الرئيسية » بيستون » مآسي الكورد الفيليين والتلاعب اللاإنساني … الحلقة الثانية

مآسي الكورد الفيليين والتلاعب اللاإنساني … الحلقة الثانية

شفق
27 / 10 / 2007
في الثلاثينات والأربعينات حتى آواخر الخمسينات كانت معاملة شهادة الجنسية العراقية تمر بعدة مراحل معقدة وروتينيات دائرة السفر والجنسية العراقية والأقامة والنفوس وما الى ذلك من طرق الركض هنا وهناك وحضور المختار وكبار السن من المحلة و(طلعان الروح) من اجل الحصول على هذه الوثيقة الرسمية التي تثبت بأنك مواطن عراقي ولم تأت من المريخ للإقامة في العراق! وكان الطلب الرسمي من تلك الدوائر أن تبرز لهم (العثمانية) أن كنت بلغت الكبر أو (عثمانية )تعود لجدك أو لأبويك لأكمال المعاملة تلك بعد أن تنقطع عن العمل لمدة من الزمن من اجل ذلك أي (قطعان الرزق) واللهاث وراءها يحدوك الأمل بأنك ستحصل على (شهادة الجنسية) الواحدة مثلاً ، لابل على حبيبتك الغالية المهر ومعوقات اهلها وتعنتهم المتواصل والإتيان بالأعذار طيلة المراجعات والطلب منك هذا الشيء وذاك بحجج واهية ! اما الذي كانت لديه المستمسكات العثمانية التي تؤكد أنه وأسرته أباً عن جد هم من سكان العراق طيلة وجود الأتراك واحتلالهم الشائن لبلادنا، وبذلك يسمى هذا الشخص من التبعية العثمانية ومن الرعية الأصلية سابقاً وحالياً …

أن في كلمة الرعية والرعايا إساءة بالغة لنا فنحن لسنا من فصائل الأغنام تحت حماية الرعاة والعقليات المتعفنة التي لاتحترم الأنسان لأننا (مواطنون لارعايا) مثلما قال خالد محمد خالد في كتابه المعنون كذلك! ولكن لنذكر أن تنفع الذكرى ماكان يجري من التعامل في دوائر السلطة العثمانية حينذاك مقابل ما جرى ويجري في دوائرنا التي تسمى بالوطنية التي تحرمك من حقوق المواطنة، فعندما يبلغ الشاب سن الرشد في زمن العثمانيين ويساق الى الخدمة العسكرية الأجبارية طبعاً ويحضر امام ضابط التجنيد المسؤول عن ذلك فيسأله الضابط اولاً عن أسمه الكامل وفي أي محلة أو منطقة ومكان سكناه الحالي، وهل البيت الذي يسكنه هو ملك صرف أم انهم يسكنون البيت بإيجار شهري أو سنوي؟؟ فإذا اجاب الشاب أو المسؤول عن تربيته الأب أو الأم أو الجد أو كل من يمت بصلة القربى لهذا الشاب بأنهم مستأجرين غرفة أو أكثر أو بيت ولايملكون مأوى ولاقطعة ارض تأويهم. فعند ذاك يعطيه الضابط وثيقة رسمية بعدم صلاحيته للخدمة العسكرية حسب القانون العثماني، إذ ليس من الأنصاف والعدل أن يخدم الغير ويدافع عن الأرض والبلد وهو المحروم مما يتمتع به اصحاب الدور والعقارات والبساتين والأملاك الشاسعة.فلماذا عليه أن يضحي بحياته في سبيل الآخرين، ويشترك في الحروب والدفاع عن الأرض التي حرمته كل متع الحياة والبيت والعش المعد لراحته وأمنه وقضاء حاجاته الضرورية كأنسان بهذه الأساليب وهذه الصورة كانت المعاملات تنجز بأسرع وقت ودون تأخير. فمن هنا كانت الأغلبية المسحوقة طبعاً من الكورد الفيليين هم من الطبقة المحرومة ومن العمال والكادحين والحمالين والعمال والكسبة يخدمون اهالي البلد لقاء اجور في سبيل الحصول على لقمة العيش لهم ولأسرهم في حياتهم البائسة تلك، وكانوا محشورين في غرف للإيجار مع العوائل الآخرى مع العلم أن البعض منهم وهم القلة كانوا يملكون كل شيء الى حدود الترف والعقارات والأملاك والمحال التجارية وصنوف المعامل التي تدر عليهم الأموال وهم في بذخ، لأنهم كانوا من حملة المستمسكات العثمانية وكانت الدوائر الرسمية والمسؤولين ينظرون إليهم بعيون الحسد ويحاولون الأستيلاء على ما كانوا يملكون تدفعهم الأحقاد والضغائن التي يحملونها تجاه الكورد الفيليين والروح العدائية الطاغية في نفوسهم للنيل منهم والأساءة للفقراء والمعدمين لهذه الشريحة المظلومة وتحيين الفرص للإيقاع بهم وسلب ما يملكون وما لايملكون بشراهة فالكورد الفيليين هم الآن في فقر مدقع وعوز قاتل نتيجة السلب والنهب والأستيلاء على ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة جراء تلك الحملات الإجرامية والتعامل غير الأنساني بحقهم ومازالوا حتى اليوم يعانون الضيم والمذلة والحرمان، ودون الألتفاف لمأسيهم المستمرة يوماً بعد آخر فالمحن والمصائب المتعددة التي ابتليت بها هذه الشريحة لاتعد ولاتحصى وعلى مرأى ومسمع جميع الجهات ذات العلاقة التي تستطيع رفع الغبن عنهم وأعطائهم الحقوق الكاملة غير المنقوصة والإعتراف بحقوق المواطنة أن بقي هناك بعض الأحساس بالروح الأنسانية لمساعدتهم وانتشالهم من هذا البحر المتلاطم والجحيم وهم إذ يستغيثون ولا من مغيث حتى ولا صحوة من اصحاب الشأن لإسعافهم وتطييب خواطرهم وانتشالهم مما هم فيه من ظروف صعبة أكثر من الآخرين وفي هذه الأجواء غير الأعتيادية حيث الموت المجاني في كل الزوايا والأمكنة التي تحيط بالأنسان العراقي لأنه في سجن كبير وعذاب مستديم! أن بعض الكورد الفيليين الذين اسبشروا بالتغيير الذي طرأ على العراق وكانوا في بحبوحة من العيش في بلدان اوربا وامريكا وجنوب شرقي اسيا عادوا بفرح غامر لأن الحنين للوطن الأم هو الدافع الحقيقي لحضورهم من اجل المشاركة الفعلية مع إخوانهم في العراق لمواصلة السير نحو التقدم لخير العراق وأهله والقضاء على الأمية والفقر والجهل والمرض هذه الأمور التي هي السبب الحقيقي لما آلت اليه أو ضاعنا المأساوية المتردية والتي ستبقى في الذاكرة مدى الدهر الى آبد الآبدين فالنحاول معاً لتغيير كل ما يعيق تقدمنا نحو الأفضل ونحن لها إذا اردنا ذلك وهذا الأمر ليس بعسير على العراقيين ونعود مرة أخرى الى موضوع (الجنسية) وما رافقها من ملابسات ومهازل طيلة عقود على أيدي المنفذين الإداريين والحكام المتسلطين على رقاب العراقيين ليسومونهم سوء العذاب والأستهانة بحقوقهم الشرعية والأصرار على مواقفهم غير المشرفة والخروج على واجباتهم الكاملة لخدمة المواطنين بطريقة انسانية لائقة لا اسماعهم الكلمات الجارحة والمؤذية للشعور العام بالأساليب البعيدة عن التمدن والحضارة والتقييم الأخلاقي لروح المواطنة والمسؤولية الملقاة على عواتقهم لتنفيذ كل ما يتعلق بخدمة الآخرين من بني جلدتهم ومواطنيهم بصورة مرضية ومقبولة! وعلى هذا الأساس لعرض بعض المواقف التي تخالف التعامل مع القضية (الفيلية) من ناحية الجنسية مع جماعات وافراد لهم الأفضلية واجراء المعاملات دون تأخير أو اعذار أو تهم ملفقة ومفبركة لألصاقها بالكوردي الفيلي نكاية به على طول الخط. ففي جميع المدن العراقية وقصباتها التي تحاذي حدود دول الجوار تجد سكانها في جنوب العراق أي في البصرة والزبير ونواحيهما من الأغلبية الساحقة هم اما نجديين من السعودية أو من اليمن أو من سكان البادية أو الجزيرة العربية توافدوا حتى الثلاثينات والأربعينات الى العراق وهم منذ أمد بعيد أستحصلوا شهادة الجنسية العراقية وفي لمح البصر دون أعذار أو مماطلة وتسويف، وهناك ايضاً قسم من العرب الأيرانيين هم من سكان الأهواز ومن عشائر الشيخ (خزعل) يسكنون البصرة والعشار وفي المناطق المجاورة خارج مدينة البصرة والعشار وفي نفس المحافظة ايضاً جماعات غير عربية ومن اصول هندية وافغانية وبلوجستانية وأرمن لديهم الآن شهادات الجنسية العراقية والقسم الأكبرمنهم وصلوا الى القيادات التشريعية والتنفيذية والوزارات والدوائر الحكومية في الحكومات المتعاقبة وحتى الأحزاب (حزب البعث) مثلاً وحملوا اسم العروبة امعاناً في النفاق والتلاعب بمصير العراق واهله. اما في مناطق الموصل والمدن المجاورة لها والأقضية التابعة لمدينة الموصل وغيرها فالقسم المعروف للقاصي والداني من السكان هم من اصول سورية واردنية واتراك ومصريين وغيرهم من الأقليات وخليط من الأجانب الذين استعربوا لاعلى غفلة منا بل اصبحوا كما نقول هم حماة العروبة وبأيديهم الحل والربط ووضع الشروط المسبقة في التعامل وتصريف الحياة على الطريقة التي يرتأوها لمصالحهم وطموحاتهم المشروعة في الحياة.ولهم نفس الحقوق التي يتمتع بها العراقي بحذافيرها، ولكن العراقي الحقيقي لايتمتع بما نصت عليه القوانين، بل أن تلك القوانين مدونة على الأوراق شكلياً دون تنفيذ حتى يومنا هذا وبلا تطبيق إذ انها مدونة وباقية بلا روح كالأموات الذين غيبتهم القبور دون رجعة! الكوردي الفيلي الذي لم تكن له شهادة الجنسية العراقية حينذاك سوى دفتر النفوس والذي كان بمثابة الجنسية العراقية وقد حصل عليه منذ التسجيل العام لنفوس العراق عام 1934م وهو المرجع القانوني الذي أخذ به في الدوائر الرسمية والمعاملات المختلفة ويعتبر الوثيقة المعترفة بها حسب صورة القيد لعام 1934كبقية المواطنين في العراق دون تمييز أو تفرقة، وللنظر الى حال الكوردي الفيلي الذي خدم العراق والعراقيين بكل تفانٍ وأخلاص وقد خدم الجيش العراقي كخدمة إجبارية حسب الولادة أو تطوع في صفوف الجيش ووحداتها المتنوعة، إذ كنت ترى المعسكرات في أنحاء العراق تعج بالكورد الفيليين خصوصاً من المتطوعين أكثر بكثير من أخواننا العرب وبقية الشرائح الآخرى. وقد كانت صنوف الجيش ملأى بضباط وضباط الصف والأفراد من أبناء هذه الشريحة المظلومة من العراقيين هذا من جانب ومن جانب آخر فنرى خطوط سكك الحديد وورشها ومحطاتها ومعاملها الكثيرة ومجمع سواق قاطراتها هم من الكورد الفيليين ولانجد بينهم غير الكورد اطلاقاً كما تجد مدراء محطاتها أغلبهم من الكورد اللهم الابعض الوظائف في السكك من الهنود واليهود وهم قلة لاتتجاوز اصابع اليدين! أذن لنقول ونؤكد للعالم اجمع وقولنا هذا ليس من باب التجاوز على الواقع أو ادعاء باطل ولكن الأمر حقيقة ويشهد بها جميع العراقيين على مختلف شرائحهم فهذه الحقيقة هو أن الكوردي الفيلي في هذه الفترات بالذات منذالعشرينات من القرن الماضي ضحى ولم يزل يضحي في سبيل العراق الحبيب موطنه المقدس لديه إذ برهن على ذلك للرجوع من البلدان الأخرى للجلوس في حضن أمه الثانية وهي الأرض العراقية أرض الخير والنعمة والبركة واهلها الكرام الأطايب المخلصين. وعلى كل حال فالمصائب والويلات كثيرة، ولسنا في موقف معاتبة وعتاب فمن هو الذي يجب علينا أن نعاتبه، والمسؤول الحقيقي عن هذه المآسي التي حلت بنا فما الذي صنعناه وما الجرم الذي أوقعناه بغيرنا من المواطنين والأذى الذي ألحقناه بهم طيلة وجودنا ومعايشتنا في المجتمع العراقي منذ القدم ؟؟ وهل نصل الى غاية نبيلة من وراء عتابنا؟ لأن المذنب البادي للعيان لم يكن متخفياً وراء ستار بل كان يصول ويجول ويبث الرعب والفتن ويحرك الجماعات ويسير هذه الجماعة ضد تلك وبإيعاز من الأجنبي للحفاظ على مصالحه وطموحاته للأستحواذ على خيرات هذا البلد وافقار المواطنين وتجويعهم من اجل السلب والنهب مما فوق ارض العراق وباطنه بطرق اجرامية وحشية وبمساعدة عملائه وكلابه الضارية الشرسة التي تنفذ اوامر( السيد المحترم ) بالرغم عن تأكيده في تطبيق مقولته المشهورة (جوع كلبك يتبعك) ! انه يتصور بأن الشعوب ماهي ألا مجموعة من الكلاب فمن الواجب تجويعها للرضوخ لما يصدر من اوامر وارشادات مهينة ومشينة بحق الأنسان أن كان هذا الأجنبي يحترم حقاً حقوق الأنسان!! ولكن الظروف الصعبة القاسية التي نعيشها ونعاني من ويلاتها المتشعبة ولكي نوضح الجوانب العديدة منها للملأ وللتاريخ لأنها من ابسط الحقوق الأنسانية الطبيعية لاوجود لها حتى في أحلامنا المزعجة وكوابيسها المخيفة التي تهزنا هزاً وتحيلنا الى مخلوقات فإنها تعيش في عالم آخر مثل الجحيم والمعذبين فيها على الدوام! في هذه الحالة نستشهد بشعر المتنبي إذ يقول (مصائب قومٌ عند قومٌ فوائد) ونحن نقول العكس (فوائد قومٌ عند قومٌ مصائب)! ولأجل هذا نؤكد على الدوام بأن ما اصابنا ليس من الله عزوجل بل من الحكام الجائرين المستهترين بكل القيم الأنسانية والحالة غير الطبيعية في الأوضاع الراهنة التي نحترق في أتونها هي من صنع هؤلاء الحكام والمسؤولين الذين هم أو البعض منهم ايتام عهود الظلم والظلام من بداية تأسيس الحكومة العراقية في عام 1921م ! فهؤلاء ملقنون مروا بغسل دماغ وهم على أستعداد أن يبيعوا العراق واهله بثمن بخس لقاء تمتعهم المؤقت في الحياة هذه الحياة الفانية التي لاتدوم لأحد! فهذه الأوضاع المتأزمة تزداد سوء يوماً بعد يوم حسب تخطيط مسبق ومؤامرات مدروسة من الناحية النظرية من اجل تطبيق العملي في كل خطوة من خطوات أعداء العراق حيثما وجدوا، لأنها ستراتيجية بعيدة المدى في كل الظروف والأحوال وتحركات مشبوهة هنا وهناك لضرب الطموحات المشروعة والنهج الصحيح لديمقراطية نحن أعرف بها من الغرب ولسنا قاصرين إذا فسح المجال الحر لنا للشروع بما تقتضيه الواجبات الأنسانية الملقاة على عواتقنا للقيام بها على أحسن وأكمل وجه، نحن نعلم أي الطرق هي التي توصلنا الى الخلاص من التعاسة والبؤس والشقاء التي تلفنا جميعاً فتحريرنا من هذه المعوقات ووضع النهاية لها ستكون بوقوفنا صفاً واحداً لصد الهجمات المتتالية من أعدائنا الحقيقين بكل جرأة وحزم وتعاون ومساهمة فاعلة وألاستبقى غرقى في المشاكل المستعصية التي أوصلتنا الى هذه الحالة المؤسفة بل الحالة الطاغية التي سلبتنا كل مقومات الحياة ومسخت المعاني المشرفة للعيش بحرية وطمأنينة وسلام في ربوعنا المترامية الأطراف.