الرئيسية » مقالات » على هامش التهديدات التركية -العنف أو الإجتياح لا يزيد الطين إلاّ بلّة

على هامش التهديدات التركية -العنف أو الإجتياح لا يزيد الطين إلاّ بلّة

تفاقمت الأوضاع في الآونة الأخيرة على الحدود العراقية التركية وبشكل خطير. فبعد سلسلة الهجمات التي شنها حزب العمال الكردستاني التركي من الأراضي العراقية على مواقع مدنية وعسكرية في الأراضي التركية، وما تبعها من ردود فعل تركية رسمية وتحركات عسكرية تركية على الحدود، والتي تتوجت بقرار البرلمان التركي الذي ينص على جواز إستخدام الحكومة القوات المسلحة لردع نشاط حزب العمال، وصلت الأمور إلى درجات خطيرة قد تلحق بالعراق الغارق في مشاكله بتبعات إضافية يصعب التنبؤ بها.
إن التصريحات التي تطلقها أطراف النزاع تؤشر إلى أن ما يحدث ربما له دوافع أخرى غير تلك التي تعلنها الأطراف المتنازعة. فرئيس الوزراء التركي، وتحت ضغط المؤسسة العسكرية، يعلن بصراحة إن الحكومة التركية جادة في إرسال قواتها لإجتياح الأراضي العراقية، وهو حلم لم يتسن للعسكر التركي تحقيقه عند غزو العراق عام 2003، إضافة إلى كونه وسيلة للمزيد من التدخل في الشؤون الداخلية في بلادنا والتأثير على مسار الأحداث لصالح لجم التحولات الديمقراطية وعرقلة إزالة التمييز القومي والطائفي فيه، سعياً من أوساط تركية متنفذة بأن يبقى العراق في دوامة التشظي والتناحر بين أبنائه. ويتنافس الطرف الآخر في النزاع على هذا التدخل الخارجي في الشؤون العراقية وعلى لسان ناطق بإسم حزب العمال الكردستاني، الذي أعلن أنه سوف يقدم على نسف أنابيب النفط العراقية الممتدة الى ميناء جيهان التركي، بما يعني ذلك من أضرار للإقتصاد العراقي والسوق النفطي العالمي وخلق المزيد من المشاكل للعراق. كما يردد بعض الناطقين بإسم الحكومة المحلية لأقليم كردستان العراق، وبعيداً عن مواقف الحكومة المركزية، تصريحات متناقضة عن إستعداد الإقليم لمواجهة الغزو العسكري التركي، ولكن بأي ثمن وبأية وسيلة، أويتضمن بعض الشروط لحل المشكلة القومية في تركيا وهو تدخل في الشؤون الداخلية، في حين تعلن أوساط أخرى أخرى عن ضرورة مغادرة ميليشيات حزب العمال الكردستاني وكل الميليشيات الأجنبية ومن ضمنها ميليشيات مجاهدي خلق الإيرانية الأراضي العراقية. أما إقليمياً فهناك ما يثير الدهشة البالغة والريبة والعجب من تصريح رئيس الجمهورية السورية بشار الأسد والتي يعلن مباركته للإجتياح التركي للعراق في سابقة خطيرة لرئيس دولة عضوة في جامعة الدول العربية، تربطها مع الدول العربية إتفاقية دفاع مشترك ولها إتفاقيات رسمية مع العراق، وترفع شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”!!*.
لا جدال في أن هناك في الشرق الأوسط مشاكل تتعلق بقوميات مضطهدة لم تحل قضيتها، ومنها مظلومية الأرمن في تركيا والفلسطينيين والعرب وغيرهم من القوميات في تركيا وإيران، وأخيراً المشكلة المزمنة لمظلومية الكورد الذين توزعوا على عدد من دول المنطقة، وحرموا من أبسط حقوقهم الإنسانية وتعرضوا لأنماط بشعة من القمع والتهميش، إلى أن توفرت لهم الفرصة بعد سقوط النظام البائد أخيراً في العراق، حيث شرعوا بممارسة حقوق لم يحلموا بها في السابق وبعد أن تعرضوا لبطش السلاح الكيمياوي والمعاناة الطويلة الأمد على يد الحكومات العراقية المتعاقبة. وتطرح الأزمة الراهنة دروس عديدة ينبغي الإشارة لها:
اولاً: إن طموح الكورد المشروع لتوحيد كل أصقاع كوردستان وإنشاء دولتهم، هو حلم وحق للكورد، ولكنه غير قابل للتحقيق في الأمد القريب في ظل التوازنات الإقليمية والعالمية. فهذا الحلم والحق المشروع يرتبط بالأساس بمصير الديمقراطية في كل بلد من بلدان الشرق الأوسط، وهو أمر يعترف به غالبية القادة الكورد في العراق. ومن هنا فإن مسعى البعض من القوميين الكورد بتحويل أية بقعة من بقاع كوردستان إلى قاعدة لتحقيق حقوق الكورد في بقعة أخرى من هذه البقاع هو ضرب من الخيال وقفز على الواقع. إنها تكرار لدروس فاشلة مارسها القوميون العرب وأدت إلى ضياع كل فلسطين وتدمير كل بلدان الطوق. كما فشل كل من رفع شعار تحرير فلسطين بالنيابة عن الشعب الفلسطيني وتحت شعار الأمة الواحدة والوطن الواحد وما تعنيه هذه الشعارات من ممارسات على أرض الواقع ألحقت الضرر بالقضية القومية ذاتها ودمرت دول عربية بكاملها. كما فشلت تجربة تحويل كوردستان إيران في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي إلى قاعدة لتحقيق الحقوق القومية للكورد في العراق وغير العراق بعد أن أضطر الإتحاد السوفييتي إلى سحب دعمه للكيان الكوردي في مهاباد. وبدى واضحاً لكل من يحرص على مصلحة الكورد هو إن الحصول على هذه الحقوق يرتبط إرتباطاً مباشراً بالنضال العام المشترك الذي يخوضه العراقيون أو الإيرانيون أو الأتراك، وبضمنهم الكورد، من أجل إقامة دولة ديمقراطية عصرية خالية من التمييز العرقي والمذهبي في هذه البلدان، والتي توفر الضمانات لممارسة كل القوميات والأديان حقوقها المشروعة في الدول المعترف بها دولياً.
ثانياً: إن اللجوء إلى الكفاح المسلح للأمم المضطهدة لا يعني بأي حال من الأحوال تبرير ممارسة أساليب إرهابية غوغائية على غرار الألوية الحمراء والعصابات الماوية وعصابات التطرف الديني الجارية على أشدها في بلداننا الآن. فالكفاح من أجل الحقوق هو ممارسة أخلاقية لا تعني بأي حال من الأحوال قتل الأبرياء وتدمير البنى التحتية وإعمال الإرهاب وتجهيل الشعب وتحويل الزعيم القومي أو الديني إلى صنم يعبده أعضاء الحزب وينفذون إرادته بصورة عمياء. إن الحركة القومية الكوردية المسلحة والحركات المسلحة اليسارية المعارضة في العراق قبل إنهيار الديكتاتورية في عام 2003 لم تلجأ إلى السيارات المفخخة و الخطف، ولا إلى تفجير المنتجعات السياحية و المواقع المدنية و قطع الكهرباء والماء وأنابيب النفط، ولم تنهب الناس وتأخذ الخاوات منهم. ولهذا السبب كسبت الحركة القومية الكوردية العراقية تعاطف وإحترام دائرة واسعة من العراقيين من القوميات الأخرى. وخلاف ذلك نراه في ممارسات قيادة حزب العمال الكردستاني في تركيا. فهذا الحزب رفع شعار الدفاع عن قومية مظلومة، إلا أنه في الممارسة كان حزباً فوضوياً إرهابياً مارس أقطابه عمليات قتل المئات من الكورد في سوريا والعراق وتركيا بسبب عدم خضوعهم لإبتزازاته وعنترياته وعدم إستعدادهم لدفع الآتاوات. وقام هذا الحزب بعمليات إرهابية ضد الأتراك الأبرياء والأجانب من السواح على الأراضي التركية، وتدخل في الشؤون الداخلية للعراق، وكان طرفاً في النزاعات ضد الأطراف الكوردية العراقية. كما تحول هذا الحزب إلى أداة بيد المخابرات السورية لتنفيذ مآربها إلى أن فرط العقد بينهما، ناهيك عن العلاقات مع مخابرات صدام. فأين هذه الأعمال من القضية المشروعة للكورد في تركيا؟؟.
ثالثاً: إن مثل هذه التيارات الفوضوية هي، برغم ظاهرها الذي يتسم بالإنضباط الحديدي والسرية التامة، إلاّ أنها منظمات قابلة للإختراق من قبل دوائر مخابراتية خارجية تستغل تطرفها القومي لزجها في عمليات لا علاقة لها بمهمة الدفاع عن القومية المضطهدة. فقد إستُخدم العديد من التيارات الفوضوية، من على شاكلة حزب العمال الكردستاني، على النطاق العالمي لهذا الغرض. ولنا في شبيهات هذه المنظمات، والتي تحمل شعارات دينية متطرفة أو قومية في العراق حالياً خير مثال على ذلك. ولذا فإن الأفعال غير المثمرة والعبثية لا بد وأنها تدخل في مخطط أوسع هدفه المزيد من الإضطراب في منطقة تشتعل النار فيها من جميع الأطراف، سواء لتحقيق أهداف إقليمية أو أهداف تركية بحتة.
رابعاً: إن أي مراقب محايد لما يجري في تركية، يدرك بأن هناك صراعاً حاداً بين النخبة العسكرية المتطرفة المعروفة بإنقلاباتها المتكررة ضد أي مسعى لإحلال الديمقراطية في البلاد وبين بذور الديمقراطية التي يراد لها أن تستتب فيه. وقد حققت الديمقراطية التركية الوليدة قدراً من النجاح دون أن تترسخ كلياً وذلك بفضل نضال الشعب التركي بكل فئاته وبضمنهم الكورد. وهكذا تسنى للحركة القومية الكوردية أن تنجح في إنتخاب أكثر من 20 من ممثليها إلى مقاعد البرلمان التركي في سابقة لم تحدث في تركيا خلال كل تاريخها، حيث لم يكن مسموحاً الحديث عن الكورد ولا حتى السماح لهم بإرتداء ملابسهم القومية.وبدلاً من إستغلال هذه البدايات الديمقراطية وتطويرها، وقد أيدها حتى عبدالله أوجلان في سجنه وليس عندما كان خارجه، يذهب أقطاب متطرفون في حزب العمال الكردستاني إلى البندقية والعنف الذي لم يحقق أي من أهداف الكورد في تركيا وغيرها. إن عبادة البندقية لدى البعض وثقافة العنف أضحت “بزنس” وليس مظهر من مظاهر الصراع السياسي المشروع، تماماً كما يحدث في العراق الآن حيث أصبحت البندقية والتفخيخات مصدر مالي لبعض العصابات التي تتستر بشعارات دينية وقومية. فهل سلوك حزب العمال الكردستاني الراهن يصب في صالح العسكر الأتراك الذين يهمهم إشعال النار كي يستعيدوا سطوتهم على الحياة السياسية في تركيا من جديد؟ وهنا يتحول حزب العمال الكردستاني، شاء أم أبى، إلى أداة بيد العسكر لتحقيق أغراضهم. وهو بذلك يدمر كل ما كسبته الحركة القومية الكوردية من مكاسب خلال العقدين المنصرمين، وبفعل الضغط الأوربي والدولي أيضاً. وحسناً فعل وزير الخارجية العراقي السيد هوشيار الزيباري عندما أعلن في تصريح له حول ضرورة خروج ميليشيات حزب العمال الكردستاني من الأراضي العراقية. فالمشكلة القومية الكوردية في تركيا لا تحل من الأراضي العراقية ولا من جبل قنديل العراقي، ولم تحل في السابق من معسكرات هذا الحزب في سوريا ولبنان، ولا تحل من مجندين شباب عراقيين وسوريين كورد وأحياناً بالإكراه، بل تحل على الأراضي التركية وبالتحالف مع القوى الديمقراطية التركية وبدون اللجوء الى قعقعة السلاح والغدارات بل عبر النضال السياسي ضمن الأوضاع الملموسة الراهنة في تركيا، وهو ما أكده رئيس الجمهورية العراقية السيد جلال الطالباني.
خامساً:إن أكثر ما يثير القلق أن تتحول الأزمة الراهنة إلى مواجهات قومية تركية كوردية وإثارة نعرات الكراهية بينهما في العراق وغيره، وليست أزمة سياسية حول قضية تركية داخلية بحتة. ويخشى أن تتحول أطراف عراقية كوردية أو تركمانية الى وكلاء أما لحزب العمال الكردستاني أو للحكومة التركية، بحيث تتحول الأزمة إلى خصومات بين قوميتين عراقيتين تسود علاقاتهما قدراً من الإشكالية، مما يزيد الصراع الداخلي في العراق حدة وخطورة. إن من يطالع التعليقات المختلفة لوكلاء الطرفين المتنازعين من العراقيين على مواقع الإنترنت أو في الصحف يصيبه الهلع من هذا النفخ في أبواق النزاع العدواني العرقي والتطرف القومي الذي يطغى عليها بعيداً عن روح التسامح والتعايش، وتحويل قضية ليس للعراقيين يد فيها أو دور إلى مشكلة عراقية. كما إن من يقرأ بعض المقالات ينتابه هاجس أن بعض الكتاب قد تحول بالفعل إلى أفراد في الجندرمة التركية أو مسلحين في ميليشيات حزب العمال الكردستاني، ولا يعتبرون أنفسهم كعراقيين يهمهم إستقرار العراق وخروجه من دوامة العنف والرعب المسلطة عليه.
سادساً: من صميم المصلحة الوطنية للعراقيين أن يتم تفادي إندلاع الحريق بين البلدين، فلا يوجد رابح من جنون العنف، بل سيخسر الجميع وأولهم الكرد العراقيين الذي حصلوا على مكتسبات هامة على طريق تحررهم القومي، وهو أكبر دعم معنوي للحركة القومية في البلدان التي مازال الكورد فيها يتعرضون إلى التمييز والعسف. ينيغي لجم تصاعد التطرف القومي من الجانبين. نعم للتضامن مع المضطهدين وإحتضانهم كلاجئين معززين في بلادنا، ولكن لا لتحويل العراق إلى قاعدة للمغامرين القوميين المتطرفين من أي لون، والذين يتدخلون في شؤوننا الداخلية ويُدخلون العراق في دائرة المغامرات العسكرية وآتون حرب مدمرة. فالعراق الغارق في الدم لا يتحمل مصادر جديدة لنزف الدماء والدمار. كما ينبغي أن يدرك الجميع إن الأزمة القائمة الآن تخص العراق كله ولا تخص إقليم كردستان فقط. ولذا فإن معالجة الأزمة، كإعلان الحرب أو حتى التصدي لأي عدوان خارجي، هي من مسؤولية الحكومة الإتحادية المتمثلة فيها كل أطياف الشعب العراقي وعلى أن يحظى بموافقة البرلمان العراقي بإعتباره أعلى سلطة في البلاد، وليس من مسؤولية إقليم أو رئيسه أو محافظ من محافظات البلاد حسب الدستور العراقي، الذي حظي بموافقة غالبية العراقيين وبضمنهم إقليم كردستان.
21/10/2007
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* حزب العمال الكردستاني تأسس على الأراضي السورية وبدعم مادي وعسكري من المخابرات السورية وفتحت له معسكرات كبيرة على الأراضي السورية واللبنانية، إلى أن أنفجرت الأزمة بين تركيا وسوريا وتراجعت الحكومة السورية عن موقفها الداعم لحزب العمال الكردستاني، وسهّلت سوريا على تركية تسليم زعيم الحزب أوجلان إلى السلطات التركية.