الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /21

بدايــات الغربــــة /21

تتناول الحلقة: مساهمة النظام البعثي الصدامي في أستغلال البعثات والزمالات في عملية التخريب ونشر الفساد من خلال البذخ المالي على طلبته المبعوثين. الشرطة البولونية تحقق معي لكشف تنظيمات الحزب. أستمرار مشكلة أقامة زوجتي.
…………………………………………………………………………………………………..

القسم الداخلي الذي أنتقلت اليه يسكن فيه عدد من طلبة الزمالات الخاصة والحكومية من العراقيين من أعضاء حزب البعث وأصدقائهم، وصلوا للدراسة ضمن الأفواج التي أرسلها النظام الصدامي بعد عام 1978. كان النظام البولوني يسمح بالدراسة على الحساب الخاص، وتكلفة دراسة الطالب على ما أذكر لاتتجاوز 2600$ سنويا تدفع لوزارة التعليم العالي البولونية كأجور دراسية. تمنح الدولة البولونية الأشتراكية السابقة مقابل هذا المبلغ البخس المقعد الدراسي للطالب لتعلم اللغة ومن ثم الدراسة الجامعية، وتدفع مخصصات المعيشة ويتمتع الطالب بالأستفادة من مطعم الطلبة وتوفير السكن المجاني في القسم الداخلي، ورعايتهم بالضمان الصحي أسوة بالطلبة البولون.
هدف النظام البعثي في أرسال هذا العدد الضخم من الطلبة مع وصول المقبور صدام الى رئاسة الجمهورية هو ألحد من دور ونشاط الطلبة الشيوعيين في المنظمات الطلابية المختلفة العاملة على الساحة البولونية وتوسيع قاعدة الأتحاد الوطني، وجلهم من الطلبة الفاشلين دراسيا والعصابات الطلابية (البلطجية). وهكذا أنتشرت هذه التجمعات من الطلبة الفاشلين دراسيا في معظم المدن والجامعات البولونية.
بسبب حاجة الطلبة لتحويل العملة الصعبة لهم من العراق لدفع أجور دراستهم، أصبحوا خاضعين لتوجيهات واستغلال العناصر المخابراتية والبعثية والتي ترتبط أرتباطا مباشراً بالسفارة. وكشفت منظمة حزب البعث وأتحادها الوطني الطلابي عن توجهاتها المعادية لطلبتنا عندما أستخدموا هؤلاء الطلبة لشن أعتدائهم الشرس على طلبتنا المتوجهين لعقد أحد مؤتمراتهم الطلابية في مدينة وودج ومدن أخرى وقد تطرقت الى تفاصيل تلك الأعتداءات في الحلقة 18. وللأسف لم يكن موقف المؤسسة الأمنية البولونية في حماية الطلبة والمحافظة على القانون وحقوق المواطنين الأجانب جاداً ومحايداً. ومنذ تلك الأيام وضح تأثير رشاوي السفارة المبرمجة عبر عملائها من الموظفين والطلبة لشراء ذمم المسؤولين، وكان التواطأ من قبل الشرطة واضحا في تفادي الأعتداء وأتخاذ الأجراءات اللازمة بحق الطلبة المسعورين من حزب البعث.
سمحت الحكومة العراقية لعائلة الطالب الذي يدرس على حسابه الخاص أن تحول له مبلغ 3000 دينار سنوياً لغرض دفع أجور دراسته ومصاريفه الخاصة! وهذا المبلغ كان مبلغا خياليا بالنسبة للطلبة في بولونية، فبعد تحويله رسميا من العراق يستلم الطالب مايقارب 10 آلآف دولار. يدفع منها 2600$ أجور دراسته، وإذا أفترضنا أن الطالب سيصرف شهريا أضافة لما يستلمه كمخصصات طالب كمعدل شهري 200$ وهذا مبلغ ضخم جدا، ويمكن مقارنته مع مصاريفي المتواضعة التي سبق وتحدثت عنها، فبعد أستقطاع كل هذه التكاليف سيبقى بحوزة الطالب 5000$ فائضة عن حاجته، فيعيد هذا الفائض لعائلته (أخبرني عن هذا أكثر من طالب) في العراق سراً وهي بدورها تبيع هذه الدولارات بالسوق السوداء بسعر (0.8 – 1.0) دينار حسب سعر الدولار بالسوق العراقي الذي أخذ بالأرتفاع مع أستمرار الحرب العراقية الأيرانية وتدهور الأوضاع المعاشية، وبذلك تكون هذه العائلة وفرت لأبنها الدراسة المجانية وأستعادة المبلغ الذي حولته له بزيادة تتجاوز 30%! أما بالنسبة لطلبة البعثة العراقية (المنحة) فهم يتمتعون بكل الأمتيازات الطلابية من مخصصات المعيشة والسكن والضمان الصحي إسوة بزملائهم الطلبة، وأضافة لذلك يستلمون شهريا مبلغ 450$ لرفع مستوى معيشتهم ورفاهيتهم! بينما كنا نعيش على المخصصات المعيشية التي تمنح للطلبة والتي تعادل (12-15) دولارا وكنا نتدبر أمورنا بهذا المبلغ المتواضع، وعلى القاريء أن يتصور ماذا يعني مبلغ 450$ زيادة على مخصصاته الشهرية، وكيف ستقلب حياة الطالب الأقتصادية وحتى الأخلاقية في ظل أنعدام الضوابط والألتزامات.

هذه الأمكانيات المالية الهائلة التي وفرها نظام البعث للطلبة لم تكن بهدف خلق كادر علمي وتقني لبناء العراق، فقد تخرجنا وأنجزنا دراستنا وبتفوق من دون أن نستلم مثل هذه المبالغ الطائلة، أنما كان الهدف منها هو أستغلال سلبيات النظام (الأشتراكي) في المجالات الأقتصادية والسياسية والقانونية والمساهمة في عملية التخريب الأقتصادي والأخلاقي في وقت كان المجتمع البولوني يستسهل الكسب الغير مشروع والسريع بسبب الحاجة المادية وعجز الدولة في توفير مستلزمات الحياة الضرورية بما يتناسب وقدرات عموم الشعب.
كان طلبة النظام العراقي وخاصة في مدينة لوبلين وأخص بالذكر كلية الهندسة المدنية لأحتكاكي عن قرب بهم من الطلبة الفاشلين دراسيا، بالرغم من تخرج بعضهم. خلال مراقبتي لأوضاعهم حيث كان يسكن معي في القسم عدد غير قليل منهم، وبعضهم ساعدته دراسيا لأنجاز بعض أمتحاناته ومشاريعه، لآحظت أن معظمهم غير قادر على فهم جملة علمية واحدة من مصادرهم الدراسية. ففي أحدى المرات كنت أريد مقابلة أستاذي الدكتور يان ياركوا (Jan Jargieła) لأحدد معه موعدا لأمتحاني القادم في مادة الخراسانة المسلحة. وجدت بالقرب من غرفته ثلاثة طلبة عراقيين وهم من زملائي في القسم الداخلي، يتناقشون ويبحثون في أحد الكتب عن جواب لمشكلة، ولما شاهدوني رحبوا بي وحسم أحدهم النقاش قائلا هاهو أبو نورس يمكنه أن يرشدنا للجواب الصحيح. بادر أحدهم وكان طالباً في الصف الرابع، وسألني: أبو نورس يرحم والديك ماهو الحد الأكبر المسموح بالـ (Rysy) في الشروط الهندسية المعمول بها؟ قال سؤاله باللهجة العراقية ماعدا كلمة (Rysy) أستعملها بالبولوني ولم يترجمها، وأستنتجت أنه لآ يفقه معناها بالعربي. سألته هل تعرف ماذا تعني كلمة (Rysy)، أجابني أن المقصود بها الصدأ، وبادر زميله بمعارضته ليصحح له فقال لآ ألمقصود بها الرسم الهندسي! الأثنان على خطأ ولم يفهما واحدة من أبسط المصطلحات الهندسية والضرورية في العمل الأنشائي، ولذلك كانت أجوبتهم بعيدة كل البعد عن الجواب الصحيح، فالكلمة تعني شقوق (جمع شق أو فطر) الذي يحدث في الجدار أو في الخراسانة. هكذا كان مستوى طلبة على وشك أن ينالوا شهادة التخرج ليعودوا للمساهمة في بناء العراق، هذا هو الكادر العلمي الذي يتفاخر به النظام البعثي وأغدق عليه الملايين من أموال الشعب. في هذه الأثناء خرج الدكتور ليستدعي أحدهم فشاهدني أقف بقربهم فطلب مني مساعدتهم وهو يبتسم أبتسامة ساخرة وطلب مني أن أدخل معهم بعد الأنتهاء من شرحي. كان واضحاً كم كانت معلوماتهم اللغوية وبالمادة العلمية هابطة، المهم شرحت لهم الأجابة. دخلت معهم وأعاد الأستاذ سؤاله عليهم، فأجابوه بما شرحته لهم. لكنهم مرة أخرى عجزوا عن فهم أسئلته لغويا وطبعا فشلوا في إجاباتهم، وكان الأستاذ ينظر لي نظرة أستفهام وحيرة وكأنه يقول لي هل يعقل أنني أختبر طلبة في السنة الرابعة من كلية الهندسة وهم لايفقهون حتى اللغة العلمية. وكلما عجزوا عن الأجابة يتوجه لي ويطلب مني الشرح بالبولوني ثم بالعربي، وبعد أن جزع من جهلهم طلب منهم التحضير الجيد والمحاولة في المرة القادمة. أما بالنسبة لي أعتبر أستاذي أجاباتي ومساهمتي في الشرح بمثابة أختبار لي ومنحني درجة معتبرة، بينما كان الهدف من مجيئي تحديد موعدا للأمتحان وليس لأجتيازه.
هؤلاء الطلبة الشباب والذين حصلوا على هذه الأمتيازات المالية والبعيدين عن مراقبة الأهل ولعدم توفر الشعور بالمسؤولية والرقيب الذاتي وأغراءات الحياة البولونية، أساؤوا لجامعتهم وعوائلهم ولوطنهم بعد أن قضوا جل وقتهم في اللهو وعدم الأهتمام بالدراسة. وأعتمد معظمهم إلا النادر منهم وربما جميعهم على الهدايا والرشاوي لأساتذتهم في سبيل تجاوز أمتحاناتهم. وللأسف وبعد سنتين من دراستي في كلية الهنسة المدنية في لوبلين أكتشفت أن في مقدمة المرتشين هو عميد الكلية البروفيسور كرج فهو عميد المرتشين على مستوى الجامعة، وهذا ما سأتطرق له بالتفصيل في الحلقات القادمة.

خلال السنوات الثلاثة من دراستي في لوبلين لم تفارقني المشاكل، وتركت تأثيرها السلبي على أستقراري العائلي ودراستي. قبل أنتهاء أقامتي السنوية بأيام قررت مراجعة الشرطة في مدينة لوبلين لتجديدها. بعد أن طلب مني الجلوس سحب أضبارةً سميكة وبدء يقلب أوراقها ويتظاهر بقراءة محتوياتها. وبعد أكثر من عشرة دقائق من الجلوس وهو يطالع ماتحويه أوراق هذه الأضبارة، ألتفت الي وسألني، وسأحاول ذكر خلاصة الأسئلة والأفكار والحوار الذي دار بيننا: كم عدد أعضاء الحزب الشيوعي في لوبلين، ومن هم؟ أبتسمت وقلت له أنا لآ أعرف ولست منتميا للحزب. كان يوجه لي الأسئلة وهو يقلب أوراق الأضبارة، وكانت تقاطيع وجهه ونظراته تعكس مدى دهشته مما يقرأ، بينما أنا أراقبه محاولا معرفة الهدف من وراء أسئلته الغريبة. وكل أسئلته كانت تدور، حول من هم أعضاء الحزب في بولونية ومدينتي (لوبلين) بوجه خاص، ومن هو مسؤول المنظمة، ماهي علاقات الحزب مع جميع الأشقاء العرب والأجانب، وماهي طبيعة علاقتي القديمة أثناء دراستي الأولى بسكرتيرة حزب العمال البولوني في مدينة بوتسك سابقا وحالياً؟! ثم عقب، كيف تدعي أنك غير منتمي للحزب الشيوعي بينما كنت مرافقا لموفد حزبكم عضو (م.س) كريم أحمد عند زيارته بوتسك في أواسط السبعينات، ولقائه بقيادة الحزب في بوتسك، والتقيت بعد ذلك أكثر من مرة بسكرتيرة حزب العمال الموحد في المدينة!.
لم أكن أتصور أن أجهزة الأمن البولونية كانت تتابع مثل هذه الزيارت لقيادات أحزاب شقيقة تلبية لدعوة الأحزاب الشيوعية الحاكمة، ويكتبون تقاريرهم بهذه الطريقة الأستخبارية المبتذلة. لقد ذكرني حديثه بزيارة رفيقنا كريم أحمد الى بوتسك عام 1975، وكانت ضمن برنامج الزيارة المخصص له من قبل الرفاق البولون، ووجهت الدعوة له لزيارة بوتسك حيث يوجد فيها واحد من أكبر مصافي النفط والصناعات البتروكيمياوية البولونية في الدول الاشتراكية السابقة. وطلب مني الرفيق كريم أحمد أثناء أشرافه على اللجنة الحزبية القيادية (وكنت أحد أعضاء اللجنة) أن أكون مرافقا له في زيارته لمدينة دراستي (بوتسك). وهكذا رافقته وكنت أساهم أحيانا بالترجمة بالرغم من وجود مترجم بولوني يجيد العربية، وأثناء سهرة العشاء التي أقامتها سكرتيرة الحزب في أحد المطاعم للرفيق كريم أحمد، تم توثيق هذه السهرة من خلال الصور. أبدى الرفيق رغبته في الحصول على نسخ من هذه الصور، وأوعدتني السكرتيرة بتزويدي بها. وبعد أسابيع من هذا اللقاء أتصل بي ممثل حزب العمال البولوني في الكلية وسلمني ظرفاً فيه رسالة من سكرتيرة الحزب حددت فيه موعدا لزيارتها في مقر الحزب، وبالطبع ذهبت لزيارتها مع باقة ورد جميلة، واستقبلتني بترحاب وسألتني عن دراستي ومستجدات الوضع في العراق وسلمتني الصور التذكارية بنسختين. هذا كل مايربطني بهذه السكرتيرة حتى أني نسيت أسمها ولم أتصل بها أكثر من ذلك سوى بعض اللقاءات العابرة في المدينة الصغيرة بوتسك، كنا نتوقف فيها في الطريق للتحدث.
فضلت الرد على الضابط من آخر كلامه، فقلت له أن مرافقتي للرفيق عضو (م.س) كان بناء على طلبه لأنه صديق عائلتي فأنا لم أكن منتميا للحزب وأنما صديقا، ولم تتعد علاقتي مع سكرتيرة الحزب في بوتسك، التي نسيت حتى أسمها لولا تذكيرك لي، أكثر من جلسة عشاء وقد ضمت مسؤولين حزبيين وأداريين في المدينة والمصنع البيتروكيمياوي، ولم أتصل بها لغاية اليوم. أما من هم أعضاء الحزب في بولونية ولوبلين ومن هو المسؤول، فبأمكانك أن توجه السؤال لمن له علاقة بالحزب أو أن تطلب هذه المعلومات من حزبكم، فأنت تعرف أن الحزب الشيوعي العراقي مضطهدا من النظام وأعضاؤه وأصدقاؤه يتعرضون للتصفية الجسدية ويغيبون في سجون النظام الفاشي، وهو لذلك شديد السرية فكيف لي أن أعرف هذه الأسرار والمعلومات لتزويدك بها، وحتى لو كنت منتميا ومنتظما في الحزب سوف لن أزودك بهذه المعلومات، لأن نظام الحزب يمنع أعضائه من البوح بأسراره التنظيمية.
كان الضابط يتحدث معي بلغة مخابراتية ذكرتني بأسلوب مخابرات بلداننا العربية مع معارضيها. وفي حديثه يحاول تبرير أسئلته وربط ذلك بالأمن القومي البولوني. وضحكت مستهجناً تبريره هذا، وقلت له وكأنك تتحدث عن حزب معادي وليس حزب شقيق يمنح حزبنا الشيوعي مقاعدا دراسية سنويا، ويدعو ويستقبل قيادات حزبنا رسمياً، اليس هذا مايضحك؟ وأضفت معلقا بأن الشيوعيين العراقيين وأصدقائهم لايقلون أخلاصا وحرصا على أمنكم الوطني عن الوطنيين البولون. كان حوارنا حوار الطرشان وكان هذا الضابط يتهرب من أجاباتي على كل سؤال بسؤال أسخف وربما مكرر سبق أن سمع أجابتي عليه، وبعد أكثر من أربعة ساعات من الأنتظار والحوار والنقاش المجهد والأستفزازي ، سمح لي بالذهاب على أن أعود في اليوم التالي لأستلام جوازي مع التمديد. صباح اليوم التالي توجهت الى مركز الشرطة قسم الأقامات وأستلمت جوازي وعليه الأقامة السنوية من نفس الضابط وكأن لم يحدث بيننا أي نقاش وتحقيق قبل يوم!
تحقيق هذا الضابط معي ولعدة ساعات وأهتمامه بأحضار أضبارتي السابقة أثناء دراستي في السبعينات، لم يكن أعتباطا. وتبادر الى ذهني تساؤل مشروع، لماذا لم تبادر شرطة لوبلين من طرح هذه الأسئلة من قبل على أحد رفاقنا الأقدم وجوداً في لوبلين، مع العلم فيها عشرة من الرفاق والاصدقاء وأكثرهم من الرفاق؟. ولماذا وقع الأختيار علي وأنا أحد القادمين الجدد وعضو في لجنة بولونية القيادية ومسؤول الهيئة الحزبية في لوبلين؟. هل هذا يعني أن هناك تسريب بالمعلومات من بعض الرفاق كما كان يثار من حين لآخر في اللجنة الحزبية، وأتهامات وشكوك حول بعض الرفاق والأصدقاء!؟ وهل كان هناك متطوعين من بين الرفاق أو الأصدقاء للثرثرة أمام الشرطة، للحصول على مكاسب ذاتية ووقتية؟

عشت فترة دراستي في بولونية وأنا أعاني من مشكلة أقامة زوجتي، فلم يتمكن رفيقنا (ك) سكرتير منظمة الحزب من معالجتها مع الرفاق البولون، حتى أني عدلت عن طرح مشكلة زوجتي لعدم ثقتي بمحاولاته ووعوده. فبمرور الزمن ومن خلال علاقتي الحزبية وأسلوبه بالمعالجة وطريقة تفكيره تولد عندي أحساس أنه لم يكن متحمسا لمعالجة هذه المشكلة، لذلك فضلت أن أعالجها بطريقتي وحسب أمكانياتي وعلاقاتي. وأعتقد أن هذا الموقف والبرود منه نتيجة طبيعية لملاحظة الرفيق عضو (م.س) حول زمالتي. وقد أقلقتني هذه المشكلة وأخذت من وقتي الكثير لما سببته لي من متاعب خلال السنوات الثلاثة من بقائي في بولونية حتى أضطراري بسببها وأسباب أخرى لترك دراستي للدكتوراة. ففي أحدى مراجعاتي لشرطة مدينة لوبلين لتمديد أقامة زوجتي وبينما كنت أنتظر تسجيل تمديد أقامتها على جواز السفر، أستدعاني ضابط الأقامات، وهو نفس الضابط الذي حقق معي طالبا كشف التنظيم الحزبي، وبدأ التحقيق معي موضحا أن زوجتي لأيمكن منحها الأقامة بدون موافقة السفارة العراقية لمرافقتها لك! وأنهالت أسألته: من منحها الأقامة السابقة؟ وكم دفعت له؟ وما علاقتك به؟ وما هو أسمه؟ وغيرها من أسئلة. لحسن الحظ كان التمديد الأخير لأقامة زوجتي في شرطة العاصمة وارشو بدون أية رشوة، سوى أن أستاذي السابق كومولسكي وعميد كلية الهندسة وبعد أن شرحت له مشكلتي أبدى أستعداده لمساعدتي وفعل ذلك متطوعاً وبطريقته الخاصة، وحصلت زوجتي على أقامة لستة أشهر. وهذا أن دل على شيء فهو دليل على أمكانية منح زوجتي الأقامة لمرافقتي وأن الرفيق سكرتير المنظمة لم يبذل جهده أو أنه فشل في أقناع الرفاق البولون لتمديد أقامة زوجتي. لم أكن خائفا من تحقيق ضابط الأقامات لأني مقتنع بقانونية أقامة زوجتي، حتى عندما دفعت الرشوة للسيدة ماريا فأنا متأكد من أن الأقامة تم الحصول عليها بشكل قانوني.
من عاش في بولونية وتعامل مع شرطتها يعرف أسلوبهم الخبيث والأستفزازي في التعامل بمثل هذه المشاكل. كان ضابط الشرطة متلونا في حديثه معي، مرة يهدد بتسفير زوجتي وأرسالها الى العراق، وأخرى يتحدث عن التحقيق الجاري في وارشو مع الضابط الذي منحها الأقامة! وفي كل مرة يستدعيني مهددا ومتوعدا ثم يتركني لأنتظر خارج مكتبه، بحجة أنه ينتظر نتائج التحقيق في وارشو!. وهكذا قضيت أكثر من خمسة ساعات في الأنتظار يستدعيني من وقت لآخر، كل ذلك لأستفزازي ليكون ذلك مبرراً لأجراء تعسفي ربما يحصل من ورائه على هدية من السفارة العراقية!. بعد أن يأست من أقناعه وأقلقني أسلوبه طلبت منه أعادة جواز زوجتي لشراء بطاقة سفر لها لتغادر، فهذا أفضل لنا من مراجعة السفارة لتمنحها الموافقة على مرافقتي. رفض أعادة الجواز لأن السلطات قررت حجز الجواز!. وسألني الى أين ستسافر؟ أتعبني الوضع ولم أعد أبالي بدراستي وبقائي في بولونية فأجبته بنفاذ صبر: أعتقد أن وجهة سفرها تخصني ولاتهم أحدا سواي! وطلبت منه تزويدي بما يثبت أحتفاظه بالجواز، لأني بعد هذه المعاملة أفكر جديا بالحصول على فيزة لزوجتي لأحدى الدول الأوربية وترك بولونية. وبعد حوار ونقاش كنت فيه صبورا وهادئا وواجهته بحججي التي حاولت أن تكون قانونية، طلب مني مراجعته في الأسبوع القادم، وأجبرته بكتابة وصل يثبت أحتفاظه بالجواز. لم يكن لي من المعارف في مدينة لوبلين كما في وارشو لمعالجة المشكلة، وقررت أن أترك ذلك لقرار الشرطة، ففي أسوء الأحتمالات سيطلب من زوجتي المغادرة.
راجعتهم الأسبوع التالي وأستقبلني نفس الضابط بوجه بشوش وكأن لم تكن هناك مشكلة ، وقدم لي الجواز وقد مدد الأقامة لستة أشهر جديدة! شكرته على ذلك وقلت له مازحاً: هل أخذت موافقة من هو أعلى منك، فأنا لا أبحث عن المشاكل فربما بعد ستة أشهر يسألني من هو بمكانك ويحقق معي ليعرف من مدد أقامة زوجتي، وكم دفعت له من رشوة وغيرها من أسئلة. أبتسم وقال أنها آخر مرة لأننا سألنا عنك في الجامعة وكانت المعلومات عنك أيجابية. وهكذا نجحت بتمديد أقامة زوجتي وحتى بدون واسطة، وبمحاولات فردية متواضعة وليست لي صفة حزبية في علاقاتي مع الشرطة وأنما مجرد طالب. وهذا دليل آخر على توفر أمكانية لمنح زوجتي إقامة كمرافقة لي، إذا ماتوفرت النويا الصادقة والتصميم. فهل يعقل أن رفيقي سكرتير اللجنة عجز حقا في حل مشكلة أقامة زوجتي وأقناع رفاقه البولون؟ ألم يكن هذا دليلا آخر بعدم جدية الرفيق سكرتير المنظمة ، وأعتقد أنه لم يطرح المشكلة نهائيا مع رفاقه البولون لأنه أصلا كان يعاني من مشاكل بسبب تأخره في أنجاز دراسته وأعتقد كان يتحرج في طرح مشاكل الآخرين.
والتقصير أو عدم الرغبة في حل مشكلة أقامة زوجتي تأكد لي عندما أقدم أحد الرفاق وكان مسؤولا عن العلاقة بأتحاد الطلبة البولوني أو الأجانب وزوجته عربية الجنسية (غير عراقية) وقد عانى من نفس المشكلة. فتمكن من أستغلال علاقته بالأتحاد الطلابي وحل مشكلة زوجته بالتنسيق مع سكرتير المنظمة من خلال الحصول لها على منحة بدورات دراسية بسيطة!. وأعتقد أنه تصرف بعلم سكرتير اللجنه وأعطاه ضوء أخضر، لأن من العادة ترفض المنظمة مثل هذه المحاولات دون علمها وتفضل منح هذه الأمكانية لرفاقنا، وهذا ماحدث مع أحد رفاقنا المقاتلين الأنصار (أبو قصي) القادمين من كردستان، وقد قدم للدراسة على حسابه الخاص مستفيدا من أمكانيات شقيقه المادية. وراجع أتحاد الطلبة البولون طالبا منهم تحويل دراسته من حسابه الخاص الى منحة ونجح في مسعاه، فأقام سكرتير المنظمة وبعض رفاقه الدنيا ولم يقعدوها على رأس هذا الرفيق وعلى الرفيق الذي رافقه لمساعدته في الترجمة، وسوف أتطرق في أحدى حلقاتي عن ذلك.

يـتـبـع 
السويد/كربلاء/العباسية الشرقية
2007-10-28