الرئيسية » مدن كوردية » مامه ياره وذكرياته المتألقة في الذاكرة

مامه ياره وذكرياته المتألقة في الذاكرة

تشكّل رابيّة (مامه ياره) معلماً طبيعياً بارزاً وجميلاً في الطرف الشرقي من مدينة السليمانية . وكانت الرابية هذه معروفة في الماضي بـ (كردي كولان) ولفظة (كرد) الكوردية تعني التلة او الرابية ، ثم اشتهرت فيما بعد (منذ اواخر القرن التاسع عشر) باسمها الحالي (كردي مامه ياره) اي رابية العم ياره نسبة الى البطل الشعبي المعروف ؛ يار احمد بن خضر بك بن عمر اغا (1804-1896) المدفون بناءً على وصيته في اعلى الموقع المذكور الذي دآب الشاعر الكبير بيره ميرد (1867-1950) على اختياره (فيما بعد) مكاناً لأيقاد نار نوروز مساءً ومن ثم الاحتفال بالمناسبة مع جماهير السليمانية في اليوم التالي عند كهريز اسطة شريف الكائن هناك . والمرجح ان اختيار بيره ميرد للرابية هذه مكاناً لممارسة تقليده السنوي المعهود بمناسبة عيدنا القومي نوروز قد جاء بدافع اعتزازه الكبير بشخص (مامه ياره) الاثير على قلبه ولتذكير اجيال الكورد بمآثره وسجاياه الطيبة التي اشتهر بها . كما ان بيره ميرد اوصى من جانبه وتعبيراً عن اعتزازه الكبير بالموقع ، بدفن رفاته فيه بعد موته ، وهذا يعني انه فضل هذا المكان كي يكون مثواه الاخير بدلاً من مقبرة (سه يوان) الشهيرة التي تضم رفات الكثيرين من مشاهير واعلام شعبنا الكوردي . اما السبب الذي دفع (مامه ياره) نفسه لتفضيل هذا المكان كي يكون اخر ملاذ له في الدنيا ، فان المصادر المتيسرة ترد ذلك الى سخطه ونقمته على رفاقه العساكر الفارّين من ساحة المعركة التي اودت بنهاية العهد الباباني الزاهر في السليمانية (عام 1847) ، والذين قرّر (مامه ياره) مقاطعتهم في حياته والتوصية بدفن جثمانه في موقعه الحالي بعيداً عن قبورهم في (سه يوان) ! عاصر مامه ياره العقود الاخيرة من عمر الامارة البابانية المزدهرة في السليمانية وحظي بثناء وتقدير امرائها خلال تلك الحقبة ، وخصوصاً من لدن الامير النابغ احمد باشا (آخر الامراء البابانيين المستقلين) والذي حكم الامارة خلال الفترة (1838-1847) وعيّن (مامه ياره) في جيشه النظامي المتطور بصفة الضابط المسؤول عن سلاح المدفعية . ولما توجّه (احمد باشا) اواخر ربيع عام 1847لملاقاة جيش والي بغداد العثماني (نجيب باشا) المتقدّم عبر حدود اربيل للقضاء على الامارة البابانية ، كان (مامه ياره) ضمن أفراد الجيش الباباني الكبير الذي هيأه وسيّره الامير المذكور للتصدي للعثمانيين . وفيما كانت الدلائل والمعطيات الاولية كلها تشير الى رجحان كفّة الجيش الباباني الذي عسكر في الطرف الغربي من بلدة كويسنجق قبالة الجيش العثماني ، حدث في صفوفه ليلاً مالم يكن بالحسبان ، اذ دبّت فيه فجأة اعمال الفوضى والتمرد والصدام الدامي بين افراده ، فأودى ذلك بفرار الجنود البابانيين من معسكرهم ومنح عدوهم فرصة كبرى لتحقيق مهمتهم بلا ادنى عناء ! وبغضّ النظر عن الروايات والحكايات المتنوعة التي قيلت عن اسباب تلك الفوضى المفاجئة التي عمت صفوف الجيش الباباني ، والتي لا مجال لذكرها هنا ، فأنه لا جدال على فرار الجنود البابانيين من معسكرهم ليلاً بعد مواجهات دامية فيما بينهم، فتركوا اميرهم وبعض اتباعه وحيدين في مكانهم وغير مدركين لحقيقة ماحدث حتى صبيحة اليوم التالي حيث اضطروا بدورهم للانسحاب مسرعين صوب الحدود الايرانية تحاشياً لسقوطهم بايدي العدو. وما ان تقدم الجيش العثماني صوب المعسكر الباباني المهجور لغرض جمع الغنائم المتروكة هناك حتى صدم بالذهول التام من جراء تعرضه الى قذائف المدفعية المنهمرة عليهم من اليمين واليسار والتي احدثت في صفوف افراده خسائر كبيرة وأخرت وصولهم لمبتغاهم ردحاً من الزمن، ثم كانت مفاجأة المهاجمين اكبر وأشد عندما اكتشفوا أخيراً ان مصدر كل تلك الحمم الموجهة اليهم هو مجرد مقاتل واحد صمد واستأسد خلف مدفعه حتى نفاذ ذخيرته واسره مغمياً عليه من فرط جرحه واعيائه. وعندما احضروه لملاقاة الوالي نجيب باشا، لم يكن ذهول هذا الاخير بالحادث بأقل من مفاجأة وذهول جنده، فبادره بالسؤال عن اسمه، فاجابه الاسير الجريح بانه معروف بـ(مامه ياره) فاستفسر الوالي منه عن الدافع الذي دفعه للقتال وحيداً وهو يعلم بان اصحابه قد ولوا الادبار! فاجابه (مامه ياره) بانه كان مكلفاً باداء واجبه في الجيش الباباني بصفته مقاتلاً فيه والضابط المسؤول عن سلاح المدفعية، وانه لم يتلق اية اوامر بالتوقف عن القتال او الانسحاب، فحاججه الوالي بان الذي أصدر اليه امر القتال قد فر بدوره من المعركة، فأكد (مامه ياره) ان فرار الاخرين لايشفع له التقاعس عن اداء واجبه المناط به، وانه غير آبه بموقف الاخرين! فأعجب نجيب باشا بشهامة واخلاص (مامه ياره) ومؤكداً له عن استعداده لمكافأته وتلبية كل مطالبه الشخصية، لكن الاسير الشهم اوضح للوالي العثماني انه لاينوي من مغريات الدنيا شيئاً، بل حتى الحياة نفسها لم تعد تهمه بعد تلك الخيبة القاسية التي مني بها! ويقول اخرون انه اكتفى بالطلب من الوالي ان يدع له قريته الصغيرة (كاني دركة) في منطقة شهربازار (مهد نشأته) وان يعفيها له من رسوم الجباية والضرائب، فتحقق له ما أراد. و الى جانب شهامته وبسالته وجرأته التي يؤكدها الحدث المذكور، فان (مامه ياره) عرف بجملة من الخصال والسجايا الرفيعة الاخرى التي جعلت منه مجتمعة شخصية عزيزة ومحبوبة في عهدها ولاسيما على صعيد مدينة السليمانية التي حرص أهلها على الاحتفاء به وتقديره كثيراً وهو ما يتجلى بشكل خاص اثناء المناسبات والمجالس والتجمعات المختلفة التي دأب على حضورها وتقدم الجموع فيها وهو بكامل هندامه المميز مع مسدسه وسيفه ورمحه الطويل! ونذكر من بين سجاياه وصفاته تلك، نصرته للضعفاء والمظلومين ودفاعه المستميت عن حقوقهم وقضاياهم، وكذلك ورعه العميق وايمانه الراسخ بالله عز وجل وهو الذي دأب الكثيرون من معاصريه على مناداته بلقب (صوفي ياره) الدال على معنى الزهد والتقوى. كما اعتاد (مامه ياره) التنقل وسط سوق السليمانية، خلال ايام الجمع، حاملاً معه عصاً طويلة داعياً الناس الى التعاون والمحبة والتآلف فيما بينهم والتمسك بمكارم الاخلاق والتقيد بتعاليم دينهم الحنيف، بعده يتوجه للجامع لحضور صلاة الجمعة وقبل بدئها بساعتين!، وقد عرف ايضاً بشغفه الشديد بالاطفال الذين حرص على رعايتهم واسعادهم وتوزيع هداياه عليهم (كالحلويات وغيرها)، ومن جانبهم كان فرح هؤلاء الصغار برؤية (مامه ياره) كبيراً للغاية، وهم ينتظرون بشوق بالغ قدومه لحضور الاعراس والحفلات التي كان يحييها باطلاقة مسدس تعبيراً عن غبطته ومسرته بافراح الاخرين ومشاركته الصادقة فيها. واجمالاً فان (مامه ياره) الذي خلدته مآثره ومفاخره وسجاياه الطيبة في الحياة، ظل وفياً اميناً لمبادئه الشريفة ومثله العليا التي آمن بها وأخلص لها حتى الرمق الاخير من حياته، وسيبقى مثواه الاخير في اعلى رابيته المعروفة باسمه طافحاً بعبق الذكريات الطيبة التي خلدته في ذاكرة هذه الامة.
المصادر
-رواية (باشايان كوشت) خسرو الجاف، 1993.
-موضوع عن (مامه ياره) بقلم جمال بابان، مجلة به يان العدد (12) سنة 1974.
-لمحات عن اواخر العهد الباباني بقلم كاتب المقال. -جريدة خه بات العدد (1005)، سنة 2000.