الرئيسية » مقالات » فصول من تاريخ المسرح العراقي

فصول من تاريخ المسرح العراقي

لما كان اصل المسرح الاغريقي هو الاناشيد الدينية والرقصات الديونوسية الصاخبة ، فأن مثل هذا الاصل الاحتفالي ( كخامة) نجدها عند كل التجمعات المدنية في العالم .

و كل التجمعات البشرية بدون استثناء تملك اناشيدها وتراتيلها التي ترفعها الى آلهتها لتستدرعطفها وبركنها ، بطقوسها الخاصة ، وتؤدي كل منها رقصاتها التعبدية المهرجانية التي تتميز بها عن غيرها ، لكنها ليست جميعا كاليونان تمكنت من ان تدفع بممارساتها الطقسية الى الامام ، وتخلق منها المسرح .

ان مناطق عديدة من العالم عريقة في التمدن ، وتمتلك حضارات اصيلة ، كالصين والهند ( كنموذج ) ، بنت مسرحا لها ، مختلف في قواعد ه وبنيته عن المسرح الارسطي ، الا ان تطور هذا المسارح قد تعثر انتشاره اجتماعيا منذ البدايات بالأنقطاع القسري عنه بسبب اكتساحات الامبراطوريات الايمانية الفتية لها ، لقد كانت هذه الامبراطوريات الطموحة تغزوها وهي تحمل رايات والوية الديانات التوحيدية لنشر( المسيحية ومن بعدها الاسلام )، لقد هيمنت بالكامل، وفرضت آيدولوجيتها التوحيدية الشمولية بصرامةعلى جميع المظاهروالتقاليد والعادات الاجتماعية القديمة لشعوب هذه المناطق .

كانت هذه البلدان قبل خضوعها للامبراطوريات العظيمة هذه ، قد شرعت تخطوا بشكل منفصل وحثيث نحو بناء مسارحها القومية المختلفة عن شكل وبنية المسرح اليوناني الذي سبقها في التبلوربفترة زمنية قصيرة ، بعد ان توفرت لهذه البلدان ، بدايات ظروف مشابهة ودخلت في ما يشبه كثيرا ، بواكير بدايات المسرح اليوناني . أي تخلصت من بناية المعبد وهيمنة الطقس الديني .

في الصين نشأ المسرح في فترة الاسرة (تانغ 612- 906 م) عندما ظهرت لاول مرة المسرحيات الصينية المكتوبة المستقات من الاساطير ، والممزوجة بالاغاني والرقصات والحكم القديمة ، بالتلازم مع ظهور كونفوشيوس وانتشار فلسفته ومذهبه في المنطقة برمتها .

وفي عهد ( الامبراطور مينغ وانغ – 720 م ) تعاظمت اهمية المسرح في الصين بحيث تأسست فيها مدرسة خاصة للتمثيل ( الكلية الامبراطورية للدراما ) لتعليم الفتيات والفتيان الرقص التقليدي والغناء والتمثيل لامتاع النبلاء ( 1 ) وقد حضيت في هذه الفترة بالرعاية والتشجيع الأمبراطوري الواسع .

الا ان هذا الاجلال والتقدير للمسرح والعاملين في الصين لم يبق ثابتا ، أذ خضعت فيما بعد لتأثيرات ثقافة العصر الوسيط ومفهومها السلبي عن المسرح الذي بدأ مع تفتت الامبراطورية الرومانية الهيلينية واعتناق خلفهم (في قستنطينية وروما ) المسيحية ، وفيما بعد واصلت الامبراطورية الاسلامية نفس نهج روما المسيحية ، وكلتا الامبراطوريتين كانتا على تطابق تام في اتفاقهما على مناوئة المسرح من منطلق ديني واخلاقي مشترك

و اعتبرالمسرح في قصيدة صينية ظهرت في هذه الفترة بأنه (فن نجس) لاسباب اخلاقية ، وقضى مرسوم امبراطوري قانوني قديم فيما بعد ، بأن لايسمح لنسل الممثل بحضورتحقيقات ومحاكمات قضائية حتى الجيل الثالث ، أي عندما تمحى وصمة عارميلاده تماما ( 3 )

والمسرح الصيني ، بدأ مسرح للنخبة ، انتقل من المعبد الى قصور الاباطرة ونبلاء الصين ، ثم الى الدورالراقية المخصصة لشرب الشاي ، التي كان يرتادها علية القوم.

وقد تركت الصين للعالم كنزا من المسرحيات المثبتة في المعاجم باعتبارها من روائع المسرح العالمي ، من هذه المسرحيات ، مسرحية ( احزان هان ) ومسرحية ( دائرة الطباشير )

قي نفس فترة ظهور المسرح في الصين ، الذي كان له الاثر العميق فيما بعد على نشوء مسرح ( النو، والكابوكي الياباني) ، كان هناك مسرحا مختلفا آخر يتشكل في الهند ، بعد ولادة بوذا وانتشار تعاليمه الفلسفية ، هذا المسرح هو جمع لخليط اغاني الديانة الهندوسية القديمة بأصولها الكلاسيكية ، والفلسفة البوذية الاحدث ، والرقص الرمزي المقدس في المعابد الهندية المختلفة .

تعتمد المسرحية الهندية بشكل كامل على الغناء والرقص التعبيري ، وتهتم بدرجة كبيرة برشاقة الحركات واللغة الرمزية للجسد ، وتفرط في أستخدام التعا بيرالايمائية القوية للوجه و حركات اليدين .

وقد ساعد في ظهور المسرحية في الهند امتلاكها لملحمتين عظيمتين مكتوبتين هما ، رامايانا و مهابهارا، اللتان تم تأليفهما في القرنيين الخامس والثاني قبل الميلاد ، وتحولت الى عروض مسرحية بعد ان تركت المعبد و أنتقلت الى القصور لتسلية المهراجات من أمراء ونخبة اقطاعيي الهند في حوالي عام ( 320 ق.م ).

وقد انتجت الهند وهي في اوج أزدهار نشاطها المسرحي في القرنيين الرابع والخامس الميلادي ، رائعتين غالبا ما تصنف في المعاجم المسرحية بأعتبارهما من الروائع العالمية العظيمة ، والمسرحيتان هما ، (عربة الصلصال الصغيرة ) و( شاكونتالا ).

وقد توقف ازدهار المسرح الهندي بعد الغزوات الاسلامية لاجزاء واسعة من الهند ، واختفى تقريبا بتحريمه في 1000.م،ولم ينهض من جديد الا بعد تراجع وانحسار سيطرة الامبراطورية الاسلامية تماماعن اراضيها.

ان هذا الاستعراض الخاطف لنشوء وتطور المسرح في الصين والهند ، قصدت منه ألقاء الضوء على حقيقة ان تأثيرظهور المسرح في اليونان كان كبيرا على الثقافة العالمية عموما ، لاسيما بعد ان أخضعت امبراطورية الاسكندرالكبير الشرق والعالم القديم كله لها ، فالأسكندر كما هو معروف كان يحرص على ان يبني المسارح اليونانية في كل مدينة جديدة يحتلها ، ان النشر الواسع لبناء المسرح على الطراز اليوناني في مختلف مناطق العالم ، ساعد كثيرا في تسهيل نعميم عناصر الثقافة اليونانية في العالم فيما بعد ، و قامت شعوب المناطق التي اصبحت خاضعة للامبراطورية اليونانية بتبني فكرة الاحتفال المسرحي الوافد مع الثقافة المنتصرة .

ان حملات الاسكندرالعسكريةعلى الشرق لاخضاعها ، لم تجر بواسطة الوسائل الحربية فقط ، بل رافقها تنوير واسع للعقل القديم في العالم ، فقد بنى في مدينة الاسكندرية المصرية اكبر مكتبة معروفة في ذلك الوقت ، اهتمت بجمع وترجمة التراث الانساني في المنطقة ، وكان يرافقه في حملاته الفنانون والشعراء والمبدعون ، وخيرة فلاسفة اليونان في زمانه ، كأفلاطون على سبيل المثال .

وقد مرت مراحل نشوء هذه المسارح ، بمعوقات جدية حدت كثيرا من تطورها الطبيعي المتدرج ، وتعرضت لانقطاعات طويلة قبل ان تصل الينا اليوم بشكلها الكلاسيكي الذي لم يتغير كثيرا .

من هذه المعوقات:-

1- اللغة المحكية التي تعتمدها المسرحيات في هذه المناطق هي لغة مناطقية محدوده غير متداولة عالميا ، رغم ان الصين والهند يشكلان قارة كاملة ، لكن لغاتهما ( الصينية والسنسكريتية ) لم تكن منتشرة ومن اللغات الصعبة قواعديا ونطقا ، وغير مفهومة في اوربا التي كانت نقود آنذاك الحضارة العالمية ، مما حد ومنع من انتشارهما علي رقعة واسعة .

2- الهند والصين ، رغم عظمة دورهما الحضاري والسياسي في العالم القديم ، لم يتمكنا سياسيا من الوصول الى ابعد من السيطرة على أسيا وبعض أجزاء شرق اوربا ، ولم يمتد نفوذهما الى اقصى الغرب عمقا حتى يغطي كل اوربا وسواحل حوض البحرالمتوسط ، لذا بقيت ثقافاتهما محلية تقريبا ، ولم تتمكن من الهيمنة الثقافية العالمية ، على خلاف اليونان التي تمكنت من ذلك منذ عهد الاسكندر

3-الفلسفة بهذه البلدان بقت مكبلة بالاساطير ، والحكمة فيها لا تخرج من افواه البشر ، بل ينطقها انصاف الآلهة والآلهة ،ولم تصل الفلسفة فيها رغم قطعها اشواطا من التقدم الى مرحلة نضوج وانطلاقة الفلسفة نحو الجدلية التاريخية التي وصل اليها اليونان .

4- تبنت هذه المناطق فكرة عرض المسرح من الأخر ، كمثا ل وفد عليها مكتملا على صورة المسرح الاغريقي ، ولم ينبثق منها او يولد فيها ولادة طبيعية ، رغم انها تفاعلت مع فكرة الاحتفال المسرحي بما كان لديها من موروثاتها الثقافية الوطنية ، وطقوس عباداتها المتعددة ،

نخلص الى ان المسرح في العالم ، ان كان على النمط الغالب والمنتشر نمط (المسرح اليوناني) ، او كان على الانماط والاشكال الاخرى ( الصين والهند ) التي ما هي في الواقع ، الا صدى متنوع للمسرح الاغريقي الاول من حيث الجوهر ، اعتمد على تقاليد الطقس التعبدي الوطني في بنيته ،( رقص وانشاد كورس المعبد) ،

السؤال هنا ، لماذا لم يكن للعراقيين مسرحهم ، كحال الصين والهند…؟

ان الجواب على هذاالسؤال يجبرنا على مراجعة وفحص و تقليب ما نملك اليوم من موروث شعبي عراقي حي ، في العادات والأخلاق ، والعودة الى الطقوس التعبدية الاحتفالية القديمة ، وعلاقتنا بالفنون من الرقص والغناء والترتيل الديني،وطرق التلاوة وقص الملاحم والحكايات،التي من المحتمل ان تشكل هذه العناصر جذر واصل مسرح قديم كنا نملكه فعلا واختفى دون ان يترك ورائه اثرا …؟ ، الاحتمال ضعيف جدا ، ويبقى رجم في الغيب ، ونوع من التمني .

يعتبرسكان وادي الرافدين من الاوائل الذين استخدموا الادوات الموسيقية الايقاعية المختلفة لضبط نبض حركة الاشياء فيما حولهم ،واعتبرواالأنغام والموسيقي ، ما هي الا صدى وانعكاس ارضي لهارموني وانسجام حركة الكون المعقدة ، بما يحويه من كواكب ونجوم واقمار .

ففي العشرات من الرسوم والمنحوتات ونقوش الاختام الاسطوانية وأواني النذور التي تعود الى الفترة السومرية ، والفترات التي تلتها (1) يظهر فيها رجال الى جانب العساكرالمدججين بالسلاح ،وهم يحملون الآلات الموسيقية ويعزفون عليها لشحذ الهمم ورفع معنويات المحاربين وبث روح الشجاعة ،

وبعض هذه الرسوم تظهر رعاة وهم يعزفون على ناي او مزمار بينما الماشية ترعى منتشية باللحن في المرج.

و كثيرمن هذه الرسوم والنقوش تظهر فيها نساء في حركات راقصة ، وايضا نساء ورجال يعزفون على آلات موسيقية ، كالطبل ، والطبلات الصغيرة ، والصنوج ، والمزامير ، وآلات القيثارة والربابة والعود ( وكلها تستخدم على حالها الذي ظهرت في الرسوم لحد اليوم )

فالآلة الموسيقية عند قدماء العراقيين لعلاقتها بنبض وايقاع الكون والفلك ، كانت مقدسة ومعظمة لاتدخل المعبد الا بعد ان تطهر بتلاوة التعاويذ الطويلة الخاصة بهذه الآلة ، وكانت ترافق عملية صنع الالة الموسيقية التي يعتقد ان الآلهة صنعتها لأول مرة ، سلسلة من الطقوس الدينية تؤدى بصرامة حتى تكون الآلة جديرة بأن تصبح من مقتنيات المعبد ، وكان يخصص للعزف على هذه الآلات في الاحتفالات الدينية كهنة من الطبقة العليا .

وعندما نتوقف عند الرقص التعبدي المقدس ،من ضروري ان ننتبه الى ان من كان يقوم به هن الكاهنات، يسمًين ايضا (بالبغايا المقدسات ) و لم يكُنََ من المنبوذات اجتماعيا ، بمعنى أن مفهومهم عن هذه المهنة مختلف عن مفهومنا عنها اليوم ، بل ان الكاهنة البغي كانت تشغل مكانة اجتماعية سامية و محترمة ، وكثير منهن ينحدرن من عوائل وأسرمرموقة وبنات حكام وملوك نذرن للخدمة في المعبد وهن صغيرات في السن ، ويعتبر البغاء في العراق القديم في الحالة هذه فقط ، مهنة مقدسة ومشرفة لمن تقوم بها ،لارتباطها بفكرة الخصب و الآلهة عشتار التي تختار في كل عام من بين جمهرة كاهنات المعبد من هي الجديرة بأن تتقمص جسدها في الربيع لأداء الطقس الجنسي الرمزي الذي يتم مع الملك الذي بدوره قد حل بجسده الأله ( تموز ) .

كن يؤدين ايضا الى جانب طقوس الخصب هذه ، ترتيل ألأناشيد والرقص التعبدي المتنوع الاشكال. الذي لانعرف بدقة الى هذا اليوم طريقة أداء هذا الرقص ، الا أن هناك تقديرات مستخلصة من دراسة حركة الأجساد في الرسوم والمنحوتات ، وتأمل عادات الرقص الشعبي الاصيلة والمتداولة لحد اليوم في المناطق التي عاش فيها السومريون .

ولو تأملنا المنحوتات السومرية القديمة التي تمثل الآلهةعشتار، لاسيما الدمى الفخارية الصغيرة منها ، لوجدناها تصورعلى شكل امرأة باوراك عريضة واثداء ممتلئة كبيرة ، تشبه الى حد كبيرالمنحوتات التي تمثل آلآلهة(الأم الارض) عند الحيثيين الذين سكنو اعالي الفرات .

ان تركيز المثََال الرافديني القديم عند نحته لآلهة الخصب في ابراز منطقتين من جسم الآلهة فقط ، الورك والاثداء بشكل مبالغ فيه للدلالة الرمزية الواضحة ، لابد ان تكون حركات الرقصات التي تخص هذه الآلهة تركز ايضا على استخدام وتحريك هاتين المنطقتين ( الصدر والاوراك ) ، ولربما ان الرقص الشرقي الذي تؤديه المرأة اليوم هو امتداد لصورة الرقصات المغرية التي كانت تؤديها الكاهنة في احتفالات الخصب القديمة (عند السومريين والحيثيين ) على حد سواء .

ان طريقة الرقص الخاصة بالنساء الريفيات المنتشرة في جنوب عراق اليوم التي منها رقصة ( الهجع ) المنسوب طوراغنيتها الشهيرة للفنانة زهور حسين ، تحتفظ بالكثير من بقايا عناصر واصول رقص الكاهنات السومريات .

نجد هنا الراقصة اضافة الى هز الوركين والأكتاف ، تحل شعرها وتطوح به في الهواء من حولها يمينا ويسارا بشكل عنيف على ايقاع الطبلة الجلدية ( الدنبك ) ، ثم تثني ركبتيها لتقترب من الأرض وتبرك لتسدل عليه شعرها وتمسح الارض به فيما حولها برفق، ثم تنهض وهي تركل الارض بقدميها بقوة ، وتعيد هذه الحركة اكثر من مرة ، كأنما تريد من هذه الركلة المتكررة بألحاح ، ايقاظ الأرض النائمة من سباتها الذي استمرطوال فصل الشتاء .

فهذه الحركات كما هو واضح لاتخرج عن بعدها الاحتفالي الطقسي في عملية حث الارض حتى تفك اسار تموزمن العالم السفلي ، ليعود الى الارض وينبت الزرع الاخضرمن جديد .

ان مثا ل رقصة الجنوبيات هذه في العراق ، تنسحب على جميع الرقصات الشعبية الاخرى المتداولة حتى هذا اليوم في العراق ،( كرقصة الجوبي ( 4 ) بأنواعها ( يؤديها الجنسين بشكل مختلط كل من الاكراد والارمن والآثوريين واليزيدين والتركمان والكلدان وغيرهم ، ويوديها العرب بالرجال فقط )، ورقصة ( الساس) العربية ( 5 ) …. وغيرها. ترتبط جميعا بشدة بأصولها الدينية والمثولوجيات الرافدينية القديمة ، و ترمز بالاساس للحركة والحياة والخلق والخصب وطرد الارواح الشريرة ، تذكرنا بأحداث قصة الخليقة ، وانتصار ألألة مردوخ على العمى والظلام الآلهة ( تيامت).

ان جميع الرقصات الشعبية الرافدينية ما هي الا محاكاة رمزية للحركة الاولى التي كانت في بداية خلق الكون ، والدبكة ذات الحركة الدائرية بأنواعها ، شديدة الارتباط بالمثولوجيات الدينية التي تقوم على اساس الدوران حول المكان المقدس لاستدرار البركة ، وهذه الحركة نلاحظها اليوم عند المسلمين وهم يؤدون مراسيم الحج السنوي في مكة المكرمة أو ، عند زيارتهم لاضرحة الاولياء والاماكن الدينية ، وهي محاكاة لحركة الكواكب والنجوم ، وقد تكون تعني التخلص من السحر ورسم منطقة دائرية مقدسة تعطي الحماية ، قد تكون رمزا لحدود ارض الله الخالية من الشيطان والشر ، او نقلا لدائرة الفلك السماوية على الارض .

فالدبكة التي يؤديها البدوي من الرحل تعتمد على هز الاكتاف قليلا والتمايل بخيلاء عند تحريك الرجلين وعدم رفعها الا قليلا عن الارض ، والسرحان في الرقص على مساحة واسعة من الخلاء ، يحرك الرجلين الى الامام والى الخلف كأنه يسرح ويطوف مع الماشية ، أنه تعبير عن عادة التنقل الرعوية .

اما الدبكة التي يؤديها الجبليون او الفلاحون فتختلف في حركاتها عن رقصة البدوي ، بالقفز المنتظم والعنيف على الارض كانه يربت عليها لاستدرار عطفها في أستنبات البذور ونمو الزرع ، وضرب الارض بالاقدام بقوة يهدف الى ابعاد الارواح الشريرة منها (6 ).

ويلازم احتفالات العراقيين بالافراح والاحزان نحر الذبائح ، واذا كان هنا الرقص مترافقا مع التضحية والذبح فانه تعبيرعن الذبيحة الاولى ( تيامت ) التي لولاها لما نشأ الكون .

ان جميع هذه التفسيرات لحركات رقصة الدبكة والاحتفالات الشعبية بانواعها، والتفسيرات الكثيرة الاخرى حولها ، لاتخرج من نطاق اعتبار أصلها المطلق الاول مقدس ، وطقس حي مستمر من زمن سحيق .

مع هذا لم يظهر على اساس ماتقدم من ما نملك من تراث فني و درامي وملحمي عظيم ، مسرح عراقي .

السبب يعود الى الانقطاع التعسفي الرسمي الطويل والتام عن الجذور، الانقطاع الذي دام الى اكثر من الف وخمسمائة سنة ،( يبدأمن الفتح الاسلامي ولحد هذا اليوم ).

تمت في هذه الفترة بنجاح اعادة صياغة جديدة للعقل العراقي المنغلق على الايمان الروحي الساكن والثقافة والشخصية المتحفظة والمتزمتة للفكر الشمولي ، وتحريم كل ما لايمت ويتعارض مع هذا الفكر ، فالعراقي اليوم يخيل اليه كأنما قد ولد في عام الفتح الاسلامي ، وتأريخه يبدأ من هذا العام ، كأنه لم يكن موجودا قبلها ، اوالعالم والخليقة برمتها لم تكن موجودة أصلا قبل هذا التاريخ ، او كان العالم كله قبل هذا ، تسوده بالمطلق الخطايا والذنوب ، وعلى المؤمن ان يحرم على نفسه الالتفات اليها والتشبه بها ،.

في ظل سيادة فكرالشمولية الواحدية ، التي تحرم وتكفر كل من على سواها ، لايغيب ويموت الابداع والتفكير الحر فحسب ، بل هي ارضية غير ملائمة من المستحيل ان تنبت وتنمو فيها بذرة المسرح ، فشرط المسرح هي الحرية التي توفرها الديمقراطية .

هوامش ومصادر الفصل

1- فن التمثيل الافاق والاعماق – الجزء الاول – (ص136 -141 ) – أدوين ديو ر – ترجمة مركز اللغات والترجمة – اكاديمية الفنون –القاهرة 1998

2- راجع البحث القيم والمفصل للدكتور صبحي انور رشيد ( الموسيقى في العراق القديم )- وزارة الثقافة والاعلام – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 1988 .

3- نفس مصدر ( فن التمثيل الافاق والاعماق) – الجزء الاول – ( ص 137 ) .

4- رقصة ( الدبكة ) بأنواعها .

5- رقصة ( السيف )الذي يستخدم فيها الراقص ادوات الحرب القديمة السيف و( الدركة) الدرع المحمول لاتقاء ضربات الراقص ( المبارز المقابل ) ، واصل الرقصة بدوية .

6- الشحصية في الرقص الشعبي – عوض سعود –مجلة الهدف – دمشق – العدد 1074 – عام 1989