الرئيسية » مقالات » تركيا من أتاتورك الى أردوغان الحلقة (2)

تركيا من أتاتورك الى أردوغان الحلقة (2)

إسلاميون أتراك يرون أن تجربة أردوغان (سرقت) تجربتهم ثم (شوهتها).. وأضرت الإسلام السياسي في تركيا

21/10/2007






اسطنبول:  “الشرق الأوسط” – «فزنا لأننا قدمنا أفضل تصورات للاقتصاد التركي، وليس لأننا حزب إسلامي، نحن لا نصف انفسنا على أننا حزب اسلامي. وحزب العدالة ليست لديه أصلا فكرة أسلمة تركيا»، قالت اديبة سوزان النائبة عن حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي ووراءها صورة كمال اتاتورك على حائط مكتبها، وعلى الحائط الاخر في المكتب صورة رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التركي وزعيم حزب العدالة. وتابعت سوزان وهي تضبط شعرها القصير المرتب بعناية، وهي واحدة من نائبات كثيرات للعدالة غير محجبات،: «بحكم أن مكتبي مكتب حكومي يجب أن أضع صورة أتاتورك. لكن حتى اذا لم أكن مضطرة بحكم القوانين، كنت سأضع صورته، فأنا أحترمه كثيرا لما فعله لتركيا» ثم أضافت لـ«الشرق الاوسط»: «علينا الان ان نتحرك للأمام.. ما زالت لدينا الكثير من المهمات». بعد سيطرة حزب العدالة والتنمية، ذو الجذور الاسلامية، على الحكومة والبرلمان والرئاسة في تركيا، كان العلمانيون في حالة غضب واضح، يريدون ان يفهموا لماذا فاز حزب العدالة بـ46% من الاصوات. اجتمعت لجان في حزب الشعب الجمهوري، الحزب الذي أسسه اتاتورك، لمناقشة نتيجة الانتخابات، والتحضير للانتخابات المحلية بعد عام ونصف العام. ودعا البعض الى استقالة دينز بايكال زعيم الحزب. بعد ذلك استقال رئيس الحزب الديمقراطي التركي محمد اغار، ليبحث الحزب عن زعيم جديد واستراتيجية جديدة. لكن بينما كان كل هذا الغضب علنيا ومفتوحا، كان هناك فصيل سياسي واحد في حالة غضب مكتوم، لكنه غضب مجروح ايضا. هذا الفصيل يمثل الاسلاميين الاتراك الذين خرجوا من عباءة نجم الدين اربكان، الذي ولدت على يديه تجربة الاسلام السياسي في تركيا قبل نحو 30 عاما من خلال أحزاب «السلامة الوطني» و«الرفاه» و«الفضيلة» و«السعادة». اربكان وغيره من الاسلاميين الاتراك الذين ينضوون الان تحت راية حزبي السعادة والفضيلة يشعرون بالخديعة، يشعرون ان تجربة حزب العدالة والتنمية «سرقت» تجربتهم، ثم «شوهتها». وبالتالي فإن أشد الانتقادات لأردوغان لا تأتي من الاحزاب العلمانية، بل من الاحزاب الاسلامية في تركيا، التى ترى ان حزب العدالة نجح بطريقة ما في فصل نفسه عن تجربة باقي الاحزاب الاسلامية في تركيا، وتصوير نفسه على انه «تجربة جديدة.. بنفس جديد معتدل».
وتقول اويا اكجونينش أحدى القيادات البارزة في «حزب السعادة» الاسلامي، الذي تشكل بعد حل حزب الفضيلة الاسلامي في هذا الصدد: «بطريقة ما استطاع حزب العدالة باستخدام الكثير من الدعاية، فصل نفسه عن تجربة حزب الفضيلة، والتركيز على أنه حزب جديد وتجربة جديدة وأفكار جديدة. ظلوا يرددون: نحن حزب جديد مختلف في كل وسائل الاعلام وفي خطابهم السياسي، وبدا هذا جذابا جدا للكثير من الاتراك». وتابعت اكجونينش لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يقولون انهم مختلفون سياسيا، فهذا صحيح، لانهم تركوا الآيديولوجية التي جعلت حزب الفضيلة مهما، ووجوده ضروريا. وباتوا حزبا (سياسيا شعبويا) عاديا مثل الكثير من الاحزاب السياسية في العالم. انتهجوا سياسات شعبوية من اجل الحصول على اصوات الناس. لكن في الحقيقة ليس هناك شيء جديد فيما يطرحونه. كانت وراءهم آلة دعائية هائلة، واستخدموا كل الاساليب الممكنة من اجل التأثير على الاتراك. على سبيل المثال يتم تصوير طيب اردوغان في دعايتهم على انه يستطيع تحقيق المعجزات، اردوغان اعرفه من حزب الفضيلة وهو شخص عادي معروف بحبه للعب كرة القدم، تعلم في مدرسة دينية، وتدرج في حزب الفضيلة، وانتخب عمدة لاسطنبول، والحزب كله كان وراءه وساعده على النجاح والتقدم، لكنه وصل الى نقطة ظن فيها انه الحزب، وان الحزب هو. وعندما وجد معارضة من داخل قيادات في الحزب، بدأ يظهر عداء لقيادات الفضيلة. ثم صور الامر على انه تنافس بين الجيل الجديد في الحزب، وبين المحافظين. وساعدت الظروف على بيع هذه الصورة، ففي التسعينيات انتخب توني بلير في بريطانيا وبيل كلينتون في اميركا وكلاهما صغير السن. اردوغان استفاد من هذا المناخ وقرر الانشقاق عن حزب الفضيلة وتأسيس حزب جديد. وتم تصوير الامر ساعتها على ان اردوغان «الاكثر اعتدالا» يغادر حزب الفضيلة «الاكثر محافظة»، لكن طبعا الامر ليس هكذا. الحقيقة هي ان حزبي الفضيلة والسعادة حزبان للطبقة الوسطى والفقراء. فهما يتخذان السياسات التي يمكن ان تساعد الاتراك العاديين فيما يتعلق بالتعليم مثلا او السياسات الاقتصادية ومحاربة الفساد، بينما حزب العدالة حزب رجال الاعمال والاثرياء، فهم اكثر من استفاد من سياساته، كما ان هناك من عناصره من هو ليس بعيدا عن الفساد. فوز اردوغان ليس نصرا للاسلاميين. فشعاراتهم وان ظهر فيها شيء اسلامي، إلا انهم عمليا يعملون مع اميركا ويخدمون الاغنياء ويقدمون للفقراء الفتات». لكن اكجونينش لا تنفي ان حزب السعادة الذي استخدم أجندة انتخابية تركز على مهاجمة صندوق النقد الدولي، وتحذر من تأثير سياساته على الطبقة الوسطى التركية، كان معقدا على فهم رجل الشارع في تركيا.

ويحذر اسلاميون اتراك اخرون من ان وصف حزب العدالة في الكثير من وسائل الاعلام المحلية والدولية بـ«الاسلامي» ساعد الحزب كثيرا، بالرغم من ان الحزب نفسه حريص على نزع وصف «اسلامي» عن اسمه «حزب العدالة لا يرى في عيون الكثير من الاتراك على انه حزب اسلامي. فهو حزب مؤيد لاميركا، مؤيد لاوروبا، وليبرالي في سياساته الاقتصادية. الكثير من مؤسسي الحزب جاؤوا من جذور اسلامية، ولهذا نجحوا بسهولة في التواصل مع الاتراك. لكن سياسات الحزب وآيديولوجيته ومواثيقه الاساسية ونشاطاته خلال خمس سنوات في السلطة تركز على علاقات جيدة مع اوروبا ومع اميركا واسرائيل. وبالتالي لا حزب العدالة نفسه او المحللون السياسيون الذين يتابعون مساره يقبلون وصفه بـ«الاسلامي»، كما يقول نعمان كورتوليمش نائب رئيس الشؤون السياسية في حزب الفضيلة. ويوضح كورتوليمش ان سبب الانتصارات الانتخابية التي حققها العدالة تعود الى ان تركيا في ظل استقطاب سياسي غير مسبوق تحولت الى ما يشبه ساحة لمباراة كرة قدم بين فريقين معاديين، وان ضعف الاحزاب السياسية عموما في تركيا منذ انقلاب الجيش عام 1980، وغياب قواعد اجتماعية لها، زادا من ازمة السياسة التركية. ويضيف لـ«الشرق الاوسط»: «كان هناك استقطاب سياسي غير مسبوق. فريق مستقطب نحو الديمقراطية والحرية، وفريق اخر نحو الحفاظ على مبادئ الجمهورية التركية العلمانية. ولهذا لم يحدث اي نقاش حقيقي طوال فترة الانتخابات حول القضايا الحقيقة التي تعني غالبية الشعب التركي مثل الفقر ومشاكل المدن والبطالة والتضخم والازدحام، كذلك لم تناقش مشاكل السياسة الخارجية التي تعني تركيا مثل الشرق الاوسط. وسائل الاعلام وعدد من السياسيين والاقتصاديين البارزين نجحوا في ان يجعلوا النقاش حول الانتخابات يتمحور حول الصراع المفترض بين فريقين او جناحين، احدهما يمثل الحداثة والاخر يمثل المحافظة الدينية. كان الامر اشبه بمباراة لكرة القدم، وتصويت الناس في الانتخابات كان مثل تشجيع فريق كرة على فريق آخر، خصوصا بعد تحذير الجيش يوم 27 ابريل (نيسان) الماضي في بيان على الانترنت لحزب العدالة بخصوص اختيار الحزب لعبد الله غل لرئاسة الجمهورية، وهو البيان الانترنتي الذي سمى في تركيا مجازا (انقلاب عسكري ما بعد حداثي)، لانه لم يحدث بالدبابات، بل الانترنت. هذا التحذير خلق شعورا بين غالبية الاتراك ان الجيش لا ينبغي ان يتدخل في السياسة». ولكن، وفيما ترى تيارات اسلامية تركية حزب العدالة وتجربة اردوغان بمثابة هزيمة للمعنى الحقيقي للاسلام السياسي، او «طعنة غربية» للاسلام السياسي التركي، بعد تجربة اربكان في الحكم، ترى الاحزاب العلمانية التركية ان حزب العدالة يتسلل خطوة خطوة بالخطاب المعتدل الليبرالي الذي يطرحه، وأنه حقيقة يخفي «أجندة اسلامية» بهدف أسلمة تركيا. وتقول ميروى بيتيك جوربوز مسؤولة العلاقات الخارجية بحزب الشعب الجمهوري «هناك دائما خطر.. فتركيا هي الدولة الاسلامية الوحيدة التي تنتهج العلمانية. لدينا ميراث قوي جدا للعلمانية في تركيا. ولا يمكننا القول ان 46% من الأتراك الذين صوتوا لحزب العدالة والتنمية يريدون دولة دينية في تركيا. اذا سألهم أحد ما اذا كانوا يرغبون في ان تتحول تركيا الى دولة دينية، بمعنى نظام حكم اسلامي، فإنني لا أعتقد ان الـ 46% كلهم سيقولون نعم. لكننا رأينا أشياء تثير القلق. فمثلا اردوغان قال يوما ان الديمقراطية ليست غاية، بل وسيلة. نحن لدينا شكوكنا في حقيقة حزب العدالة والتنمية. نحن رأينا لافتات سياسية لحزب العدالة والتنمية في بعض القرى والمدن تقول: يمكنك ان تضرب زوجتك. لكن لا تضربها على وجهها. هذا شيء لا يمكننا فهمه في تركيا». وتتخوف ميروى بيتيك جوربوز من ان حزب العدالة يغطي على اجندته الحقيقية بإظهار ان علاقاته مع اميركا واسرائيل استراتيجية. وتتابع: «رئيس الوزراء اردوغان قال حول بعض التغييرات الاسلامية ان الوقت ما زال مبكرا عليها. اي ليس الان. آية الله الخميني بعد 14 عاما في المنفى بباريس، عاد الى إيران بعد انتصار الثورة الإيرانية، وخطوة خطوة غيّر كل شيء. هذا ما حدث في إيران. نحن نعيش في وضع جغرافي استراتيجي خطير جدا. جيراننا ليسوا المانيا واسبانيا. لدينا في تركيا بنية دولة قوية. اذا اراد العدالة تغيير الدولة فلا بد من هدم النظام القائم خطوة خطوة، ثم اعادة بناء شيء جديد. وجهة نظري الشخصية هي ان علاقات اردوغان مع اميركا واسرائيل مرحلية. هذه ليست علاقات بين مصطفى كمال أتاتورك وحبيب بورقيبة (بورقيبة كان متأثرا جدا بتجربة أتاتورك في تركيا، وقال ان تجربته ألهمته كثيرا). هذا شيء اخر، ولا أعتقد ان علاقات العدالة مع اميركا واسرائيل ستستمر طولا. فتح الله كولن (زعيم ديني تركي بارز) وعبد الله غل واردوغان كانوا يقولون خلال فترات طويلة من حياتهم السياسية ان اسرائيل هي ممثلة الصهيونية التي تكره المسلمين. وان اميركا هي الشيطان الأكبر، واسرائيل هي الشيطان الأصغر. فكيف خلال فترة عامين او 3 أعوام فقط يصبحون حلفاء سياسيين؟». ويتهم اسلاميون مثل اكجونينش من حزب السعادة، المعارضة العلمانية في تركيا بالمساهمة في فوز حزب العدالة بمهاجمة كل ما هو اسلامي. وتتابع «هناك فصيل صغير داخل حزب الشعب الجمهوري، كلما رأى سيدة محجبة.. فزع وصرخ وقال إنها تهديد للدولة. قبل الانتخابات بقليل نشرت الصحف ان مستشفى حكوميا رفض علاج سيدة مسنة ترتدي الحجاب، وطلب منها أن تخلعه اولا، فرفضت. الناس تعبت من هذه التصرفات، وكان هذا هو رد الفعل». إلا ان ميروى بيتيك جوربوز تنفي ان يكون العلمانيون تصرفوا كـ«فاشيين» في التصدي لكل شيء يصدر عن حزب العدالة. وتقول «دعمنا في البرلمان كل القوانين الاصلاحية التي اتخذها حزب العدالة والتنمية للوفاء بمعايير الانضمام للاتحاد الاوروبي ومن بينها توسيع حريات الرأي والتعبير. لكننا احيانا لاحظنا وجود مواد في هذه التشريعات الجديدة لا علاقة لها بالاتحاد الاوروبي. على سبيل المثال ارادوا ان يسمحوا بتخصيص مساجد للصلاة في المؤسسات الحكومية، وهذا شيء لا يمكنك ان تفعله في تركيا. فعندما تفعل هذا تصبح هذه الاماكن الفناء الخلفي لبعض الطرق الدينية. نحن لدينا مساجد في كل مكان. فلماذا تخصيص مساجد في المؤسسات الحكومية؟ هل تريدون بناء فناء خلفي لطريقتكم الدينية. قانون تجريم الزنا، اذا لم نعارضه بالطريقة العنيفة التي عارضناه بها لكان البرلمان مرره. هل سمعتم عن قانون الخط الاحمر؟ قبل عامين صاغوا قانونا يمنع على الناس شرب الكحوليات بموجب القانون في مناطق معينة من اسطنبول تحاط بخط احمر. انا لا أقول انه ينبغي على كل الناس ان تشرب، هذا ليس هو الموضوع. لكنك لا يمكنك ان تقسم بين الناس على اساس اختياراتهم الشخصية اذا اردنا ان نطبق معنى الديمقراطية. ومع اننا استأنفنا لدى المحكمة الدستورية التركية ورفضت القانون، الا ان ما يقلقنا ان حزب العدالة يسير خطوة خطوة». وبين النقيضين، اي حزب العدالة والتنمية من ناحية وحزب الشعب الجمهوري من ناحية اخرى، تعاني باقي الاحزاب السياسية التركية من مشكلة توصيل صوتها للناس. فهي احزاب اصغر حجما، واقلها ثراء، وبعضها يعاني ازمة زعامة، بل ويتأرجح بين أفكار اليمين واليسار. ويقول اوباهان اوبا اوغلو رئيس اللجنة التكنولوجية في الحزب الديمقراطي التركي ان هذه الاحزاب الصغيرة ظلمت ايضا بسبب غياب القضايا المهمة عن الساحة السياسية، لصالح الاستقطاب الآيديولوجي. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «اكثر حزبين استفادا من الازمة الحالية حول هوية الدولة هما العدالة والشعب الجمهوري. استفادا واشعلا الاستقطاب السياسي في تركيا. الشارع التركي في الواقع يمكن ان يحل معضلة كونه علمانيا ومسلما في الوقت ذاته». ويبدو هذا الكلام صحيحا الى حد كبير، فالكثير من الاتراك لم يصوتوا بسبب الاجندة الدينية او العلمانية لهذا الحزب او ذاك. الغالبية صوتت طمعا في تحسين اوضاعها الاقتصادية. الكثير من الاتراك في الاحياء الفقيرة من أنقرة قالوا لـ«الشرق الاوسط» انهم صوتوا للحزب الذي وزع زيتا للتدفئة او طعاما او ملابس للشتاء. وقال حسن وهو تركي في العقد الخامس من العمر كان يجلس في مقهى مع ثلاثة اشخاص اخرين كلهم بلا عمل لـ«الشرق الاوسط»: «ابني يعمل وزوجتي تعمل ومع هذا لا يكفينا ما نحصل عليه. كنت اعمل ثم فصلت، الان اذا كان هناك اي عمل، اي عمل من اي نوع، سآخذه فورا. اي شيء». وتلاحظ اكجونينش أنه «خلال الحملة الانتخابية استغل حزب العدالة كل شيء، توزيع طعام على الفقراء في الاحياء المعدمة والعشوائيات، توزيع مخصصات الشتاء للفقراء مبكرا. الانتخابات كانت في يوليو وهو شهر حار في تركيا، ومع ذلك وزعت مخصصات الشتاء بشكل مبكر، ووزع زيت التدفئة مجانا وكأن رسالة الحزب للناس (اعتني بي.. أعتني بك). المال لعب دورا كبيرا في هذه الانتخابات وفي شراء اصوات الناس». ومع ان الكثير من رجال الاعمال الاتراك يعترفون بان سياسات اردوغان الاقتصادية ادت الى الحد من التضخم والبطالة، وساعدت على جذب رؤوس الاموال والاستثمارات الاجنبية، الا ان البعض الاخر يرى ان سياسات حزب العدالة ساعدت البعض وليس الكل. فمثلا المهن التقليدية عانت من تباطؤ النمو. ويقول مصطفى اوزافار وهو تاجر مصوغات ذهبية في بازار إسطنبول انه شخصيا لم يستفد من هذه السياسات، موضحا لـ«الشرق الاوسط»: «كنت في ايام ابيع كيلو او كيلوين من الذهب يوميا. حاليا تمر علي ايام ابيع 200 جرام فقط». ومن دواعي قلق الكثير من الأتراك من غير الداعمين لحكومة حزب العدالة والتنمية تأثيرات هذه السياسات الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد. وتقول ميروى بيتيك جوربوز من حزب الشعب الجمهوري، ان معدلات زيادة الاستثمارات الاجنبية في تركيا ليست دلالة على تحسن في اداء الاقتصاد التركي، بل إن سببها الأساسي هو نسبة الفائدة الكبيرة التي تعطيها الدولة التركية لروؤس الاموال الوافدة، وان نسبة الفائدة العالية هذه ستكون سببا في أزمة اقتصادية. وتضيف لـ«الشرق الاوسط»: «اذا كان لديك 100 الف جنيه استرليني فما هو معدل الفائدة الذي يمكن ان تحصل عليه في بريطانيا خلال عام؟ 5% على الأكثر. في تركيا اذا أتيت بـ100 الف جنية استرليني فإن معدل الفائدة هو 17%.. وبالتالي لا يجب على أصحاب رؤوس الاموال ان يستثمروا في اي شيء. يكفي فقط ان يأتوا بهذه الاموال، ويضعوها في أحد البنوك، ويأخذوا نسبة الفائدة الكبيرة جدا هذه، حتى النقطة التي يستطيعون بعدها، بالارباح التي حققوها، شراء هذا البنك. هذا هو الوضع في تركيا. ولهذا تأتي الاستثمارات الاجنبية الينا. انا أستطيع تفهم موقف المستثمرين الدوليين. ولو كنت مكانهم، ربما فعلت الشيء نفسه. لكن ما من عاقل يستطيع ان يسمي هذا استقرارا اقتصاديا. هذا استقرار اقتصادي قصير العمر. فنحن الان لا نواجه صعوبات في السيولة المالية، لكن هذه الصعوبات ستأتي لاحقا». ويتندر البعض في تركيا على قصة يخت ابن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان. فابن اردوغان، الذي تخرج من الجامعة منذ سنوات قليلة، يعمل الان في مجلس إدارة احدى الشركات الكبرى في تركيا، وقبل فترة أصبح لديه يخت. الصحف التركية تحدثت كثيرا عن اليخت وكيف يمكن لشاب صغير ان يمتلك يختا في هذه الفترة القصيرة. وبسبب الضجة التي أثارها موضوع اليخت اضطر اردوغان للتعليق على الموضوع بقوله «لا ادري لماذا كل هذا الكلام حول اليخت. هذا اليخت صغير جدا». ضحك سينان تافشان، وهو صحافي تركي يعمل مراسلا لصحيفة «نيكاي» اليابانية وهو يروي لـ«الشرق الاوسط» هذه القصة، موضحا ان إحدى مشاكل تركيا هي الفساد، وحتى حكومة اردوغان لم تنج من الانتقادات فيما يتعلق بهذه القضية الحساسة، لكن يعتقد الكثير من الأتراك ان سجل حكومة اردوغان أفضل من غيره في موضوع التصدي للفساد. «اردوغان رجل تقي لا يمكن ان يكون فاسدا. هذه الاخبار البسيطة تأخذها الصحف وتضخمها لمصالح البعض» كما قال تاجر تركي في بازار اسطنبول لـ«الشرق الاوسط». هناك خوف في تركيا على مستقبل الديمقراطية، فالاحزاب التركية الحالية ضعيفة بطريقة او بأخرى، وأكثرها ضعفا هي الاحزاب الليبرالية واليسارية والقومية التي ادت الانقلابات العسكرية العديدة في تركيا الى تفكيكها. وتقول ميروى بيتيك جوربوز «حتى 1946 كان حزب الشعب الجمهوري هو الحزب الوحيد في تركيا. عام 1946 نحن أقررنا تطبيق التعددية الحزبية في تركيا. لكن مذاك مرت تركيا بـ3 انقلاب عسكرية. في كل مرة كان يتم اتهام حزب الشعب الجمهوري بأنه وراء انقلاب الجيش. لكن في الحقيقة حزب الشعب الجمهوري هو الذي دفع ثمن هذه الانقلابات العسكرية. فالانقلابات العسكرية اضرت باليسار والاحزاب الديمقراطية الاشتراكية والمثقفين، وهذه أزمة معقدة. نحن العلمانيون في حزب الشعب الجمهوري، حزب اتاتورك، كنا دائما نتهم بأننا حزب الجيش والدولة، لكن كلما حدث انقلاب عسكري دفعنا نحن الثمن. على سبيل المثال في انقلاب 1980 على يد كنعان افرين، كان حزب الشعب الجمهوري أول حزب حظر، ورئيس الحزب سجن ومنع من ممارسة السياسة لمدة 7 سنوات. إذا كنا حزب الجيش في تركيا، لماذا يحظروننا؟ انا لا ارى اننا حزب الجيش، وهذه الانقلابات العسكرية اضرتنا واضرت اليسار كله والديمقراطيين الاشتراكيين. وللأسف بسبب سمعة الاتحاد السوفياتي السابق لدى اهل الاناضول، فإن اليسار كله كان إلحادا. وليس من السهل اقناع الناس بغير ذلك. اكثر نسبة حصل عليها اي حزب يساري في تركيا كانت 30%، وبالتالي كان اليسار دوما في حكومات ائتلافية. لكن هذه المعركة لم تنته، فهناك انتخابات محلية في تركيا خلال عام ونصف العام، ثم انتخابات البرلمان. ستكون هناك دائما انتخابات. نريد ان نكون في الحكومة. الناس لم تعد تهتم بالآيديولوجيات، الناس اليوم تهتم فقط بمن يمكن ان يدير البلاد بشكل أفضل. وعلينا، وهذا ربما اعتراف، ان نحل مشاكلنا داخل حزبنا. ليست لدينا مشكلة فيما يتعلق بالسياسات التي نقرها، بل لدينا مشكلة في طريقة تطبيق هذه السياسات. لهذا لم ننجح حتى الان. سنأخذ وقتا لكن ليس هناك مشكلة في هذا. نحن لسنا حزب العدالة والتنمية.. (عمره 6 سنوات) نحن اقدم حزب في تركيا، سيأتي ويذهب أناس والحزب سيبقى».


تركيا من أتاتورك الى أردوغان ـ دولة واحدة .. وهويات متعددة (1).. (الدولة الأبدية) في مهب رياح الشرق الأوسط .. والصراع بين العلمانيين والإسلاميين