الرئيسية » شخصيات كوردية » الشيخ عبد الله الاربيلي وكتابه( الرسالة في الزكاة)

الشيخ عبد الله الاربيلي وكتابه( الرسالة في الزكاة)

مركز الدراسات الاقليمية –جامعة الموصل

رحم الله علمائنا الاجلاء الذين عاصرناهم في سني تكويننا النفسي والاجتماعي في الموصل ، فقد كانوا ، بحق علامة مضيئة في تاريخ هذه المدينة المعطاء. ونعد انفسنا نحن جيل الاربعينات من القرن الماضي محظوظين لمعرفتنا عددا كبيرا منهم ، فأولئك الرجال الطيبين لم يكونوا متفرغين لامور الخطابة والامامة بل كانوا يعملون في حرف وصناعات ، شأنهم في ذلك شأن اقرانهم وابناء بلدتهم ، فالشيخ الاستاذ عبد الله الاربيلي (1905 ـ1983) كان صاحب مطعم للكباب وقد شاهده اهل الموصل يقوم بشوي الكباب بنفسه للزبائن . أما الشيخ العلامة الاستاذ اسماعيل الكتبي فكان صاحب مكتبة في شارع النجفي وكذلك الاستاذ الشيخ بشير الصقال فقد عمل (قوطجيا) أي بائعا للشاي والسكر .. في باب السراي ..وقد نذر اولئك انفسهم لامور الخطابة والوعظ في مساجد وجوامع الموصل المختلفة وبدون مقابل مادي واتذكر بان هناك من كتب عن الشيخ عبد الله الاربيلي ومن الذين كتبوا الاساتذة احمد محمد المختار ، وعبد الجبار محمد جرجيس، وانور عبد العزيز.. وقد اشاد الزملاء هؤلاء بالشيخ الاربيلي وتطرقوا الى سيرته الذاتية وشيوخه وتلاميذه، وذهب الاستاذ انور عبد ا لعزيز عندما كتب عنه في جريدة الحدباء (10 شباط2002) الى القول بانه رأى هذا العالم الجليل في اوائل الخمسينات من القرن الماضي في محله الكائن في باب الطوب يواجه منقل النار ، صيفا وشتاء ، وبقية الفصول يراقب أسياخ الكباب ليقدمه طعاما شهيا نظيفا رخيصا للآكلين .. وأضاف الاستاذ انور ، وباسلوبه القصصي الممتع يقول عن الشيخ الاربيلي: ((ومع تقديم الطعام ، كان التواضع والخلق الجم مع الزبائن والناس ، فكان ، وكما كثير من علماء الدين المسلمين ، وعلى مر العصور عاشوا على كدهم وكدحهم ومارسوا مختلف الحرف والمهن ، ولم يكونوا ابدا متبطلين ، , والامثلة على ذلك كثيرة ومعروفة رغم ان انشغالهم بتحصيل الرزق لهم ولعوائلهم كان يؤثر على تحصيلهم العلمي ، ولايتيح لهم الوقت الكافي للانصراف كلية لجهودهم العلمية وتخصصاتهم الدينية في مجالات التفسير والحديث والفقه ومختلف علوم الدين )) .
ويستعيد الاستاذ انور عبد العزيز في مقالاته التي كان ينشرها متسلسلة في جريدة الحدباء بعنوان : ((من ذاكرة المدينة)) ذكرياته والصورة الذهنية التي رسمها عن الشيخ الجليل فيقول : ((انني لأتخيله الان ، وبعد خمسين عاما ، بشخصيته ووقاره العلمي وبساطته وتواضعه وقدراته وتمكنه من مادته ، وهو يقوم ويلقي دروس التفسير في امسيات الخميس ، قرب الجامع الكبير وامامه جمهور من المدرسين والمعلمين والطلاب جالسين على بسط من حصران يستمعون اليه بكل محبة وشغف واحترام واهتمام وتقدير ، وأنا أتخيله الان واستعيد صورته وجلسته وحديثه ما يزال يرن في اذني وخاطري وما يزال شعاع تلك الآية الكريمة الباهرة يضيء في نفسي وأنا اسمعه شارحا ومفسرا ((ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)) لينطلق في سيل عذب منهمر وبعمق في المعاني والدلالات والشواهد والاشارات ، وهو يتحدث عن المعاني الكبيرة لمفهوم (الاستقامة) في الاسلام .
اليوم ونحن نستذكر هذا الرجل الكريم لنستلهم القيم والمباديء والتي كان يحملها ، نود ان نذكر القاريء الكريم .. بأننا عثرنا له في مكتبتنا على رسالة علمية قيمة كان قد ألفها وفرغ منها في 18 ربيع الاول 1276هـ/1956م بعنوان: ((رسالة في الزكاة)) وعندما كان يعمل مدرسا في مدرسا زكر بالموصل وقد طبعت في مطبعة سلمان الاعظمي ببغداد سنة 1276هـ ـ1957م وتقع في (57) صفحة من القطع المتوسط.. ونقول بصراحة ان عودتنا للاطلاع على الرسالة في مثل ايام شوال المبارك هذه ، هو سبب كتابتنا هذه السطور.. والرسالة قيمة ومفيدة ، تتألف من ابواب وفصول ومن موضوعاتها: واجب الامر بالمعروف ، حكمة الزكاة ، الضرائب عند الامم الماضية ، معنى الزكاة لغة ، شرعا ، متى فرضت الزكاة ؟ منزلة الزكاة ، الاخوة الدينية في الزكاة ، منع الزكاة مهلكةللامة ، الترغيب في اداء الزكاة والترهيب في منعها ، انواع الزكاة وشروطها ، زكاة الذهب والفضة ، الزكاة في الاوراق المالية والعملة ، زكاة عروض التجارة ، زكاة المحصولات الزراعية وثمار الاشجار ، لازكاة في الخضراوات ، تؤخذ الزكاة من الوسط ، الزكاة في الدور ، في الحلي ، في اواني الذهب والفضة ، زكاة الركاز والمعادن ، زكاة المواشي والابل ، زكاة البقر والغنم والجاموس والخيل.. ومن الطريف ان يشار في نهاية الكتاب ، ان الاستاذ الشيخ عبد الله الاربيلي، قد كلف السيد احمد عبد الله الحسو وكان آنذاك طالبا في جامعة بغداد (الدكتور والمتخصص في التاريخ فيما بعد)، بالاشراف على طبع الكتاب في بغداد .. وقد ختم الاربيلي رحمه الله رسالته بالقول ((ان الزكاة نظام اجتماعي ثمرته حفظ التوازن بين الطبقات ، وتقويمه الروابط بين المسلمين والقضاء على الحقد والحسد ، وخلف التآلف بين الفقراء والاغنياء)) .
ان رسالة الزكاة للشيخ الاربيلي ،(( رسالة قيمة وممتعة ، خفيفة الحمل ، سهلة المآخذ تغني عن الجدل والشك ومراجعة العلماء للاستفسار)) .. وذلك لما تحويه من الادلة المستندة الى الكتب والمصادر الفقهية المنصوص عليها في الكتاب والسنة والاجتماع والقياس سواء المتفق عليها او المختلف فيها .. رحم الله الشيخ الاربيلي ، فقد كان عالما جهبذا ، وانسانا رائعا ودعوة لابناءنا لكي يطلعوا على سير اولئك العلماء الاجلاء ويتخذوا منها قدوة صالحة تفيدهم في حياتهم العلمية والعملية .