الرئيسية » مقالات » (المتفدرلان) طالباني و بارزاني يجهلان الطريق إلى الناصرية !

(المتفدرلان) طالباني و بارزاني يجهلان الطريق إلى الناصرية !

كشفت التهديدات التركية باجتياح شمال العراق “إقليم كردستان”، لمطاردة و تعقب حزب العمال الكردستاني الذي يشن عمليات عسكرية ضد القوات التركية و يتخذ من جبال كردستان ملاذاً آمنا و منطلقا لشن هجماته، كشفت تلك التهديدات التركية عن حقائق كثيرة بدت واضحة في أجلى صورها و مشوشة في أحيان أخرى، كما تلبست تلك الحقائق بأسئلة مجاب عليها سلفاً من قبل بديهة الفرد العراقي و وعيه تجاه الوضع الراهن !

كان أولها ما صرح به مستشار رئيس الوزراء العراقي سامي العسكري، الذي اعتبر “أن الأكراد لا يتذكرون العراق إلا في وقت الأزمات و المصائب”، و ما أثاره هذا التصريح من ردود فعل حادة و قاسية من رجالات حكومة إقليم كردستان و رجالات الحكومة العراقية المركزية من الكورد، و التي صمت على إثرها سامي العسكري صمتاً مطبقاً غير نادم أو معتذر و في الوقت نفسه غير مؤكد و مدافع عن وجهة نظره التي أبداها في تلك التصريحات، و كعادة الائتلاف و رجالات الشيعة تركوا الرجل يتحمل المواجهة لوحده بغض النظر عن ميلهم أو عدمه من تصريحات العسكري، و هذا ما ذكرنا بالجدل الذي ألجم لسان النائبة مريم الريس أو مستشارة رئيس الوزراء المالكي، حين تجرأت لإبداء وجهة نظر قانونية مفسرة فيها مادة دستورية بشان صلاحيات رئيس الجمهورية أو مجلس الرئاسة العراقي و قالت إنها مجرد “صلاحيات تشريفية” حتى انبرت ضدها سيوف جميع “أشاوس الكلمة و جهابذة الفقه القانوني”.

و بعيداً عن مضمون و مدى صحة ادعاءات سامي العسكري بشان الأكراد، إلا انه أكد مرة أخرى على أنانية الرؤى و قلة حيلة و حرفة رجال “الدولة العراقية”، فبتصريحه هذا أعطى إيحاءا من حيث يدري و لا يدري بأنه مع دولة أجنبية ضد أبناء وطنه و أن وجهة نظر الحكومة المركزية قريبة من وجهة نظر الحكومة التركية أو في أحسن صورها فان حكومته المركزية متململة من تصرفات إقليم كردستان و شامتة على موقفها من تلك التهديدات، و هو ما يعزز روح الانفصال عند الجانب الكردي الذي انتقد بصراحة و على لسان رئيس إقليمه مسعود بارزاني حكومة بغداد بقيادة المالكي و ذلك بقوله “إن حكومة الإقليم غير راضية على تعامل الحكومة المركزية مع التهديدات التركية الأخيرة”.

صحيح أن هناك تحركات حصلت لتطويق الأزمة من الجانب العربي العراقي، فقد توجه نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي إلى تركيا لحلحلة الموضوع، لكن الزيارة كانت في قيمتها الحقيقية مكملة لسلسلة تحركات قام بها الهاشمي مؤخراً منها تفقده للسجون العراقية و طرحه مشاريع المصاهرة الوطنية و لقائه المرجع السيستاني و زيارته العربية السعودية و من ثم تركيا، و في الوقت نفسه مزايدة و منافسة و تعزيزاً و تأكيدا لدوري التصفية و التسقيط الإعلامي بينه و بين رئيس الوزراء المالكي و علاقة الشد و الجذب التي أصبحت اللعبة المفضلة لديهما أمام استمرار مسلسل إراقة الدم العراقي الذي أصبح مملاً أكثر منه مؤلماً!

كما أن ردود فعل رئيس الوزراء المالكي و الناطق باسم الحكومة علي الدباغ كانت ردود فعل دبلوماسية أكثر منها ردود فعل جادة و حقيقية لتطويق الأزمة، و النتيجة باتت واضحة للكرد “لا يؤلم الجرح إلا من به الألم” فأنهم وحدهم من يشعرون بجرحهم و أنهم على يقين بان العرب من سنة و شيعة داخل العراق أبعد ما يكونون معاضدين لأخوتهم الكرد أبناء بلدهم “الواحد” و هذا ما أكدته الأزمة و راح القادة الكرد يتصرفون على أساسه من خلال مؤتمرات صحفية و لقاءات مع قادة الدول و تعبئة جماهيرية فكانوا وحدهم! على الرغم من إصدار قرار تنديد ضد التهديدات التركية من قبل مجلس النواب العراقي الذي فقد مصداقيته أمام الشعب بعد أن أدار معظم نوابه ظهورهم إلى معاناة الوطن و آلام أبنائه، و بات نفاقهم و كذبهم لا ينطلي على بائع “جنبر” و انطبق عليهم قول الشاعر “ثوب الرياء يشفُّ عمّا تحته .. فإذا التحفت به، فانك عاري”.

و بعيداً عن إلقاء التهم أو الوقوف إلى جانب ضد آخر، فالمقصود هو خيار القادة السياسيين الحاليين الذي بات واضحاً في أجلى صوره و هو الخيار الطائفي و العنصري و القومي و بعدهم عن حب ذرات تراب الوطن و عشق نخيله و جباله و صحرائه و عدم وجود رؤيا واضحة عن هؤلاء لزرع المحبة و الارتقاء بهذا البلد الذي بات مرتعاً للحروب و الجهل و الموت و المرض.

و السؤال: كم مرة زار طالباني و بارزاني الناصرية ؟ كم مرة زارا البصرة أو العمارة أو الكوت أو الحلة أو الديوانية أو كربلاء أو النجف من غير لقاءات (المرجعية)، كم مرة زارا الانبار؟
انه سؤال غير موجه للعتب بقدر ما هو موجه لتقصي الحقائق، هل يتحجج القادة الكرد بالوضع الأمني المتردي، و الجواب سؤال آخر، فهل يعرف القادة الكرد بان رؤساء دول عظمى زاروا تلك المحافظات العراقية، فرئيس الوزراء الايطالي زار جنوده في الناصرية و رئيس الوزراء البريطاني زار جنوده في البصرة و الرئيس الأمريكي زار جنوده و العراقيين في الانبار و استدعى رؤسائنا و قادتنا للقائه هناك!

معظم القادة السياسيين من سنة و شيعة زاروا كردستان و عاشوا فيها فترة النضال ضد الدكتاتورية و لحد الآن يزورونها (مفاوضين، مستجمين، منفتحين، متاجرين…) صحيح أن هذا ما فرضته عليهم ظروف القتال و التحالفات السياسية و المناطق الآمنة لكنهم تفقدوا و عرفوا الطريق إلى كردستان، لكن زعماء كردستان لم يبادروا يوماً للتفقد و التعرف على بقية البلاد “المتفدرلين” معها!

و السؤال الآخر: هل وجه عبد العزيز الحكيم أو الجعفري أو المالكي أو زعماء و قادة الأحزاب الشيعية الدعوة إلى القادة الكرد لزيارة الجنوب العراقي و الجلوس في أحد المضايف و أكل الرز العنبر مع اللحم على طريقة “المفطّح” و رشف فناجين من القهوة العربية أو حتى لمجرد التقاط صورة تذكارية تدلل على عمق العلاقة بين أبناء “البلد الواحد”، و هل كان لقادة الشيعة الهاجس الحقيقي للارتقاء بجنوبهم و الترويج له و التعريف بعاداته و تقاليده ؟!

بات راجحاً أن الوطنية ليست هي ما تقود ألسن السياسيين العراقيين إلى التصريح بأنهم ضد مشروع الكونغرس الأمريكي الرامي إلى تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم شيعي و سني و كردي، لكنه النفاق و الضعف الذي سينقلب في اقرب وقت إلى وجه آخر يقرر و يبتعد مؤكداً تجذر الاختلاف و كاشفاً عن عمق الهوة بين أبناء بلاد ما بين النهرين ؟!!