الرئيسية » مقالات » حزنٌ في ضوء الحدودْ

حزنٌ في ضوء الحدودْ

مضى حينٌ من الدهرِ على قراءتي لمقتطفاتٍ من كتاب ” تعالَ أيا صوتي ” للكاتب الكردي الناطق بالتركية ” محمد أكتاش ” كانَ قدْ ترجمها من التركية إلى الكردية الروائيُّ ” مدني فرحو ” ونشرها في العدد / 29 / من صحيفة ” آزاديا ولات ” الكردية, التي كانت تصدرُ حينها – عام 1996 – في استانبول, قبلَ أنْ تنتقلَ إلى ديار بكر. وكانَ ” أكتاشُ ” قد عبّرَ في كتابهِ وبمزيجٍ من الحزن والروح الشعرية الهائمة عن آلامِ ومعاناةِ عائلاتٍ وأسرٍ كردية قُسِّمتْ بين تركيا والاتحاد السوفييتي السابق, ليتصاعدَ الحنينُ في أروقة أرواحهم, ويعيشوا على أملِ عبورِ نهرِ آراسَ ليبدأوا سِفرَ اللقاءِ والتخففِ تالياً من أوجاع سنوات النأي والبُعادْ وليمارسوا كذلك عملية قتل الحدود وإن رمزياً. هذا ما فعلهُ أكتاشُ حين عبرَ بعد سنواتٍ عديدة نهر آراس شرقاً إلى الكورد في أرمينيا والقوقاز ليصلَ من خلال الأحاديث التي تبادلها معهم إلى خلاصته التالية بعد سنوات الفراق المديدة : ” كنا أسرى الحلم ذاته طيلة كلِّ تلك السنوات ” والمقصودُ حلم اللقاء واللهفة إلى اللقاء للإطاحةِ بذلك الحزن الشاسع في ضوء الحدود.
الحلمُ السابقُ والتبرمُ من الحدود السياسية يشكل عبئاً نفسياً على الأسرِ والعائلات القابعةِ على طرفي الحدود السورية – التركية ويلقَ صداه عندهم, فقبلَ انقلاب الجنرال ” كنعان أيفرين ” في 12 أيلول 1980 لمْ تكُ هنالكَ ثمةَ مشكلة في التواصل بين الأهلِ على ضفتي الحدود, كانَ المواطنُ السوريُّ المقيمُ في قرية حدودية يتسللُ ليلاً أو في وضحِ النهارِ إلى الطرف الآخرِ ليسهرَ وليبرَّ بصلةِ الرحمِ ويعودَ أدراجه دونما منغصٍّ أمني, وكذلكم الأمرُ بالنسبة إلى المواطن التركي, هذا إضافةً إلى تجارة التهريب التي كانت رائجةً تلكمُ الأيام على طرفي الحدود, وأتذكرُ من سني الطفولة البعيدة, حينَ كنا نطرأ ضيوفاً على أخوالنا في قرية ” جلْ أوغلي ” الحدودية التابعة لمنطقة ” كوباني ” ( عين العرب ) المهربينَ الكثر وصناديق الشاي الخشبية, التي كان يتم العبورُ بها على ظهورهم أو على ظهور الحمير شمالاً إلى تركيا, ليأتوا بعد أيامٍ محملين ببضائعَ أخرى يأتي في صدارتها التبغُ التركي الذهبي. كان تهريبُ البضائع يدرُّ دخلاً ممتازاً على أصحاب التجارة ودخلاً مقبولاً على المهربين / الحمالين, وكان عماداً اقتصادياً للقاطنينَ على طرفي أسلاك الجليد ( الحدود ), ولا سيما قاطني سوريا التي اشتهرتْ بالبطالة وانعدامِ فرص العمل فيها, على الأقلْ منذُ شببنا عن الطوق وإلى الآن.
رافقَ وأعقبَ انقلاب الجنرال ” كنعان أيفرين ” على الحكومة المدنية التركية في 12 أيلول 1980 جملةُ إجراءاتٍ وسياساتٍ ألقتْ بظلالها الوخيمة على الحياة الداخلية في تركيا, كما وكدرتْ صفوَ الحياة في القرى والمناطق الحدودية في دول الجوار ومنها المناطقُ والقرى الحدودية السورية, فإضافةً إلى اغتصاب الانقلابيين العسكريين للسلطة السياسية في تركيا ( وهو أمرٌ يتكررُ في الانقلابات العسكرية كافة ) وإعلانُ حالة الطوارئ وإصدارُ قوانين الأحكام العرفية التعسفية في 12 أيلول 1980 وإحكامهم بالتالي القبضةَ الحديدية على المدن الكبرى والأرياف ولاسيما مناطق كردستان تركيا وتجميدُ الحراك الديمقراطي في البلاد, إلا أنَّ القاطنَ على الحدود الدولية مع تركيا في دول جوارها والمراقبُ للوضعِ كانا يلحظان دونما أدنى شكٍّ التشديدَ في المراقبة والحراسة من قبل تركيا لحدودها مع دول جوارها, وصولاً إلى اعتماد تكنولوجيا مراقبة متطورة إضافةً إلى الإنارةِ الملفتة على طول الحدود, ما يحوِّلُ ليلَ المناطق الحدوديةِ إلى نهارٍ فاضح, بذا كسدتْ تجارةُ الحدود وكسدتْ الحياةُ الاقتصادية على طرفي الحدود, وصارَ العبورُ غير الشرعيُّ للحدود نسياً منسياً, وكان لُزاماً على السوريِّ المقيمِ على تكة الحدود حينها أنْ يبصقَ على الحدود ( بُصاقْ احتجاجي ) وهو يكرُّ سبحته مفتقداً إلى التبغ التركي المهرَّبِ ممتثلاً للأمر الواقع, وكانَ عليه منذئذٍ أن يستعيضَ عن الطرق غير الشرعية بأخرى طاعنة في الرسمية والشرعية, وتحتمَ عليه معرفةُ أين توجدُ أقربُ قنصلية تركية إلى محلِّ إقامته للحصول على فيزا تركية تُمْهَرُ على جوازِ سفره, ولم يكُ ثمة ضير في أن يشتم ” كنعان أيفرين ” أيضاً لاحقاً, وهو ينتظر الفيزا منذ ساعات الصباح الأولى إلى ما بعد الظهيرة على الرصيف المقابل لمبنى القنصلية التركية في حلب, وليس ثمة ضير كذلك في أن يتحول إلى كائنٍ نوستالجي خلال ذلك.
ولا نغفلُ – بطبيعة الحال – البرودةَ السياسيةَ الدائمة بين البلدين ( سوريا وتركيا ) بتجلياتها المختلفة, تأسيساً على محطاتٍ سياسية بمفاعيلها النابذةِ أمامَ كلِّ تفاهمٍ بين الدولتين الجارتين, وتتجلى أبرزُ هذه المحطات في اعترافِ تركيا بدولة إسرائيل عام 1948, وتهديدُ تركيا باجتياح سوريا عام 1958, وإيقافُ تركيا لتدفق نهر الفرات نحو الأراضي السورية مطلع عام 1990 رداً على إيواء سوريا لنشاطات حزب العمال الكردستاني وزعيمه ” عبد الله أوجلان “, وصولاً إلى النقطة / المنعطف في العلاقات بين الطرفين المتمثلة في إخراج سوريا لـ ” عبد الله أوجلان ” عام 1998 عقبَ التهديدات التركية باجتياح المناطق الشمالية من سوريا وتلويحها بضربِ أهدافٍ في عمقها وإبرام اتفاق أضنه الأمني لاحقاً, الذي أفرزَ إضافةً إلى التنسيق الأمني جملةَ تحولاتٍ إيجابية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بين الدولتين.
انتهاءُ حقبة الحساسيات المزمنة بين سوريا وتركيا, الذي كان إيذاناً بانفتاحٍ سياسي, كانَ كفيلاً بدبِّ الحميمية المفتقدةِ سابقاً في علاقات الطرفين وشحنها بقوةِ دفعٍ جديدة, وِفاقاً للمُناخات السياسية الجديدة, وانعكستْ إيجاباً على المنحيين الاجتماعي والاقتصادي, ولعلَّ تنظيمَ تبادلِ اللقاءاتِ العائليةِ والأسرية للمواطنين السوريين والأتراك في عيدي الفطرْ والأضحى في الأعوام الأخيرة هو من ثمار انفتاح الدولتين على بعضهما فوتَ عقود الشكَّ المزمنِ والتأرجحِ السياسي.
يقضي هذا التقليدُ المتمثلُ في تبادل الزيارات بين الأهل والأقارب في الدولتين, والذي ظهرَ في الأعوام الأخيرة بأنْ تتخذَ السلطاتُ المحليةُ في مناطق سوريا الشمالية المتاخمة لتركيا وقبلَ كلِّ عيدٍ الإجراءات والاحتياطات المتوجبة واللازمة لتأمين تبادل اللقاءات بين الأهل والأقارب على طرفي الحدود, وتتمثلُ الإجراءاتُ المتخذةُ من قبل السلطات السورية في المناطق الحدودية الشمالية في تسجيل أسماء الراغبين السوريين بزيارة الطرف الآخر بعدَ استلامِ صورةٍ عن الهوية الشخصية للراغب وصورتين شخصيتين, ليصارَ بعدها إلى منحه بطاقة مسجل عليها ” بطاقة معايدة “, وهي مجانية, يسجلُ عليها مفصَّلُ هويته, إضافةً إلى البوابة الحدودية التي سيعبر منها, ويتمُ تسليم الطرف التركي قوائمَ بأسماء المواطنين السوريين, الذين مُنِحوا بطاقات معايدة, والذين سيمارسون حقهم في العبور. تُغني بطاقةُ المعايدةِ تلك عن جواز السفر وتأشيرة الدخول ورسم الخروج من سوريا ورسم الدخول إلى الأراضي التركية, وتغني البطاقةُ تلكْ عن المشاهد اللاإنسانية التي تكررتْ تباعاً كلَّ عيدٍ على طرفي الحدود في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي, حين كانتِ الأسرُ والعائلاتُ من الطرفين تحتشدُ على طرفي الأسلاك الشائكة الحدودية في المناطق الحدودية كافة, وتتبادلُ التهاني والأحاديث بأصواتٍ عاليةٍ وبينهما تمتدُ مناطقٌ بعرضِ أمتارٍ لا تقلُّ عن عشرين أو أكثر بقليلٍ ( تخيلْ / تخيلي أن يتكلمَ ألفا شخصٍ من هذا الطرفِ وعددٌ مشابهٌ في الطرف الآخر معاً وفي التوقيت نفسه, ألن يتحولَ الحديثُ إلى متاهةِ كلمات متقاطعة أو ضرباً من تخاطب السيارات بأبواقها في شارعٍ يعاني اختناقاً مرورياً ), وفي ذلك الفاصل البرزخي الممتدِ بين عائلتين أو أسرتين قسمتهما مخابر سايكس وبيكو ذات التئام مصالح وبحث عن مناطق نفوذ كانت الجندرمة التركية والشرطة السورية تروحُ وتجيءُ, مذكرةً الطرفين بضمور الحلم والعاطفة والهياج المصاحب واستحالة التواصل البسيط والبريء بمنأى عن الترتيبات في العواصم البعيدة. كنتُ شاهداً على مشهدياتٍ من تلكم الحالات المبكيةِ ذاتَ عيدٍ برفقة الوالد المرحوم ( أسكنهُ اللهُ دولةَ حق وقانون ), وأتذكرُ محاولاته حينها في إيصالِ كيسٍ به هديةٌ إلى ابنة عمته على الطرف الآخر رمياً, وفي كل مرة كان الكيس يسقط في البرزخ العازل بين الفريقين, إلى أنْ دفعَ مبلغاً بسيطاً لشرطيٍّ سوري تكفّلَ بإيصالها باليد, ودونما حاجة إلى استعراضٍ مشابه لاستعراضاتِ أبطال رمي الكرة الحديدية في الأولمبيادات ( الشرطةُ في خدمة الشعب ).
ولكنْ هلْ تتمُ إجراءاتُ وترتيباتُ تأمين زيارة الأهل والأقارب السوريين إلى أهليهم في الجهة الثانية بيسرٍ وسهولةٍ ودونما عراقيلَ كما يشيرُ الإعلام الحكومي المهللُ, وهل تُمنحُ بطاقةُ المعايدة السورية لعام 2007 مجاناً وبيسرٍ وسهولةٍ بمجردِ تقديم صورةٍ عن الهوية الشخصية وصورتين شخصيتين, الإجابةُ متروكةٌ لمنْ قدَّم طلبه راغباً في زيارة تركيا أيام العيد, أما أنا فمضطرٌ الآن إلى الإدلاء بإفادتي حولَ ذلك, من خلال تجربتي مع صديقي ” جوان ” بحثاً عن بطاقة معايدة.
كِدتُ أعتبرُ مجيءَ صديقي ” جوان ” إليَّ فوتَ اتصاله الهاتفي وحديثه العابر عن بطاقات المعايدة نوعاً من الاستنجاد بشخصٍ يمارس مهنة المحاماة, كونَ المحامي في عرف مجتمعاتنا السورية حلالُ عقدٍ وعليم بالمسالك والممالك والثغرات بناءً على مجابهاته ومواجهاته ولقاءاته اليومية للروتين البيروقراطي في المحاكم والدوائر الحكومية, ومن خلال صبره على القوانين وتنديده بها, ويده الخفيفة التي تزيلُ كلَّ عقبةٍ ممكنة إلا فيما ندر. لا أتوقعُ هذا فـ ” جوان ” يعرفني حق المعرفة, ويعرف أكثر موقفي الرافض من الفساد والرشوة والمحسوبية والوساطة والمساعي الحميدة وغير الحميدة في الدوائر الحكومية. لمْ يخيّبْ ” جوانُ ” أملي حينَ أعلمني أنهُ جاءَ إلى ” كوباني ” لينطلقَ صبيحة اليوم التالي إلى مدينة ” جرابلس ” بعد أن فقد الأمل كلياً في الحصول على بطاقتي معايدة له ولوالدته من مدينة ” أعزاز ” القريبة إلى محل إقامته ” حلب ” وسمعَ هناك أنَّ في ” جرابلسَ ” وافرٌ من البطاقات.
يشيرُ ” جوان ” إلى أنَّ أحدَ أقارب والدته, وهو مواطنٌ تركي زارهم في عيد الأضحى الماضي وكرَّر زيارته لهم قبل فترة وجيزة مجدداً, وأصرَّ عليهم خلال زيارته الأخيرة أنْ يردّوا الزيارةَ لئلا ينقطع التواصل بينهم مجدداً ولئلا يصبحوا أسرى قطيعة ممتدة أخرى وسنوات عجاف أخرى, وهذا ما خلاه يهتمُ ببطاقة المعايدة والعبور إلى تركيا أيام عيد الفطر, كون الأمر لا يحتاجُ إلى جواز السفر والفيزا والملحقات الأخرى, التي تستنزف دخل مواطن سوري مثله يعيش تحت خط الفقر أو يعيش خط الفقر فوقه.
بناءً على ما تبادرَ إلى مسمعه من أحاديث متعلقة بعبور الكثير من المواطنين السوريين إلى تركيا في الأعياد الماضية, خلال الأعوام الأخيرة, وأنَّ الأمرَ في غاية البساطة وغير مُكلفٍ مادياً قصدَ ” جوانُ ” مدينة ” أعزاز ” وتفاجأ هناك بطابورٍ طويل من المواطنين مراوحينَ أمام مخفر المدينة في انتظار تسجيل أسماءهم ومنحهم البطاقة, ورأى على الوجوه علامات الامتعاض والانزعاج, وحين انضمَّ إلى الطابور أو الرتل الأحادي علمَ من خلال الأحاديث المتبادلة استناداً إلى رواية عناصر الشرطة في ” أعزاز ” أنَّ البطاقات انتهت وأنهم ينتظرون أعداداً أخرى منها, وحين احتجَّ أشخاصٌ في الطابور الواقف على كلام عناصر الشرطة ما كان من ثلاثة منهم إلا أن بدأوا بالسباب والشتائم والكلام البذيء, ويضيفُ ” جوان ” أنهم استعملوا الكرباجَ أيضاً لتفريق المعتصمين والمتشبثين بنيل البطاقة ( على ذمة الراوي ), فالبطاقات في ” أعزاز ” انتهت ولا جدوى ولا مبرر للوقوف بانتظار معجزةٍ ما, وهكذا يعودُ ” جوان ” بخفي حُنينْ إلى حلب, ولكن خلال رحلة العودة يسمع عن استمرار التسجيل وتوافر البطاقات في مدينة ” جرابلس ” الحدودية ” فيقرر أن يجرّبَ حظه مجدداً تحت طائلة الفشل والكرباج.
كانَ عليّ مرافقة ” جوان ” إذن إلى ” جرابلس ” لكونه لا يعرفُ هذا الجزءَ من البلاد جيداً رغم كل حديث السلطات والمعارضة السورية عن الوحدة الوطنية. في محطة الحافلات في ” كوباني ” وقبلَ أنْ نستقلَ سيارة سرفيس / خط كوباني – جرابلس / كانَ الكلُّ يسألُ الكلَّ عن وجهته وهل هو قاصدٌ ” جرابلس ” لأجل بطاقة المعايدة, وحين أجبنا بـ ” نعم ” طلبوا منا ألا نرهقَ أنفسنا ونزهق روحنا, فـ ” الشغلة بالواسطة ” وأخبرونا بوجوب دفع 500 ل.س ( 10 دولار ) حتى نضمنَ حيازة البطاقة, وكان سائقُ السرفيس بين الفينة والأخرى خلال الرحلة ينسى المقودَ والطريقَ ويلتفتُ إلى الخلف وهو يُحدِّثُ الركاب الـ ” 14 ” – الذين كان معظمهم يدخنُ رغم أننا في شهر رمضان وفي بلدٍ مسلم – بلغته الركيكة التي هي مزيجٌ من التركمانية والكردية والعربية وعمودها الفقري تأنيثُ المذكر وتذكيرُ المؤنث عن مجريات عيد السنة الماضية وعن رئيس مخفر ” جرابلس “, الذي جمعَ 250 ألف ل.س ( 5000 دولار ) من موسم بطاقات المعايدة, وتم نقله إثرَ شكاوى عديدة إلى منطقةٍ أخرى, ولكن بعد فوات الأحزانْ.
لا أعلمُ لماذا يصرُّ ” جوان ” على أنه صناعة سويسرية في تعامله مع الدوائر الحكومية السورية, فالمشهدُ في ” جرابلس ” لم يكُ يشذُّ عن المشهد في ” أعزاز ” كثيراً, مع فارقٍ بسيط هو أنه كان في ” أعزاز ” رتلٌ أحادي طويلٌ ممتدٌ من اللاهثين وراءَ بطاقة المعايدة فيما لم يك هنالك شيء من هذا القبيل في ” جرابلس ” حين وصلناها. كان هنالك المئاتُ من المواطنين في الفسحة المشجرة أمام المخفر, ولكن كانوا متفرقين وربما ذلك ما دفعَ بـ ” جوان ” إلى التكهن بإعمال الكرباج هنا أيضاً قبل وصولنا.
استفسرنا عن البطاقة, فأخبرنا شرطيٌّ رابضٌ في الباب الحديدي الأسود الضخم للمخفر أنّ البطاقات انتهت, وأنهم أرسلوا في طلبها, وينتظرون أن تأتيهم أعدادٌ أخرى في اليوم التالي أو بعده. تكررت صيغةُ استفسارنا من عددٍ آخرَ من الشرطين ومن شرطي آخر في قلم المنطقة فتكررت الإجابة أعلاه: البطاقات غير متوفرة في الوقت الحالي. أرسلوا في طلبها. وينتظرونها وما بدلوا تبديلاً . كأنهم ملقنون قولَ ذلك, وكأنه نشيدُ ” ماما ماما يا أنغاما ” محفوظٌ عن ظهر قلب مع اسم الشاعر ” سليمان العيسى “.
كل الذين التقيناهم هناك وجلّهم من مدينتي كانَ يعتبر إجابات عناصر الشرطة لغواً وأكاذيبَ وكلاماً ( فاضياً ) وأنَّ البطاقات موجودة, ولكن يتم توزيعها من خلال سماسرةٍ يتقاضونَ مبلغ 500 ل.س ( 10 دولار ), أحدهم مضى إلى أبعد من ذلك واستغرب عدم معرفتنا ذلك وسألنا:
– ” ألستما سوريين, هل أنتما سائحان ؟”.
طلبنا منه ممازحين أنْ يتعاملَ معنا كسائحين ويدلنا على دليلٍ سياحي ( أقصد سمسار بطاقات معايدة ) فـ ” جوان ” وأنا معه اقتنعنا باستحالة الحصول على البطاقة بالطرق القانونية ولا مفر من إدخال سمسار في الموضوع, فأعطانا مشكوراً اسمين ” ابن بصـ…. النجار ” و ” زكريا.ع ” وتكرر الاسمان لدى سؤالنا عن السماسرة من أشخاص آخرين مع إضافات تتمثل في وجود سماسرة آخرين, ولكن الاثنان نافذان أكثر من غيرهما, والسماسرة الآخرون هم أغلب كتاب العرائض في الأكشاك لصق السراي الحكومي في جرابلس كما أشار أحدهم. أما ” ابن بصـ…. النجار ” فقد التقيناه هناك فلمْ يتجاوبْ مع مطلبنا, ولكن لاحظتُ عليه علامات الانزعاج, يبدو أنه تمَّ التطويحُ به واستبعاده عن هذه الكعكة الموسمية, لم يقل الرجل شيئاً, ولكنه أعاد إنتاج خرافة عدم توافر البطاقات في ” جرابلس ” وانتظار وصولها من حلب على مسامعنا, تركناه لنفاجئَ بوجود سمسارٍ آخرَ ( قصته قصة ) لأني أعرفه وإن خرج من جلده. إنه ” خالد.هـ ” ويعمل موظفا في دائرة حكومية في كوباني. الطريفُ في أمر ” خالد ” هذا أنه قدَّمَ لإجازةٍ من دائرته لمدة سبعة أيام, وبدأ يواظبُ على الدوام أمامَ مخفر مدينة ” جرابلس ” ( فهل من تجارةٍ أنجع من بطاقات المعايدة ؟. ) ولأنَّ خالد يعرفُ أن مقاعد الدراسة جمعتني مع أخيه الأصغر ” ياسر ” أعتذر منا الرجل بكل لباقة رغم أني أخبرته مراراً وتكراراً أني لا أريد البطاقات لشخصي وإنما لصديقي ووالدته.
تنويهٌ لا بدَّ منه: في مسألة بطاقات المعايدة لا تفلحُ قواعدُ برنامج ” من سيربح المليون “, أي لا جدوى من حذف سمسارين أو الاتصال بصديق أو استطلاع رأي عناصر الشرطة, عليك اللقاء بالسمسار وأدفع له قبل كل حديث مجاني وغير منتج 500 ل.س ( 10 دولار ) وسلِّمْ أمركَ لـ…. السمسار.
لمْ يتبقَ لدينا من خيارٍ آخر غير الالتقاء بـ ” زكريا ” الذي يعمل نجار موبيليا وأبواب في كوباني, وهو غيرُ موجودٍ على الأراضي الجرابلسية لحظة وجودنا عليها, فهو يأتي إلى ” جرابلس ” بعد انتهاء الدوام الرسمي كما قيل لنا, إذن لا مناص من العودة إلى كوباني والالتقاء بسيدنا ” زكريا ” عليه البطاقةُ, فالطريق إلى تركيا يمرُّ عبر منشرته, وكان علينا أنا و ” جوان ” أنْ ندندنَ معاً بنشيدٍ عالقٍ في ذاكرتنا من المرحلة الابتدائية بعد تحويرٍ مبدعٍ له:
عمي زكريا النجار …………………. تضحكُ في يده بطاقة المعايدة.
بعدَ أن حطتْ بنا السيارة في ” كوباني ” وبغية الحصول على عنوان ” زكريا ” قصدنا متجرَ أخيه ” غالب ” الذي قالَ وبالفم الملآن بعد توضيحاتنا أنَّ :
– زكريا نصاب, راح يضحك عليكم, ويسود وشي قدامكم .
وقام بعد ذلك وكالةً بعرضِ خدمات الشخص الآخر الذي كان معه في المتجر وقال أنه ” طبيبٌ بيطري “.
” الطبيب البيطري ” الموظفُ في دائرة حكومية أيضاً, والمقيم في جرابلس أباً عن جد تلقف الموضوع منا بابتسامة واثقة, استلم منا صورتي الهويتين والصور الشخصية مع ألف ليرة سورية ووعدنا خيراً وشكرناه على رفقه بالإنسان.
اليوم التالي صباحاً كان ” غالب ” يخبرني على الهاتف بعد أن أيقظني من النوم أنَّ البطاقات جاهزة وفي درج طاولته في المتجر وبإمكاني استلامها.
إعلان: من يعرف منكم ” ابن بصـ… النجار ” أو ” خالد.هـ ” أو ” زكريا.ع ” أو ” الطبيب البيطري ” سيربح معنا تلفزيون ملون 35 بوصة – تقدمة سوق الجمعة “.