الرئيسية » مقالات » الماركسية والايكولوجيا

الماركسية والايكولوجيا

-1-

بعد عودته من رحلة استكشاف دامت خمسة سنوات، بدأ جارلس دارون بتدوين اولى دفاتر ملاحظاته عن ” تحول الانواع” transmutation مستهلا بذلك دراسة نظامية لهذا الموضوع الشائك. وبعد حوالي اكثر من عام، وبينما كان يطالع مؤلف القس توماس مالثوس ” حول السكان” توصل دارون الى فكرته بان تحول الانواع قد حدث بفعل الانتقاء الطبيعي المحفز بالصراع من اجل البقاء. وكان ما سحره في مؤلف مالثوس طريقة شرحه لعملية نمو السكان التي تجري وفق متوالية هندسية 1+2+4+8+16+32 اذا لم يعترضها اي عارض، وبالتالي فانه من الضروري القيام بمراقبة هذا النمو للحفاظ على حالة التوازن بين السكان ووسائل عيشهم. ويستذكر دارون تلك اللحظة العظيمة فيكتب في سيرته الذاتية[1]:

بعد خمسة عشر شهرا من بدء بحثي المنظم، وتحديدا في تشرين الثاني 1838، كنت أقرأ كتاب مالثوس المسلي حول “السكان” وحيث اني كنت مدركا، من خلال مراقبتي الطويلة لحياة الحيوانات والنباتات، لموضوعة الصراع من اجل البقاء، فقد قفزت الى رأسي فكرة انه في ظل مثل هذه الظروف ستبقى الانواع المرغوبة، وستختفي انواعا اخرى غير مرغوبة. ونتيجة لهذه العملية ستتشكل انواعا جديدة. وفي حينها، وبرغم امساكي بالفكرة او النظرية التي سأعمل عليها، الا انني كنت شديد الحذر مخافة الوقوع ضحية الاحكام المسبقة، فعزمت عدم كتابة ولو سطر واحد الخص فيه نظريتي. وانتظرت اربع سنوات. وفي حزيران عام 1842 سمحت لنفسي بكتابة الملخص في 35 صفحة، ثم توسع هذا الملخص صيف عام 1844 الى 230 صفحة هي اساس مؤلفي ولا زلت احتفظ بها.

توضح السطور السابقة بما لا يقبل الشك ان دارون كان قد انتهى من تأليف كتابه الشهير” اصل الانواع عبر الانتقاء الطبيعي” عام 1844. لكن دارون اعلن نظريته عام 1859، اذا ما اغفلنا ندوته المشتركة حول نفس الموضوع عام 1858 مع ولفريد روسل ولاس[2]، ولم يفعل ذلك الا خوفا من ان يسبقه ولاس الى الاعلان. أي ان ثمة عقدين من الزمان بين تولد الفكرة ونشرها علنا. فما السر في ذلك؟

كان الاعتقاد السائد في الاوساط العلمية ان السبب يعود الى ما مثلته نظرية دارون، عصرذاك، من سباحة ضد تيار السائد من الافكار وتجديف بحق الكنيسة، وعليه فان دارون فضل الانتظار لحين تحسن الاوضاع. وقد ظل هذا الاعتقاد هو السائد حتى عام 1896 وهو العام الذي توفيت فيه زوجة دارون، ايما، حيث وجد الورثة في منزلها مجموعة من دفاتر الملاحظات[3] كتبها دارون بخط يده بين عام 1836 وعام 1844 ويحمل كل منها حرفا ابجديا – لم تنشر الا عام 1987- اضافة الى المخطوطتين الاصليتين المشار اليهما في السيرة الذاتية، الملخص والنسخة الاصلية لمؤلفه.

وفي دفاتر الملاحظات هذه، وخصوصا الاثنان اللذان حملا الحرفين (م)و (ن) وحملا ايضا عنوانا واحدا ” ابحاث ميتافيزيقية” يكشف دارون عن ايمانه بالمادية – وهو ماكان يمثل هرطقة خصوصا اذا وصل الامر الى موضوعة كيفية تطور الانسان والعقل. وحول هذا الموضوع يشير الباحث ستيفن غولد:

تثبت دفاتر الملاحظات ان دارون كان مهتما بالفلسفة وواعيا لتطبيقاتها، وكان يعرف ان السمة الاساسية التي تميز نظريته عن باقي نظريات التدرجية (evolution)[4] هي التزامه بالمادية الفلسفية. ففي الوقت الذي كان فيه باقي العلماء يستخدمون التعابير المقبولة من قبل الكنيسة المسيحية التقليدية… كان دارون يتحدث بلغة التنوع العشوائي والانتقاء الطبيعي. [5]

لقد كان المفهوم التقليدي عن عالم الطبيعة يتمثل في الايمان بما يعرف بميزان او مقياس الطبيعة وكذلك بالايمان بسلسلة الكائنات. فميزان الطبيعة ساكن وثابت لا يتغير من حيث الجوهر، وللانسان موقع الوسط بين الملائكة في الاعلى وبين العضويات البسيطة في الاسفل.

وقد جرت العديد من المحاولات، في القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر، مع انتشار الافكار التدرجية (evolution) لالغاء هذا الميزان. ورغم ذلك ظل معظم العلماء يسيرون على خطى عالم تصنيف الانواع كارلوس لينايوس الذي قال انه برغم ” تدرج” بعض الانواع الا ان ذلك كان، في الغالب الاعم، حالات محدودة[6].

وبحلول نهاية القرن الثامن عشر، نشأ علم الاحاثة، الذي يبحث في اشكال الحياة في العصور الجيولوجية السالفة، على يد العالم الفرنسي جورجيه كوفيير بعيد اكتشافاته التي اكدت موضوعة انقراض بعض الانواع، وتقوض بذلك الايمان بميزان الطبيعة وثباته. وفي اوائل القرن التاسع عشر، وخصوصا بعد نشر مؤلف ” مبادئ الجيولوجيا” لمؤسس علم الجيولوجيا، جارلس ليل، انتهت فكرة ان عمر الارض لا يزيد عن بضعة الاف من السنين، وصعد الى السطح مفهوم العصر الجيولوجي مما جعل فكرة عملية التدرج البطئ للانواع اكثر قبولا واستيعابا [7].

ومع ذلك ظلت النظرة الدينية تتدخل في معظم المساعي الهادفة الى ادراك واقعية التدرج الطبيعي. فظهرت مفاهيم الكوارثية في علم الجيولوجيا، وهي مفاهيم سعت لوضع موازنة بين الرواية الانجيلية للخلق وبين نمو المعرفة العلمية للتشكيلات الجيولوجية، وبالتالي جرى افتراض ان تاريخ الارض كان موسوما بثورات جبارة كارثية للقشرة الارضية شكلت حقبا جيولوجية متميزة عن بعضها البعض، اختفت فيها الحياة وظهر فيها خلق جديد. ثم ظهرت ايضا مفاهيم التقدم في علم البايولوجيا، الغت فكرة ميزان الطبيعة وثباته، واكدت على ان الحياة قد بدأت من الشكل البسيط الى اشكال معقدة عبر حقب من الخلق قادت الى ” البشر”. وبخلاف نظرية التدرج القائلة ” جيل يخلف جيل مع بعض التحسينات” فان مفاهيم التقدم لا تعترف بالتناسل التاريخي العرقي ، بل تعتمد على خلق رباني في كل مرحلة من مراحل الخلق لا يعرف سرها الا الرب.[8]

ومع تطور العلوم اخذت النظرة التقليدية لميزان الطبيعة، وكذلك النظرة الدينية المسيحية المثبتة في الروايات الانجيلية بالانحسار نوعا ما، فبزغ نجم اللاهوت الطبيعي الذي استخدم كسلاح ذو حدين ” لمهاجمة المسيحية والدفاع عنها في آن” [9]. ووجد اصداء له في طروحات رواد الثورة العلمية الانجليزية، اسحاق نيوتن و جون راي وغيرهم. وقد نادى اللاهوت الطبيعي بفكرة ان العناية الالهية هي التي تتحكم بقوانين الطبيعة وما دور العلماء الا اكتشاف هذه القوانين. وقد كان توليفة مقبولة ومرغوب فيها كونه يعادي النظرة المادية ويتماشى مع التطور العلمي الحاصل.

في مثل هذ الظروف المعقدة، حيث تتحكم المفاهيم الغائية المستندة الى الدين بالحياةالعلمية، سعى دارون لتطوير نظريته. وقد ساعده في ذلك نمو النزعات المادية في علوم الفلك والفيزياء والكيمياء وفي علم النفس.

وظلت الكنسية تنظر بعين حذرة الى تطور الافكار المادية باعتبارها خطرا يتهددها لا من الناحية الدينية فقط بل لانها غدت اساسا فكريا للحركات الثورية في بريطانيا وفرنسا، وعليه فقد قررت اعتبار كل الافكار التي يشم منها رائحة نظرة مادية الى الطبيعة بانها بدعة والحاد [10].

وبدون الدخول في تفاصيل تطور الافكار المادية خلال القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر[11] لابد من تحديد نقطة اساسية: لقد اتخذت المادية شكلين مرتبطين ببعضهما البعض. الاول منهما يشدد على المادية بصيغتها الميكانيكية، اي بصيغة يمكن ان تنسجم مع فكرة وجود الروح الالهية فيما فوق او ما وراء الطبيعة، اما الثاني فانه يركز على التفاعلات العضوية مؤديا احيانا الى نشوء ما يعرف بالمذهب الحيوي. وكلا الشكلان يتفقان في ميلهما الى رؤية الواقع والعقل البشري يعتمدان على الطبيعة المفهومة فيزيائيا، وفي ابتعادهما عن التصورات الغائية في تفسير ظواهر العالم، بالرغم من وجود بعض المفكرين اللذين استبدلوا العناية الالهية بالطبيعة او بالقوانين الخارجية التي تحددها العناية الالهية. من هنا يمكن رؤية وفهم طبيعة العلاقة المعقدة بين الدين والعلم والتي نجدها حتى في الفلسفة الابيقورية التي كانت بالرغم من ماديتها قد خصصت مكانا للالهة في الفراغات الموجودة بين العوالم.

لابد ايضا من التأكيد على نقطة جوهرية اخرى وهي ان زيادة نفوذ وهيمنة المادية على افكار العلماء قد ادت الى اضطرار الفكر اللاهوتي للخضوع قليلا وتحوله باتجاه اللاهوت الطبيعي لمسايرة الفكر العلمي، لكنه ظل، برغم مرونته الظاهرة، معاديا، في الجوهر، للفكر المادي وظل يقاومه الى حد استخدام العنف. من امثلة ذلك نذكر حرق جيوردانو برونو (1548-1600) الذي ساعد في تطوير تعاليم كوبرنيكوس عن الكون، من قبل الكنيسة الكاثوليكية في ايطاليا، لا بسبب اتباعه افكار كوبرنيكوس، وهي لوحدها مشكلة، بل لايمانه بفلسفة ابيقور الرافضة للغائية، واعتبر بذلك اول شهيد للعلم [12]. وقد كان دارون يعرف تماما قصة برونو شهيد العلم [13].

لقد كانت العلاقة الوثيقة بين الكنيسة والدولة، في جميع البلدان الاوروبية، تعني امكانية توجيه تهمة الالحاد الى كل من يتبنى وجهة النظر المادية من الباحثين العلميين. ففي عام 1819 نشر وليام لورنس، المحاضر في الكلية الملكية في سورجيون، مؤلفه الموسوم ” محاضرات في الطبيعة وعلم الحيوان والتاريخ الطبيعي للانسان” عرض فيه افكارا مادية جعلته عرضة لزوبعة من الاحتجاج اضطرته الى سحب الكتاب وتقديم استقالته. وقررت المحكمة الملكية ان الكتاب سيء جدا وغير اخلاقي [14].

ان من الجلي تماما ان دارون كان يعيش حالة من الصراع الداخلي مع افكاره المادية عند كتابته لملاحظاته حول تحول الانواع. فقد كان مطلعا على ما حدث للورنس، حيث كان يمتلك نسخة من كتابه وهي مليئة بالهوامش والتعليقات بخط يده، كما انه استشهد بمؤلف لورنس فيما بعد في مؤلفه ” اصل الانسان” Descent of Man . كما كان شاهدا على حادثة مشابهة لقمع الافكار المادية. ففي عام 1827 حضر دارون اجتماعا لجمعية بلينيان – نادي لطلبة جامعة ادنبره يعرضون فيه ابحاثهم وقراءتهم في موضوع التاريخ الطبيعي – وكان الاجتماع مخصصا للاستماع الى محاضرة الطالب وليام بروني الذي تجرأ على تقديم بعض الافكار المادية اثارت غضب الحاضرين وجعلته حسب ما اوردته جانيت برواني – حفيدة وليام – يتراجع عن افكاره ويتجه للبحث في مواضيع بعيدة تماما عن الفلسفة [15].

ثم عادت فكرة ان دماغ الانسان هو مجرد عضو من اعضاء الجسم تتحدد وظيفته بالتفكير في اواخر القرن الثامن عشر، وهذه المرة على يد العالم فرانسيس جوزيف غال (1758- 1828) الذي اصر على تقديم تفسير مادي لعلاقة الجسد- العقل في محاضرات له في جامعة فيينا عام 1802، واعتبرت معادية للدين ففصل من وظيفته واضطر الى الهجرة الى فرنسا ووضعت مؤلفاته ضمن قائمة الممنوعات كما حرمته الكنيسة من المراسيم الدينية للدفن عند وفاته [16].

وللموضوع بقية

[1] جارلس دارون، سيرة ذاتية، نيويورك، هاركورت برس 1958، ص 120.
[2] يعالج ستيفن غولد هذه المسألة في مقالته ” تأخر دارون” ضمن كتابه ” منذ دارون” نيويورك، نورتون، 1977، ص 21-27.
[3] جارلس دارون، دفاتر الملاحظات 1836-1844، نيويورك، جامعة كورنيل، 1987.
[4] استخدم هنا تعبير التدرج مقابل evolution بدلا من تطور او ارتقاء، متبعا في ذلك رأي الدكتور نمير العاني (مجلة النهج، العدد 28، 1989) واعتقد ان هذه المفردة ستساعدنا في استيعاب ان التحول يمكن ان يجري في اتجاهين، الصعود الى الاعلى – الارتقاء- وهو القاعدة، او النزول الى الاسفل – التراجع – وسيمكننا لاحقا من فهم مفهوم الحتمية التاريخية بشكل افضل.
[5] ستيفن غولد، مصدر سابق، ص 24-25.
[6] للاطلاع على كامل تاريخ فكرة ميزان الطبيعة ومحاولات تجاوزها انظر لورين أيسلي، قرن دارون، نيويورك: دبلدي،1958.
[7] يقدر عمر الارض حاليا باكثر من 3.35 مليار سنة وفقا للابحاث التي قام بها نيل بانيرجي الباحث في قسم علوم الارض في جامعة ويسترن اونتاريو الكندية. وكان بانيرجي قد ترأس مجموعة من العلماء من النروج وامريكا لدراسة عينة من المتحجرات التي اكتشفت مؤخرا في استراليا وقد نشر بحثه في حزيران 2007 في مجلة الجيولوجيا الكندية.
[8] لورين أيسلي ، مصدر سابق، ص 66-69، 88-89، 94، 353.
[9] جون هيدلي بروك، العلم والدين، نيويورك: جامعة كمبردج 1991، ص 193-194.
[10] انظر مارجريت جاكوب، الثقافة العلمية ونشوء الغرب الصناعي، نيويورك: جامعة اكسفورد، 1997.
[11] يمكن لمن يرغب من المهتمين الاطلاع على مؤلف ابراهام وولف، تاريخ العلم، التكنولوجيا والفلسفة في القرن الثامن عشر، نيويورك 1952. وكذلك مؤلف جون يولتون، المادية في بريطانيا القرن الثامن عشر، جامعة مانيسوتا 1983.
[12] توماس كوهن، الثورة الكوبرنيكوسية، جامعة هارفرد 1983، ص 235-237.
[13] هاورد غروبر، دارون حول الانسان، جامعة شيكاغو 1981،ص 37.
[14] نفس المصدر، ص 204-205.
[15] جانيت براوني، جارلس دارون: ترحال، جامعة برنكتون 1995، ص 72-78.
[16] غروبر، مصدر سابق، ص 204.