الرئيسية » مقالات » كورد لبنان ومتاهات الضياع بين الجذور والانتماء

كورد لبنان ومتاهات الضياع بين الجذور والانتماء

الحكيم الصيني القديم تشوانج-تسي الذي عاش حوالي عام 350 قبل الميلاد يقول:( حلمت يوما بأنني فراشة. والآن، لم أعد أعرف ما إذا كنت فراشة تحلم بأنها تشوانج تسي، أم أنّ تشوانج تسي الذي يحلم بأنه فراشة، ومن الذي يمكن له أن يعرف جوابا عن مثل هذا التساؤل). هذا هو حال الكورد في لبنان، الذين وصلوا لدرجة الدخول في أنفاق مظلمة وضبابية بين أصلهم الكوردي، وبين انتمائهم إلى الفسيفساء الطائفية في لبنان، حيث نجد القلة منهم ما زال يتمسك بجذوره الكوردية، وما زال محافظا على عاداته وتقاليده وفلكلوره ولغته الكوردية، ويجاهد للبقاء هكذا كورديا يصادق الجبال والكردايتي.
والغالبية الأخرى، تجدها تنسلخ عن كورديتها لتكون عربية الأصل يوما، وكوردية الجذور أياما أخرى، وطائفية الانتماء في لحظات الطيش، فتلقي بنفسها في أحضان الولاءات الدينية والمذهبية، فتجدها سنية المذهب، أو تنتمي حسب اختيارها لمن يدفع أكثر!!!
شواهد التاريخ، تخبرنا عن حقيقة هؤلاء الكورد التائهين. حيث قدموا من كوردستان تركيا على فترات وحقب متتالية. فالأيوبيون، قدموا إلى لبنان في فترة الحروب الصليبية لحماية الثغور الإسلامية، وقسم آخر هاجر في مطلع القرن الرابع عشر إلى منطقة طرابلس وعكار والضنية، وذلك بهدف توطيد حكم المماليك على بلاد الشام. أما الجنبلاطيون فقد قدموا إليها في القرن السابع عشر إلى جبل الشوف هربا من الصدر الأعظم مراد باشا، ومن والي الشام سليمان باشا بعد ثورة علي باشا جانبولارد في منطقة حلب-سيواس سنة 1606 م، وقد كانت مدينة زحلة مركزا للتواجد الكوردي لأجل التبادل التجاري بين أوروبا وبلاد الشام.
أما آخر الهجرات الكوردية الحديثة، والتي تشكّلت عنها الجالية الكوردية في لبنان، ويصل عددها حسب آخر الإحصاءات إلى حوالي ( 132) ألف نسمة، هؤلاء انطلقوا مهاجرين وهاربين من منطقة ديار بكر وماردين وبوطان على أثر فشل الثورات الكوردية ضد تركيا الكمالية، وخاصة ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 وما سببته من قمع وتهجير تركي للكورد، وتخوّفهم من تعرّضهم لمجازر إبادة على يد السلطات التركية، كما فعلت بالشعب الأرمني. وأيضا للظروف الحياتية الصعبة والقاسية وتفشي الفقر الشديد في عموم أنحاء كوردستان تركيا، لم يجد هؤلاء سوى لبنان ملاذا آمنا، ومركزاً اقتصاديا يمكنهم من العيش فيه برخاء وحرية.
هذه الهجرات، كانت بين عامي 1920-1940 وآخرها كان عام 1980 بعد الانقلاب العسكري من قبل الجنرال الدموي كنعان آفرين في تركيا، وبطشه واستبداده القمعي ضد الكورد في كوردستان تركيا.
انتشر الكورد المهاجرون إلى لبنان في ضواحي بيروت 🙁 زقاق البلاط – رياض الصلح – الكرنتينا – المسلخ – المزرعة – المصيطبة – برج البراجنة – منطقة وادي أبو جميل – الباشورة – فرن الشباك – المرجه )، وأيضا في منطق طرابلس – البقاع .
في عام 1994 حصلت غالبية الجالية الكوردية على الجنسية اللبنانية بموجب مرسوم الجنسية، الذي قضى بتجنيس من لاجنسية لهم، وذلك في عهد حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن وللأسف ما زال الكثيرون منهم بلا جنسيةبعد منح الحكومة لهم بطاقة قيد الدرس تجدد كل سنة.
لهذا، نجدهم يكنّون كل احترام وتقدير لآل الحريري، ويتفاخرون بانتمائهم إلى الطائفة السنية، وخاصة أنّ الرئيس الحريري، كان يقدم لهم كل الإمكانات المادية والدعم السياسي الشخصي، لا سيما الاحتفال بعيد نوروز. وهكذا تحوّل الكورد نتيجة ضعفهم وتشرذمهم الفكري والأيديولوجي إلى أوراق سياسية، وأصوات تباع وتشترى وفق قانون الاقتراع في الانتخابات اللبنانية والصراعات المذهبية!!!!
تجاذبات سياسية وطائفية، دفعت بالكورد في لبنان إلى الدخول في أنفاق الولاءات والمحسوبيات؛ فنجدهم متوزعين بين حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والتقدمي الاشتراكي، والفئة القليلة منهم ظلت كوردية الأصل والفكر والمنطق.
المفارقة العجيبة، أنهم لم يستفيدوا من أجواء الحرية والديمقراطية اللبنانية، رغم أنهم كانوا السبّاقين في تشكيل الأحزاب والجمعيات، والتي اختفت عمليا من الوسط الكوردي، وما زال شخوصها يقفون على أطلالهم الغابرة. أما الأولاد والأحفاد فانصهروا وذابوا داخل بوتقة لبنان، وانسلخوا عن أصلهم وهويتهم الكوردية ولغتهم الأم، حتى تجد الكثيرين منهم لا يتقن كلمة من اللغة الكوردية، والبعض يخجل أن يشهر بأنه من أصول كوردية. لقد عرّبوا أنفسهم بأنفسهم، ولسان حالهم يقول( إن الله راد نحنا آكراد)..هذا هو منطقهم الإلهي القومي!!!
ثلة من الشخصيات الدونكيشوتية الأمية كورديا وثقافة وسياسة، تزعم أنها قيادات كوردية لكورد لبنان، فاصطادت في المياه العكرة وألقت بالكورد في الحرب الأهلية اللبنانية، التي دامت خمسة عشر عاما، وتوزّعت للقتال في صفوف الموارنة والدروز والمنظمات الفلسطينية، كوسيلة للكسب المادي، أو الجنسية اللبنانية، وتحت تصنيفات ومسميات سياسية وإثنية متنوعة.
أثناء الاحتلال السوري للبنان، وجدنا (البعض) من تلك الشخصيات الكرتونية المتسلّطة على مصير وحياة كورد لبنان، تركع في عنجر عارضة خدماتها المشبوهة على المخابرات السورية القمعية ، وكانت سببا في اعتقال الكثير من الشباب الكوردي من كوردستان سوريا، والذين قدموا إلى لبنان للبحث عن لقمة العيش، وممارسة بعض النشاطات السياسية بحرية بسيطة بعيدا عن نظام الاستبداد.
واليوم نجد الكورد في لبنان تائهين كسرب يطير خارج فضاءات لبنان، فلا وجود لهم داخل الطيف السياسي، ولا صوت، أو تمثيل لهم ضمن الحكومة، أو البرلمان، أو حتى ضمن مؤسسة الأحزاب المتصارعة، أو كطائفة لها كيانها وثقلها الاجتماعي، تبرز عضلاتها ووجودها على خارطة الطائفية اللبنانية المتنوعة!!!
الأسباب خارجية وذاتية وتاريخية لمعاناة الكورد اللبنانيين. ظلم لحق بهم من المجتمع السياسي اللبناني، حيث كان ينظر لهم كدخلاء وغرباء، فتم تهميشهم واستغلالهم في ظل المناخات الطائفية والمذهبية والسياسية التي قذفت بلبنان وشعبه. أما السبب الرئيسي فيعود إلى التشتت الكوردي نفسه ، وتذبذبه القومي، وافتقاده إلى وجود شخصيات قيادية واعية وبراغماتية نظيفة، تضمن حقوق ومصالح الكورد اللبنانيين، وتدافع عنهم بشجاعة وقوة. أما من يتحدث اليوم باسم كورد لبنان، ويضعون البيض الكوردي في سلال القومية والسياسة، ويخفون ريائهم تحت عباءاتهم المهترئة، فقد انكشفت اللعبة وفاحت رائحتهم في عموم أنحاء كوردستان، وما هم سوى تجار ونخّاسين يقفون كل يوم أمام أبواب وقصور الساسة اللبنانيين مستغلين صراعاتهم، ومن يدفع لهم أكثر، فله مطلق الولاء وتعلق صوره في صالوناتهم، وتدخل الأصوات الكوردية في صناديقهم، وليبقى كورد لبنان أشباح هائمة على وجهها تبحث عن الملاذ والهوية والانتماء، بعد أن فقدت الإحساس بكورديتها، وأصبح الأكراد بعيدين ومتغرّبين عن كل فرح وألم كوردستاني، فلا يدركون هل هم كورد، أم هم عرب لبنانييون… إنهم في اغتراب وضياع مع الذات والوجدان والقومية الكوردية الواضحة الشفافة!!!
شخصيات قليلة منهم تمسّكت بالأمل، راسمة لنفسها طريقا وهدفا كوردايتيا في سبيل لملمة الشمل الكوردي، والحفاظ على ما تبقّى من إرث الماضي، في محاولة شاقة لإحياء الأصل والهوية والانتماء لجذور الأجداد، واعادة الروح الكوردية إلى أبنائهم وشبابهم التي توحي ملامحهم فقط بأنهم كورد، لكن أحلامهم تصطدم مع الوسط الكوردي نفسه لسيطرة الأنا والمصالح الفردية داخل المجتمع الكوردي اللبناني!!!
هذه هي الحقيقة المرة والمخجلة، لكن النقد وتسليط الضوء على مأساة كورد لبنان، يأتي من منطلق محاولة إيقاظهم وإخراجهم من مستنقعات مرض الانسلاخ عن كل ما هو كوردي العاصف بهم.
البيت الكوردي في لبنان، بحاجة إلى ترميم وأعادة بناء. وعليهم أن يطهّروا أنفسهم من تلك القيادات الفاشلة، والبدء بوضع أسس جدّية وأجندة تسير بهم إلى القرار الصح والموضوعي ، ومن ثم انتخاب شخصيات كوردية أصيلة وواعية تقودهم إلى شاطىء الأمان، وذلك لضمان حقوق المواطنة كاملة لهم، ورسم خط سياسي واجتماعي داخل الساحة اللبنانية، والعمل وفق استراتيجية حضارية وديمقراطية، للوصول إلى مراكز السلطة، وإيجاد الصوت الكوردي أسوة ببقية الطوائف اللبنانية التي تقلّها عددا وإمكانات، والتي تملك وزراء ونوّاباً في الحكومة، والتواصل بفاعلية ووجدانية قومية مع الشعب الكوردي في أجزاء كوردستان الأخرى، والاستفادة من تجاربهم الثمينة. وأيضا، العودة الروحية والفكرية للكردايتي واللغة الكوردية والارث الكوردي الغني والمتنوع. حينها، يمكن أن نتحدث عن كينونة كورد حقيقييين، عصريين وحضاريين، تحت ظلال دولة القانون والمؤسسات. دولة لبنان.
جهاد صالح : صحافي وناشط – بيروت