الرئيسية » مقالات » تركيا.. ومحاولات إعادة السيناريو الإسرائيلي

تركيا.. ومحاولات إعادة السيناريو الإسرائيلي

“هل يمكن أن يعيد التاريخ نفسه”؟ كثيراً ما تطرح هذه المقولة في المجادلات السياسية والفكرية من قبل أصحاب التيارات المختلفة والذين يعملون في الحقل النظري للتاريخ، أي أولئك الذين “ينبشون في الماضي” كما يقال في اللغة الشعبية الدارجة، وخاصةً أصحاب التيار السلفي في الفكر الديني والذين يتوقون بأن تنقلب تلك المقولة إلى واقعٍ ملموس وحقيقي؛ بحيث يعيدون الزمن إلى الوراء، إلى حيث التبارك بـ(بول الصحابة والأنبياء وأولياء الله المتقين) وبأن يدفع (الذمي) الجزية لـ(بيت الله) وبالتالي أن يكون مواطناً من الدرجة الثانية أو.. العاشرة حسب التعريف والاصطلاح القانوني في الدولة (المعاصرة، المدنية). وكذلك فإن أصحاب الفكر العنصري والنازي هم أيضاً يحلمون أن تبقى الأمور كما هي في دولهم الاستبدادية القمعية، بعد التيقن من أن “إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء أمرٌ غير منطقي وعقلاني” ولذلك فهم يحاولون وبكل الوسائل والجهود الحفاظ على ما هو قائم، متناسينا بأن التاريخ في حالة سيرورة دائمة ولا يتوقف عند مرحلة وحالة محددة.

ما دفعنا إلى تلك المقدمة عن الفعل التاريخي و(منطقية وواقعية) الأحداث التاريخية وذلك على ضوء الواقع والمنطق الحضاري لكل مرحلة تاريخية، هي هذه المحاولات الأخيرة من قبل كل من الحكومة التركية؛ حكومة السيد رجب طيب أردوغان وكذلك من قبل المؤسسة العسكرية التركية في اجتياح إقليم كوردستان (العراق) بغية ملاحقة عناصر حزب العمال الكوردستاني (تركيا) والذين يأخذون من بعض المناطق الجبلية الوعرة والخارجة عن سلطة حكومة الإقليم كمقرات تدريبية لها وبالتالي الانطلاق منها – حسب الادعاءات التركية – لضرب مواقع في العمق (التركي)؛ أي تلك المواقع التابعة للجندرمة التركية داخل إقليم كوردستان (تركيا). وهكذا فهم؛ (أي الحكومة والجيش التركي) يحاولون بشكل أو آخر أن يعيدوا التجربة الإسرائيلية في اجتياحها لـ(لبنان) بأن يقوموا هم أيضاً – وعلى غرار تلك التجربة – في ضرب البنية التحتية لإقليم كوردستان (العراق) ومحاولة خلق فوضى سياسية – أمنية؛ بحيث يسهل على (تركيا) اللعب على عدة ملفات وأهمها ملف (كركوك) على الإطلاق.

طبعاً وبالإضافة إلى ملف (كركوك) هناك عدة ملفات أخرى تهم (تركيا) وتود أن تكسب بعض النقاط فيها من خلال هذا الاجتياح وأهم تلك الملفات يمكن تلخيصها بما يلي: ملف الإبادة الجماعية والتي ارتكبت بحق الأرمن في بدايات القرن الماضي بين أعوام (1915-1923) أي في نهايات السلطنة العثمانية وبدايات تأسيس الجمهورية التركية الحديثة والتي قامتا (أي كل من الإمبراطورية والجمهورية) ليس فقط على طمس حقوق الشعوب والقوميات والجغرافيات الأخرى مثل الكورد والأرمن وكذلك العرب وغيرهم، بل وارتكاب المجازر الجماعية بحق تلك الأثنيات والأعراق. وإضافةً إلى هذين الملفين فإن (تركيا) ومن خلال تلويحها بـ(العصا الغليظة) ضد إقليم كوردستان (العراق) تحاول ابتزاز (أمريكا وأوروبا) بصدد ملف انضمامها إلى الاتحاد الأوربي وذلك في محاولة للضغط على الطرف الأوربي من أن يلين موقفه تجاه بعض المسائل السياسية وعلى التحديد في الملف الكوردي في (تركيا)، وعلى أن قضية حزب العمال الكوردستاني لا يعدوا أكثر من منظمة (إرهابية) – على حد توصيفهم – ويجب مساعدة (تركيا) في القضاء عليها. وهكذا إغلاق الملف الكوردي في إقليم كوردستان (تركيا) من خلال منحهم بعض الحقوق الثقافية واللغوية وبالتالي تجريد القضية الكوردية من أنها قضية أرض وشعب وبأن (الجمهورية التركية) يجب أن تقام على المشاركة الفعلية بين هذين المكونين الأساسيين في أي نظام سياسي مقبل في (تركيا) و إلا فإنها سوف تعيش دوامة العنف.

وكذلك فإن (تركيا) – بحكومتها ومؤسستها العسكرية وكذلك الصوت الطاغي في كل من الشارع والبرلمان (التركي) – يحاولون؛ (أي الحكومة والمؤسسة العسكرية وكذلك البرلمان) من أن ينفثوا عن الغليان الذي تعيشها النفوس وخاصةً بعد الضربة الموجعة والتي تلقتها المؤسسة العسكرية على يد (كريلا) حزب العمال الكوردستاني والذي راح ضحيتها (15) خمسة عشر جندياً تركياً مما أشعل الشارع (التركي) غضباَ وحنقاً لتطالب الحكومة والجيش بالرد العسكري على هذه العملية (الإرهابية)، فكانت مناسبة وفرصة حقيقية لكل من الحكومة والجيش بأن يعيدوا الرونق لأطروحاتهم السياسية وبنفس الوقت أن يتملصوا من الاستحقاقات القانونية والدستورية والتي على أساسها تم ترشيح مندوبيهم إلى البرلمان (التركي) الجديد وذلك بإلقاء كل اللوم على (المتمردين الأكراد) والذين (يختبئون في شمال العراق وتدعمهم الجماعات الكوردية هناك). وهكذا فيكون (كل الحق على الطليان) في عدم حلحلة الملفات السياسية العالقة؛ (أي أن كل الحق علىPKK ومن وراءهم الجماعات الكوردية في شمال العراق، حسب التوصيف والتشخيص التركي للقضية الكوردية طبعاً).

ولكن يبقى ملف (كركوك)، بشكلٍ خاص، وحكومة إقليم كوردستان (العراق) والفيدرالية والاستقرار وتنمية الإقليم اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، بشكلٍ عام، هي الشغل الشاغل لحكومة تركيا وعسكرها؛ حيث أن استقرار الإقليم وتطوره يشكل تهديداً حقيقياً لـ(تركيا) ليس فقط في الملف الكوردي وحل القضية القومية للشعب الكوردي في ذاك الإقليم، وإنما هو تهديد من أن تتحول العراق وتحديداً إقليم كوردستان (العراق) إلى قاعدة بديلة للقاعدة الأمريكية في (أنجرليك) وقد سمعنا من بعض الجنرالات – تحدثت فيها بعض وكالات الأنباء – بأنهم يبحثون عن البدائل لتكون قواعد عسكرية لهم عوضاً عن قاعدة (أنجرليك)؛ حيث أن كل من (أمريكا) و(تركيا) لا تنسيان رفض البرلمان (التركي) لمرور قوات التحالف داخل أراضيها لضرب نظام (صدام حسين) في بغداد وإسقاطه.

وبالتالي الخوف التركي قائم و(مشروع) من أن تتحول كوردستان إلى واحة للديمقراطية والتنمية في المنطقة، أو على الأقل أن تحذو حذو دول (الخليج العربي) وتصبح هي الأخرى ذات نفوذ وقواعد بديلة للقوات الأمريكية والدولية، وبالتالي المساهمة في حل القضية الكوردية في الأجزاء الأخرى من (كوردستان). وهكذا بأن يتأثر الداخل (التركي) الأمني والسياسي من جهة ومن جهة أخرى أن تنقطع عن (تركيا) خيرات العراق وتحديداً النفط الخام وكذلك الحفاظ على أن يبقى العراق وإقليم كوردستان في حاجة دائمة إلى (تركيا) وإنتاجها وخاصةً الغذائي الاستهلاكي منها بحيث تبقى (العراق و كوردستان) أسواق مفتوحة أمام البضاعة التركية أو ما تسمى في لغة السياسة الاقتصادية بـ”الحديقة الخلفية” لها. وهكذا فإن تركيا وآخر ما تفكر به في (ملف كركوك) هي قضية الأخوة التركمان وحقوقهم.

وإضافةً إلى الملفات السابقة فهناك كل من ملف قبرص؛ القسم الذي تحتله القوات التركية والغير معترف بها من قبل الهيئات والمنظمات الدولية ومحاولات (تركيا) لحل تلك القضية مع المجتمع الدولي وكذلك استبعادها (أي تركيا) من المشاركة في حل مشاكل وقضايا المنطقة كعدم دعوتها لحضور مؤتمر السلام المزمع عقده في الخريف القادم وذلك لوضع حد (نهائي) للصراع العربي – الإسرائيلي و.. غيرها من الملفات. إن كل تلك الملفات السابقة هي ملفات حقيقية وواردة في الأجندة السياسية للقادة (الترك) وهم بالتالي يبحثون عن (المبررات والمسوغات) لتنفيذ برامجهم هذه وذلك من خلال الضغط على (أمريكا وأوروبا) بالتلويح بمسألة شن هجوم عسكري على إقليم كوردستان (العراق) وحكومتها في محاولة منها (أي من تركيا) أن تكسب بعض النقاط في تلك الملفات من حلفائها الأوربيين والأمريكيين، ذاك من جانب ومن الجانب الآخر إضعاف وضعضعة حكومة إقليم كوردستان وبالتالي إسقاطها من المعادلة السياسية العراقية؛ بحيث لا يبقى للتحالف الكوردستاني القائم أي وزن سياسي فاعل في بغداد أيضاً.

وهكذا يكون المشروع السياسي للساسة (الترك) قد تم تحقيقه وإنجازه، بل إن المشروع السابق؛ محاولة خلق فوضى في الإقليم وإسقاطه لهو مشروع إقليمي لمجموع دول الجوار العراقي بحكم ارتباطه، في عدة دولٍ منها، بالملف الكوردي (عندها)؛ (أي في داخل تلك الدول والبلدان) وقد رأينا مؤخراً بعض التصريحات الصحفية من قادة بعض تلك الدول تدفع بذاك الاتجاه في محاولة يائسة منها بأن تعيد الملف الكوردي إلى المربع الأمني الأول. وإن هذا النهج والسلوك تجاه إقليم كوردستان (العراق) وحكومتها يتفق كذلك مع كل من المشروع القومي العربي والإسلامي السلفي، بحيث أن لا تقوم للكورد قائمة وأن لا يبقى لهم كياناً سياسياً شبه مستقل ويتمتع باستقرار أمني كبير وكذلك بتنمية اقتصادية للبنية التحتية والتي كانت غائبة كلياً عن كوردستان في زمن الطاغية (صدام).

من بعد هذه القراءة السريعة لبعض الملفات الساخنة في (تركيا) وبعيداً عن موقفنا إزاء (الحل العسكري) والكفاح المسلح وشرعيته ومشروعيته وانسجامه مع المرحلة الحالية لعصرنا، فإنه يحق لنا أن نتساءل: هل من المصلحة القومية والاستراتيجية للقضية الكوردية من أن تتخذ حزب العمال الكوردستاني بعض المناطق الوعرة في (جبال قنديل) مقرات عسكرية لها ومن ثم تنطلق منها بهجماتٍ عسكرية انتحارية ضد معسكرات الجيش التركي وذلك بقرار فردي أحادي الجانب – على غرار حزب الله في شنه للعملية العسكرية ومن دون موافقة الحكومة اللبنانية، وذلك ضد قواعد للجيش الإسرائيلي مما سبب في اجتياحٍ إسرائيلي لجنوب لبنان في صيف العام الماضي – وهكذا فقد قامت بعض من (كريلا) حزب العمال الكوردستاني بشن عملية عسكرية ضد بعض أفراد الجندرمة والجيش التركي مما أوقعوا في صفوفهم (15) خمسة عشر قتيلاً – كما أسلفنا سابقاً – وذلك من دون الرجوع إلى حكومة إقليم كوردستان (العراق) والتنسيق معهم أو استشارتهم بمدى تأثير هذه العملية على الإقليم وحكومتها وعلاقاتها مع الدولة الجارة (تركيا).

مع التأكيد أن هذا ليس مبرراً لـ(تركيا) من أن تقوم بعملية عسكرية شاملة لغزو إقليم كوردستان (العراق) كما فعلت إسرائيل في اجتياحها لجنوب (لبنان)، وذلك لاعتبارات عدة: أولها- عدم سيطرة حكومة الإقليم على تلك المناطق الجبلية والتي تتخذها (كريلا) العمال الكوردستاني مقرات لها. وثانياً- للوجود الكثيف لأنصار و(كريلا) الحزب؛ (حزب العمال الكوردستاني) داخل (تركيا) (أي داخل الإقليم الكوردستاني المغتصب من قبل تركيا) وهكذا فمن الأولى للدولة التركية وجيشها أن تتصدى لتلك القوات التي بداخل (أراضيها) لا أن تلجأ إلى أراضي دول الجوار؛ (إقليم كوردستان) بحجة وجود بعض قوات (الكريلا) فيها. وثالثاً- وهو الأهم وقد أكد عليها كل الساسة والقادة الكورد وغيرهم كذلك؛ من أن الحل العسكري للقضية الكوردية عموماً وتحديداً في مسألة حزب العمال الكوردستاني لا يجدي نفعاً وبالتالي لا بد من الجلوس إلى طاولة الحوار والبدء بمفاوضات حقيقية لحل القضية الكوردية في (تركيا). وهكذا فإن العملية العسكرية التي يزمع الجيش التركي القيام بها داخل أراضي إقليم كوردستان (العراق) غير مبرر بأي شكلٍ من الأشكال وفي الوقت نفسه، فإن لجوء (كريلا) حزب العمال الكوردستاني إلى شن عمليات عسكرية من داخل أراضي الإقليم تكون سبباً في جلب المزيد من الضغط والكوارث على الإقليم وحكومتها وشعبها وبالتالي فهي الأخرى غير مجدية للمصلحة القومية، لا بل إنها تضر بالمصلحة الاستراتيجية لكوردستان والقضية الكوردية عموماً وتحديداً لحكومة وشعب إقليم كوردستان (العراق)، على الأقل في الظروف الراهنة، وبالتالي – وحرصاً على المصلحة الكوردية – يجب أن توقف (الكريلا) تلك العمليات المنطلقة من داخل الإقليم و إلا.. فإن للمسألة ذيول وكذلك دوافع أخرى ربما تنكشف قريباً.

جندريسه-2007