فضائية عشتار وسهرة طرب من القوش

” القوش ”
هذا الأسم الجميل كائن في اعماقنا ، راسخ في عقولنا ، يمثل البوصلة التي تلوّح الى الوطن دائماً ، إنها الفنار الذي يرشدنا نحو الوطن في حلنا وترحالنا . لا اجمل من ان نتفيأ بظلال ذكرياتنا عبر مرور قوافل الزمن ، فتعود الأحلام الوردية في الليالي الربيعية المقمرة ، ونبحر بقاربنا نحو دفئ الذكريات الى ذات المرافئ اللذيذة أيام الطفولة والشباب في منعطفات أزقة القوش الضيقة وبيادرها وكنائسها وسوقها ومدارسها وهوائها العليل وكهوفها التاريخية وحقولها الخضراء وناسها الطيبين وجبلها الأشم وهو الصديق الوفي والشاهد الوحيد الدائم لعراقة هذه المدينة التاريخية .
شاهدنا على مدى ساعة ونصف الساعة برنامج جميل عن القوش تحت عنوان ” سهرة طرب من القوش ” اشترك فيه نخبة من الشعراء والمطربين والممثلين ، لقد مر الوقت بسرعة وهذا دليل تعلقنا بالبرنامج الشيق ، لكن هذا لا يمنعنا من إبداء ملاحظات نقدية بناءة نرى فيها الصواب ، ولكنها ليست محصنة من احتمالات الخطأ .
الشابة مقدمة البرنامج لم اتوصل الى معرفة اسمها وكنت اتوقع ان اقرأه في نهاية البرنامج لكن يبدو انه اهمل او ربما فاتتني قراءته .
كانت مقدمة البرنامج بارزة في حضورها تستقطب لقطات كثيرة من الكامرة والضوء . كانت جميلة بشبابها وزيها الألقوشي التراثي وابتسامتها اللطيفة التي رافقتها في معظم فقرات البرنامج ، فأظهرت الكامرة انسجامها واندماجها مع اجواء سهرة طرب من القوش . وينبغي ان نذكر انها كانت مسترسلة في اسئلتها ، لكن لا حظت انها تفتقر الى التلقائية والعفوية بعد الأنتهاء من طرح السؤال مباشرة ، وثمة جانب آخر في توقيت السؤال ووجه ملائمته ، وكمثال غير حصري سالت مقدمة البرنامج الزميل غزوان رزق الله : كيف كان الألاقشة يقضون اوقات فراغهم ايام غياب الراديو والتلفزيون ، وكان غزوان موفقاً في الأجابة عن هذا السؤال وأورد مثال الرجال الذين كانوا يجلسون ويتسامرون عند قنطرة محلة اودو ، وفي الحقيقة كان هذا السؤال ينبغي ان تطرحه مقدمة البرنامج على الصديق جميل حيدو بداعي المرحلة العمرية التي تفيض بالذكريات عبر السنين الطويلة .
لقد كان غزوان يتحدث بلغة الأكاديمي العارف وبلغة كلدانية صافية وهو يريد ان يقول ان المسرح هو وجهته رغم بروزه في مجالات أخرى .
الزميل الصديق جميل حيدو ذكّرنا بمسرحيته شيرو ملكثا التاريخية وهي باللغة الكلدانية ، وسمّعنا أشعاراً جميلة وكان موفقاً في طريقة قراءته لقصيدته الشعرية ( معلم : ملبانا ) .
لدي ملاحظة هنا حينما سألت مقدمة البرنامج الزميل جميل حيدو سؤالها :
كيف ترى الشعر قديماً وحديثاً ؟ وكان الجواب ان الشعر سابقاً كان عبارة عن منحلياثا دون ان يكون له أي قواعد للشعر ، لكن الشعر اليوم يخضع لضوابط وقواعد شعرية .
يبدو ان الأجابة عبرت على مقدمة البرنامج دون معارضة منها ، كيف كان الشعر القديم عبارة عن ( منحلياثا ) ؟ وغير خاضع لضوابط ، إنه زعم لا يستند على الواقع ، فهناك المنحلياثا والأهازيج الشعبية التي تقال في المناسبات وهناك الشعر الموزون والمقفى ، إن كان حديثاً او قديماً ، وعلى مقدمة البرنامج ان تلاحظ الجواب وتناقشه ، إن تطلّب ذلك ، قبل الأنتقال الى السؤال التالي .
الزميل الفنان عماد ربان كان بارعاً في تقديم مقامه معتمداً على قدرته الصوتية وتجربته الطويلة في الغناء والكلمات الجميلة التي سطرها له الصديق الشاعر فاضل بولا :
لبّي بحبّاح متريلا أيني منّاح لا سويلا …
الشابة الجميلة الممثلة فالين ، واعتقد هي ابنة الصديق ابلحد سورو ، ومن حديثها كان يبدو إلمامها بالمسرح ولها هواية التمثيل ولا سيما على خشبة المسرح ، واعتقد الواجب يقتضي تشجيع هذه المواهب الشابة .
الشاعرة منال ابونا كانت متمكنة وتتسلح بلغة غنية زاخرة بالألوان توظفها برشاقة للتعبير عن المشاعر الجياشة ، كانت تصول في جولاتها بين واحات الأفكار ودهاليز الخيال بمقدرة الفارس المتمرس الشجاع .
اطربنا نديم الألقوشي بأغنياته الجميلة ونتمنى له مستقبلاً زاهراً ، وكان للشاب العازف رضوان حضور واضح ومؤثر في سير البرنامج وهذا ما قامت به الشابات مع الشباب الذين اشتركوا بملابسهم الألقوشية الجميلة بالدبكات الفولكلورية التراثية لشعبنا الكلداني .
المطرب ريمون كان له حضوره الواضح من خلال اغانيه لا سيما اغنية ( شوقناخ بشينا يوما خرايا ) .
لقد كان للمخرج التفاتة ذكية حقاً في المداخلة الشعرية للشاعرة منال مع اغنية ريمون ، أزعم انها اجمل لقطة مؤثرة خلال البرنامج .
وأخيراً كان الممثل غسان الصفار الذي افلح في تبديل جو الحزن والشوق والآلام الى مناخ فيه شئ من المرح والفكاهة ، وهو يسترسل بلغته الألقوشية المحببة بأنه ممثل وشاعر هاوٍ ، ونتمنى له ولكل هذه الطاقات الشابة ان تأخذ دورها ونصيبها في المسيرة الثقافية والفنية والرياضية في القوش الحبيبة .
واعتذر مقدماً إن كنت قد نسيت او اغفلت التعليق عن اسماء اخرى كان لهم حضور في هذا البرنامج ، فالبرنامج تكامل بجميع المساهمين فيه .
بقي ان نقول :
ـ كان يجب على مقدمة البرنامج ان تقدم كل شخص قبل محاورته بنبذة مختصرة وهو يعطي معلومات إضافية عن عمره شهادته .. الخ .
ـ كان واضحاً ما تشكله السماعة من عائق لقارئ القصيدة وكان يفضل ربط السماعة الصغيرة كالتي كان لمقدمة البرنامج .
ـ كان اسم البرنامج هو ” سهرة طرب من القوش ” وهذا يوحي للمشاهد ان الحلقة سيحضرها المطربون والعازفون وربما الملحنون ، لكن الحلقة كان فيها اعداد متساوية من الشعراء والممثلين المسرحيين والمغنين ، فتسمية ، سهرة طرب من القوش ، لم يتلائم مع ماعرض من اشعار ومناقشات حول المسرح والمسرحيات .
العمل مهما كان ناجحاً لا بد ان تشوبه بعض الهفوات وهذا لا يقلل من شأن البرنامج . وسيبقى الوقت الذي أمضيناه مع برنامج ” سهرة طرب من القوش ” ذكرى جميلة ليس الى نسيانها سبيل .
ونأمل الا تكون زيارات قناة عشتار لألقوش زيارة الغرباء أي بالسنة حسنة ، ولا نرضى بأغينة فيروز : زوروني كل السنة مرة .. حرام ، إنما نريد ان تكون زيارات متكررة ، إن ألقوش تشكل احد الأهرامات الثقافية والتراثية الأصيلة والتي ينبغي تسليط الأضواء عليها كي لا يطويها غبار النسيان مع تقادم الأيام والأعوام .
حبيب تومي / اوسلو