الرئيسية » اللغة » التعدد اللهجوي وضرورة ايجاد اللغة الكوردية المشتركة الحلقة الاولى

التعدد اللهجوي وضرورة ايجاد اللغة الكوردية المشتركة الحلقة الاولى

يقول سوسير “صعب هو القول: على أي شيء يقوم الاختلاف بين اللغة واللهجة، فغالباً ما تسمى لهجة ما لغة بفعل انتاجها أدباً، ومسألة القدرة على الفهم تؤدي دوراً في ذلك أيضاً، كقولنا عن أشخاص لا تفاهم بينهم، انهم يتكلمون لغات مختلفة. ثم يضيف قائلاً ان اللغات التي لا تتباعد إلا بدرجة ضعيفة تسمى لهجات اقليمية، ولكن يجب أن لا نعطي هذه الكلمة معنى دقيقاً حازماً. أن بين اللهجات الاقليمية واللغات فرقاً في الكمية لا في الطبيعة” . من المؤكد أن للغة أطواراً، يلعب كل طور دوره الخاص، فقد تعيش اللغة طوراً انتكاسياً نتيجة عوامل خارج النطاق اللغوي سواء كانت عوامل سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية. فتطور اللغة الكوردية من طورها القديم والذي يمثل المراحل الأولى في نشأة اللغة الكوردية بدءاً من لغة ميديا التي ربما نمت هي الأخرى في أحضان لغات شعوب وقبائل كوردستان من كوتيوم وسوبارتو ولولو الى الحوريين والميتانيين وأخيراً لغة ميديا .
حيث تطورت إلى طور اللهجات المحلية التي تبلورت في صيغها الصوتية والنحوية منذ دخول الكورد الى الاسلام أي منذ القرن السابع الميلادي الى أن وصلت الى ما عليه الآن اذ تتفرع الى أربع لهجات رئيسة تأخذ صيغ صوتية ومورفولوجية وتركيبية (سينتاكسية) تختلف في بعض الأوجه وتتوافق في أوجه أخرى مما تستدعي الدراسة اللغوية في بنيتيها: (السطحية والعميقة) أي من داخل القوانين اللغوية.
كما هو معلوم في علم اللغة أن اللغات جميعها خضعت لقانون التطور خلال تاريخها الطويل، ويرى علماء اللغة أن هناك عاملين مؤثرين في اللغة، وهما: (( عامل توحيد وثبات وعامل تفريق وتغيير)) ويقول البعض أن طبيعة الأرض تتدخل في كثير من الأحيان فتغلب أحد هذين العاملين على الآخر: ففي المناطق التي تكون الطبيعة فيها غير خصبة وفقيرة يضطر سكانها إلى التنقل من أجل تحسين وضعهم الاقتصادي، وهذا يؤدي إلى حدوث احتكاك واختلاط بين سكان المناطق المختلفة وبالتالي إلى ثبات اللغة وعدم اكثار اللهجات المحلية أما إذا كانت الطبيعة خصبة بقي الناس في سكناهم لعدم الحاجة إلى التنقل مما يجعل هذه الوحدات البشرية المنعزلة تسلك مسالك لغوية متعددة فيؤدي إلى نشوء لهجات عدة تتباعد من بعضها البعض كلما تقدم الزمان، للسبب الأول يلاحظ أن لغة سكان الأسكيمو لم تخضع للتطور والتغيير، وللسبب الثاني يلاحظ أن اللغة الفرنسية انقسمت إلى لهجات مختلفة لدرجة أنك تحس بالفوارق اللغوية كلما انتقلت من قرية إلى أخرى .
واللغة ككيان اجتماعي عرضة للتطور والتغيير بفعل عوامل خارجية من جانب، وعوامل داخلية من جانب آخر، وهنا يشير العالم اللغوي سوسير إلى (( العلاقات القائمة بين اللغة والتاريخ السياسي، إذا أثرت وقائع تاريخية كبيرة من مثل الفتوحات الرومانية تأثيراً لايحدّ في وقائع السنية عديدة، فالاستعمار الذي لايعتبر إلا صورة من صور الفتوحات، ينقل لغة ما إلى أوساط مختلفة، مما يؤدي إلى تغيرات فيها)) ويضيف قائلاً: ((وليست السياسة الداخلية للدول بأقل أهمية بالنسبة إلى حياة اللغات أن بعض الحكومات مثل سويسرا يقبل بالتعايش القائم بين لغات عدة، وبعضها الآخر مثل فرنسا يتوق طامحاً إلى الوحدة اللسانية)).
من هنا نلاحظ أن اللغة الكوردية خلال تاريخها الطويل عانت من عوامل داخلية وخارجية أثرت على وحدتها اللغوية مما ادى ذلك إلى ظهور لهجات مختلفة يصعب على الناطق الشمالي أن يفهم كل ما يقوله الناطق الجنوبي، فالوضع الاجتماعي والسياسي والجغرافي لكوردستان حيث نجد ذلك في تعددية الكيانات الاقطاعية في العهد العثماني، والطبيعة الخصبة لمنطقة كوردستان بطبوغرافيتها الوعرة في كثير من المناطق ساعدت على نشوء الوحدات الاجتماعية المنعزلة، الى جانب تكالب القوى الخارجية من أجل السيطرة على خيرات وثروات كوردستان مما أدى إلى التقسيم الأول لكوردستان بين الامبراطورية الصفوية والسلطان العثماني في عام 1514 في معركة (جالديران)، كما جاء التقسيم الثاني للقسم الذي كان تحت الحكم العثماني بين دول عدة وذلك بعد الحرب العالمية الأولى أثر اتفاقية سايكس بيكو. كل هذه العوامل حالت دون قيام دولة كوردية مستقلة ذات سلطة مركزية تمكنها من تطوير لغتها القومية لتقوم بدورها الحضاري والعلمي وسط المجتمع البشري في هذه المعمورة. وبدلاً من ذلك، أصبحت كوردستان أجزاء منقسمة بين عدة دول، وأصبح الكورد كيانات اجتماعية تعيش مع مجتمعات غير كوردية، ومجبرة على تعلم لغة اخرى غير لغتها أي لغة كل دولة من هذه الدول- العربية والفارسية والتركية – فضلا عن العوامل المذكورة أعلاه لا بد أن يؤخذ بعين الاعتبار النفوذ اللغوي الديني أيضاً وتأثير اللغة العربية على اللغة الكوردية منذ أن دخل الكورد إلى الاسلام في القرن السابع الميلادي، أي قرابة أربع عشر قرناً إذ نرى أن رجال الدين من الكورد يستعملون كلمات وعبارات دينية من اللغة العربية لغة القرآن الكريم. هذه العوامل مجتمعة جعلت من الكورد يعيشون حالة تبعية اجتماعية وسايكولوجية وسياسية واقتصادية ولغوية كان من المفترض أن ينسوا لغتهم القومية، ومع كل هذا نجد أن غالبية الشعب الكوردي ما زال حتى الآن يتكلم لغته، لا بل يفتخر بها. وباعتقادي أن هذا يعود إلى أسباب عدة: منها سايكولوجية الانسان الكوردي وصلابته الجبلية واعتزازه القومي، الى جانب الطبيعة الجبلية لكوردستان والتي حافظت على لغته القومية وأصالتها التاريخية في مواجهة اللغات الأخرى. وجدير بالذكر أن كوردستان لم تشهد الاستيطان الاستعماري منذ أن دخل الكورد الى الإسلام على الأقل، وهذا يعد من العوامل الايجابية التي ساعدت الكورد على حماية لغته من الاندثار لفترة طويلة بالرغم من أن عوامل بقاء وديمومة اللغة الكوردية هي نفسها عوامل بقاء هذه اللهجات، إلا أنها حمتها من الفناء. وأن توحيد اللغة الكوردية في صيغة واحدة لكل الكورد مهمة قومية وتاريخية ومسؤولية كبيرة تقع على عاتق اللغويين بالدرجة الأولى والمثقفين والمهتمين بالدرجة الثانية للقيام بدورهم التاريخي بعيداً عن التأجيل والمماطلة لأسباب ذاتية ومصالح فئوية ضيقة.
وجدير بالذكر أن الدكتور عبد الواحد الوافي يؤكد أن السبب الرئيس في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات هو انتشار اللغة في مناطق مختلفة واسعة واستخدامها لدى جماعات كثيرة العدد وطوائف مختلفة من الناس ولكن هذا السبب الرئيس لا يؤدي عن طريق مباشر إلى تفرع اللغة بل يتيح الفرص لظهور عوامل أخرى تؤدي إلى هذه النتيجة وأهمها يرجع إلى:
1- العوامل الاجتماعية والسياسية
2- العوامل الاجتماعية والنفسية
3- العوامل الجغرافية
4- عوامل الشعبية
5- العوامل الجسمية الفيزيولوجية
تحت تأثير هذه العوامل ينقسم المتكلمون باللغة الواحدة إلى جماعات متميزة إذ توجد اللغة لدى كل جماعة منها وجهة تختلف من حيث تطورها وتبدلاتها الصوتية والدلالية عن غيرها. وإذا تأملنا في بنية اللهجتين السورانية والكورمانجية نلاحظ أن الاختلاف موجود على مستويات صوتية ومورفولوجية ونحوية فضلا عن اختلاف مفرداتي ووجود فوضى المصطلحات على الجانبين.
ويؤكد علماء اللغة على أن الدراسة الشاملة للغة ما تستدعي دراسة المكان ولغته من خلال ربط لغات هذه المنطقة بالعوامل الأخرى التي تؤثر فيها مثل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والانتاج والاقتصاد والنشاط الثقافي والدين وحتى الفن والموسيقى والأدب فهذه الدراسة أفضل من القيام بدراسة لغوية في فراغ، من هنا ، لا يمكن لنا عزل اللغة الكوردية من العوامل الأخرى التي لا بد أن أثرت في بنيتها اللغوية على نحو ما.
التآخي