الرئيسية » مقالات » ماذا يريد العرب من إيران؟

ماذا يريد العرب من إيران؟

العرب غاضبون لأن إيران لا تريد أن تكون نعجة تتحكم بها كباش الشرق والغرب. لا تريد شعبا من النعاج يحكمه كبش بقرون طويلة وهمة ميتة. تريد موقعا إقليميا يتناسب مع مصالحها وكرامتها القومية وشعبها الكبير. وإيران تفعل ذلك بالطريقة التي تمليها حتميات الصراع المتبعة في هذا العالم. أي ليس لأنها تكره أمريكا أو العرب أو إسرائيل، وإنما لأن لها عقلا استراتيجيا علميا إلى جانب عقلها السيكيولوجي الذي لا بد منه، تتحرك سياسيا وتنمويا على أساسهما. تعي حاجاتها وإمكانياتها في حدها الأقصى وتتصرف على هذا الأساس. العقل الإستراتيجي العملي يمدها بوعي الصراع، والعقل السيكيولوجي يمدها بديناميات الوجدان القومي والإنساني ووعي الكرامة الذاتية. وإذا كانت إيران في مواجهة مع أمريكا أو العرب أو إسرائيل فلأن هؤلاء هم من يشكلون النقيض الموضوعي لحركتها. إنها تلتزم بقوانين العلاقات البشرية وحركة المصالح المحكومة بالتناقض أو التوازي أو الإلتقاء. فما الذي يريده العرب من إيران؟
العرب يشكلون القومية الأكبر في المنطقة، والفرس يشكلون القومية الثانية. وهذا هو تناقض تلقائي بحد ذاته يفترض أن تخاف إيران من العرب لا أن يخافوا هم منها. فالموازين النظرية للإمكان البشري والثرواتي مختلة لصالح العرب. ومهمة إيران الأولى هي في موازنة هذا الخلل في أبعد حدود الإمكان. لقد عملت إسرائيل على موازنة هذا الخلل اللوجستي لصالحها في المنطقة بنجاح باهر تعلمت منه إيران وتعمل على تطبيقه. وإذا كان العرب لم يفعلوا شيئا بهذا الشأن، ويرون في تفوق إسرائيل على إيران وسيادتها التامة على المنطقة، أمرا في صالحهم فهذا شأنهم. أما إيران فليس بوسعها أن تقبل بذلك لأنها، كما قلنا، لا تريد أن تكون نعجة في موازين القوى في مجالها الحيوي الإقليمي. وهي تعرف أنها قد لا تستطيع مع وجود أمريكا الثقيل في المنطقة تحقيق كامل أهدافها التي يمليها منطق قوتها اللوجستي مقابل إسرائيل، فإنها تعمل ليس بنفس ثوري كما يدعي إعلامها، وإنما بنفس تفاوضي حاد ومتشدد يضمن لها الحد الأدنى من اعتبارها الإقليمي. وهي تواجه أمريكا وتفاوضها وتواجه إسرائيل وتفاوضها. فما هو نوع العدوان المباشر الذي تمارسه إيران على العرب؟
الترافع المنطقي الوحيد للعرب، هو أن يكون لهم استراتيجية تنموية مثل إيران تحاول إيقاف كل عدوان مباشر عليهم عند حده. حقهم المنطقي أن يكونوا أصحاب المنطقة الشرعيين لأنهم يملكون التفوق الجغرافي والديموغرافي فيها. لهذا السبب تضطهدهم القوى العالمية التي أقامت إسرائيل للتنكيل المتواتر بأي مشروع قومي تنموي محتمل من جانبهم. ولهذا السبب تحاول أمريكا وإسرائيل إجبار إيران على التخلي عن مشروعها التنموي والخضوع للنظام المنطقي الذي تريدانه. وقد رفضت إيران ذلك، فهل كان عليها أن تقبل بما قبل به العرب؟ لا أعتقد أن هناك أمة أو شعب يمكن أن يقبل بما يقبل به العرب. العرب قبلوا أن يكونوا مواطنين إسرائيليين في بلادهم، فلماذا يجب على إيران أن تفعل مثلهم؟ العرب يقبلون علنا بتهويد موطنهم المادي وموطنهم المعنوي وينفقون جزءا كبيرا من ثروتهم القومية على التطبيع مع إسرائيل، وإيران لا تريد ذلك. فبأي حق يهاجمون إيران بألسنتهم الملوثة بحقد العاهرات على الحرائر؟ إنه حق الديوث في حقده على الأستاذ الجامعي. حق الذي يخشى أن تلوث أمثولة إيران وعي شعبه فيطالبه بنوع من الكرامة السياسية. هذا هو سبب حقد البعض على إيران. ولا يصلح ما تفعله إيران في العراق ستارا لحقدهم. فمن حق إيران أن تفعل ما تريد في العراق وغيره، ومن حقنا نحن أن نفعل ما نقدر عليه، لا أن نعاتب إيران، خاصة وأن الذين يعاتبونها هم مرتكبوا دم العراق أولا وآخرا، فلا حق لهم أن يعاتبوا حتى أمريكا. وهم بالطبع لا يفكرون بذلك، وإلا فإن أمريكا التي استمعت إلى توسلاتهم بمهاجمة العراق سترسل المارينز إلى مخادعهم لانتهاك بكاراتهم المثقوبة.
يريدون أن تفعل أمريكا بإيران ما فعلته بالعراق. لقد سبق العراق ونظامه القومي إيران إلى فهم اللعبة وحاول تنمويا ما تحاوله إيران اليوم. وحشدوا كل أموال النفط وكل تراثات العمالة وكل خستهم النفسية والعقلية لهدم المشروع العراقي. وهذا هو أيضا من حقهم على أنفسهم. إنهم يريدون أن يحافظوا على بذاءة وجودهم، وعلى عمى مواطنيهم. لذلك فإن معاتبتهم ليست حقا لأحد. لقد فعلوا ما يريدون وذبحوا أطفال العراق ونخبه السياسية والعلمية ودمروا بنيته التحتية. وإذا كان هناك متضررون مما فعلوا فليفعلوا بهم ما أرادوا. هذا هو قانون الصراع منذ المصلحة الأولى والدم الأول. قانون قابيل وهابيل. وهو القانون الذي تلتزم به كل القوى حتى في العلاقات الفردية. أما أكذوبة الأخلاق فهي لحالات التوازن المؤقت والتعب وجماليات السلام العابرة. فلماذا تكون إيران دولة مختلفة ما دامت دولة سوية؟
إيران تبني استراتيجية أمنها الحالي والمستقبلي على قدرتها الذاتية كما هو المألوف في سلوكيات البشر. وهم يبنون استراتيجية أمنهم الشخصي والنظامي وأمن دكاكينهم “الوطنية” على الحماية الأمريكية. وأمريكا تقوم بحمايتهم كما يحمي الفارس حصانه للركوب. فإذا لم يعد بالإمكان ركوبه أطلق عليه رصاصة الرحمة. وقد انتهت أمريكا من حماية الأحصنة، فهل ستحمي الحمير والكلاب والخنازير البرية؟ إنهم الآن سجناء محكومون بالإعدام هم وشعوبهم وأوطانهم، في انتظار أن تكمل أمريكا بناء المقصلة. في انتظار اكتمال خارطة الكانتونات الإقتصادية المحكومة بالموظفين والخبراء والمختصين من الليبراليين الذين يتلقون رواتبهم من إسرائيل مباشرة. وسوف يتلاشون هم كالفقاعات، ويصادر البيروقراطيون الجدد مدخراتهم وأرصدتهم وفوائض حريمهم من الملابس الداخلية، ويتركون لهم رواتب متواضعة للعيش واستقبال المتفرجين. وإيران لا تريد أن تقسم بلادها وتصادر فوائضها ومدخراتها المادية والمعنوية فلماذا لا نحترم إرادتها ما دامت تلتزم بدستور الصراع وتدفع ثمن سلوكها من رصيدها المادي والبشري؟ إذا كان لا يعجبنا ذلك، وهو يجب ألا يعجبنا في حسابات المستقبل، فلنرد على إيران ردا ذاتيا وليس باستعداء أمريكا عدو الجميع عليها.
هل يمكن لأحد في هذا العالم أن يتحدث عن تجربة عربية في السياسة أو الحرب أو الإقتصاد أو العلم أو الثقافة أو الفن، حتى نفترض أن إيران يجب أن تقتدي بنا. إننا مادة جيدة لأفلام هوليوود التي يقوم ببطولتها “أبو قرف” وهو شيخ عربي نفطي وإرهابي ساحر يثير مظهره الضحك وسلوكه الإشمئزاز. لا يكاد يوجد فيلم لهوليوود يخلو من إشارة عابرة إلى النموذج العربي الخليجي في زيه التهريجي وسلوكه المنفر ولو في خلفية إحدى المشاهد. فلماذا سيقلدنا الإيرانيون؟ لماذا سيقلدنا أحد في هذا العالم؟
في كل الحالات، حينما يتدخل العقل تبدأ الأمور بالتحرك إلى الأمام. يصبح التخلف وكل أنواع الخلل الأخرى شيئا قيد النفي. حتى الدين يمكن توظيفه في الحركة الإجتماعية مرحليا إذا سمح لانتقائية العقل بالتدخل. وهذا ما تفعله إيران. ولو كان لنا نظام واحد سوي، لدرس التجربة الإيرانية ليضع رده المكافيء عليها إذا كان يعتبرها خطرا عليه، بدلا من الإصطفاف مع إسرائيل ضدها. وإذا كان العرب ليس لديهم ما يوظفونه سوى انعدام الخجل ووقاحة الإنحراف وغياب العقل وامتهان الذات فمن الذي يتوقع منهم غير ما يضرهم ويهوي بإنسانيتهم؟
إذا كان من مصلحة إيران أن تقسم العرب إلى شيعة وسنة في العراق، فما هي مصلحة العرب في ذلك حتى يساعدوها عليه كما يفعلون؟ بالطبع لا مصلحة لهؤلاء الأغبياء في ذلك، ولكنهم لم يعتادوا أن يناقشوا أوامر أمريكا، فهم يعرفون أن أولادهم وزوجاتهم وجواريهم يتجسسون عليم. إنهم مع إيران حينما تلتقي مصالحها مع مصالح أمريكا وهم ضدها حينما تتعارض مع تلك المصالح. فكيف يجرؤ هؤلاء الخنازير على انتقاد إيران؟
رجال الدين في إيران يقودون الحركة القومية والإجتماعية والتنموية بفذاذة تثير الإعجاب. رجال دين بعيدون عن التطفل والخسة الهجرية، وفي نفس الوقت رجال سياسة يشهد لهم خبراء السياسة في العالم. يدربون الشباب “المسلم” على حمل السلاح ليدافعوا عن الوطن، وليس ليحاربوا من يخالفهم الرأي داخل البيت الإيراني. “شباب إيراني مسلم” يوطن نفسه على محاربة أمريكا وحماية البيت القومي، وليس على سرقة زوجات الشهداء والسجناء الذين يحاربون أمريكا وإسرائيل كما يفعل “الشباب الهجري المسلم”. قارنوا بين موقف فقهاء الجبنة الدانمركية والممرضات البلغاريات، وبين أسر الجنود البريطانيين في الخليج من جانب إيران ردا على بذاءة بريطانية سابقة، لتعرفوا الفرق بين فقهاء النفط وفقهاء التقدم. وبعد ذلك كله لا يخجل فقهاء النفط هؤلاء من التهجم على إيران.
هؤلاء الفقهاء نفسهم، لا يتناقضون مع تركيا وأردوغان، لأنهم يعملون لسيد واحد. تركيا التي تعمل على تعطيش العرب خدمة لإسرائيل. تركيا التي تعمل الشركات الإسرائيلية في كردستان بغطاء من شركاتها الحكومية العاملة هناك. تركيا التي ترى في العرب عدوا تاريخيا لها. تركيا التي تعمل قاعدة لوجستية لأمريكا وإسرائيل في المنطقة. تركيا العضو في حلف الناتو والتي تعرف أنها لن تحقق حلم قبولها في السوق الأوروبية المشتركة إلا إذا تماثلت مع إسرائيل ضد العرب في كل شيء. تركيا هذه لا يذكرونها إلا بالخير، رغم أنها أكثر خطرا على العراق والعرب من إيران لأنها جزء من استراتيجية السياسة الغربية وجزء من العرق الآري ورأس حربة لأوروبا في المنطقة. إنها مثل كلب الصيد يركض لغيره وليس لنفسه. لذلك فإنها محببة إلى قلوب العرب الأمريكان وأصحاب الثقافة السنية من الإخوان المسلمين. وحينما يتناقضون مع إيران، فلوجه الله، لأنه ليس فيها فضيلة واحدة من كل هذه الفضائل الحميدة.
هل فكر العرب مرة لماذا يحترم الغربي الفارسي ولا يفكر أبدا في احترام العربي؟ فمن هو إذن الذي يجب منطقيا أن يقلد الآخر، نحن أم إيران؟
لو كان العرب أناسا عاديين، لأقاموا مؤسسة أسمها “رفع الضيم” وفكروا كيف يستغلون التناقض بين إيران وإسرائيل لابتزاز بعض العطف الكاذب من أمريكا، ولأجبروا كونداليسا رايس أن تبتسم للحكام العرب كما تبتسم لأولمرت. إن من يشاهد كوندليسا في التلفزيون مع أولمرت أو تسيبي ليفني يلاحظ أنها تعاني من إدراك فارق المكانة تجاههما. إنها تبدو مهذبة وودودة كما يليق بخدم السادة وليس كما يليق بالدبلوماسيين. أما من يشاهدها مع القادة العرب فإنه يتخيل إلهة سوداء في ساعة قرف. عظماء المذلة هؤلاء يجدون من المناسب بروتوكوليا أن يشتموا إيران أمام كوندليسا دون أن يعرفوا كيف ولماذا. فالأمر ليس سياسة بقدر ما هو استخذاء بروتوكولي أمام هذه الشيئة الأمريكية العظيمة. قد لا يقيم البعض وزنا لهه الظاهرة، ولكن احتقار الآخر لنا هو دائما خلاصة معرفية ووجدانية لوضعنا الذاتي.
وختاما، إيران دولة عادية تتعرض لتحالف قوى الشر والنذالة في العام والمنطقة لأنها ترفض أن تكون نعجة دولية. قلوبنا معها إلى أن يصبح لنا وطن تكون قلوبنا معه. عندها يحق لنا أن نواجه كل عدوان عليه من جانب إيران أو غيرها. أما الآن فإن الذين يقفون مع أمريكا وإسرائيل ضد إيران هم الساقطون فقط. ومنطق المصلحة يقول أن شعوب المنطقة كلها يجب أن تحمل السلاح إلى جانب إيران، ولكن من لم يحمل السلاح من العرب من أجل العراق لن يحمله من أجل شيء على الإطلاق.