الرئيسية » مقالات » رسائل تلفونية بين المتنبي وحنان عمّان

رسائل تلفونية بين المتنبي وحنان عمّان

أثار المتنبي عجبي إذ عزم على تغيير أساليب إتصالاته بمعبودته الجديدة الصبية الجامعية ( حنان ) . قرر إستخدام جهاز التلفون المحمول [ المو / بايل ] لبث لواعج فؤاده المتفطِّر والمتقد حباً وشغفاً لموضوع غرامه الطارف والطارئ الذي يتخطف الأبصار والبصائر . قال لقد نجح في تأمين خط تلفوني خاص أحمرَ شديد السخونة من طبيعة تلك الخطوط التي تربط بعض رؤساء الدول ببعضهم كما كان يحصل ( وربما لم يزلْ يحصل ) ما بين كرملين موسكو والبيت الأبيض الأمريكي … من أقصى اليسار الجغرافي إلى أقصى يمين الكرة الأرضية . لكنَّ ذلك سيكلفك الكثير من المال يا متنبي !! قال لا عليك ، تساهلْ ، إنسَ موضوع المال والنقود والكلفة والتكاليف . كيف أنسى هذه المسألة أيها العاشق المتصابي وأنت في الهزيع الأخير من سفرة العمر ؟ لا عليك … رشوتُ بعض أعضاء الكونكرس الأمريكي ثم تعاقدتُ ـ كما فعل أياد علاوي ـ مع إحدى شركات الترويج والفبركة والتزييف فأمّنت هذه الأطراف لي خطاً ساخناً خاصاً لا يخضع لرقابة أحد من البشر ولا لأية حكومة في العالم . لم يحصل ذلك من قبلُ يا متنبي !! قال قد حصل ، إستأجروا لي وبمساعدة لوبي خاص جداً قمراً للإتصالات الكونية خاصاً بي يطوي الكرة الأرضية من أعالي السماوات مرّة ً كل تسعين دقيقة . أعجبتني لفظة ( يطوي ) فتذكرت أحد أبيات صاحبي حين قال :

طوى الجزيرة َحتى جاءني خبرٌ
فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ

إنتبه لشرودي المؤقت فتساءل مني أين أنا ؟ لم أزل وسأبقى معك يا شاعر كوفانَ والعراقين ، عراق العرب وعراق العجم . سأظل ُّ معك وبرفقتك ما دمتَ باقياً عاشقاً ثابتاً وفياً للزمرّدة النادرة ( حنان ) . بقائي معك مرتهن ببقائك معها ، فارقتك إنْ فارقتها وخنت صحبتك إنْ خنتها . قال عجيب أمرك يا صديق !! علام هذا الربط المحكم بين علاقتين متفاوتتين مختلفتين من كافة الوجوه ؟ أنت كنتَ وما زلتَ صديقي ورفيق العمر لأكثر من نصف قرن من الزمان ، أما علاقتي الحديثة الأخرى بمعجبة محبة نقية المشاعر بريئة العواطف فتلكم مسألة أخرى . أحبتني إبتداءً شاعراً ناضجاً محترفاً منقطعاً للشعر ، ثم أعجبتها كاتباً هاوياً في نهايات عمري . لملمتني هذه الصبية الصغيرة وجمعت أطرافي … أعني طرفي العمر أوله وأخرياته فكيف لا أجازيها وكيف لا أرد لها الجميل اضعافاً مضاعفة ، كيف ؟ أنت لا تعرف هوس الكبار حين يقعون في الحب ، معك حق ، ولاسيما إذا كان المعشوق الآخر صغير السن يافعاً … إقرأ تأريخ الشعراء والأدباء والفنانين الكبار لتعرف سعة إنتشار هذه الظاهرة … فأنا لست أولهم وسوف لن أكونَ آخرهم . لا تظلمني رجاء ، أنصفْ إذ تحكم . تماديتُ أكثر ، من باب الفضول وليس لإغاضة المتنبي ، فسألته : وما مصير مثل هذه العلاقة وما مآل مثل هذا الغرام الخطير المدوي الذي لا تحتمله عظام رجل مثلك ولا باقي أوضاعه الإجتماعية والصحية ؟ أشرق وجه صاحبي بإبتسامة ٍ الغموضُ فيها أكثر مما فيها من وضوح ثم أخذ يصدح بإنتشاء عجيب :

دع الأقدارَ تفعل ما تشاءُ
وطبْ نفساً إذا حضرَ العشاءُ

أضحكني موقف صاحبي حقاً . كيف يفلح دوماً في التخلص من المواقف المحرجة كأي رجل دبلوماسي محنك عريق في شغلته . إنه إذا ً لا يفكر بالعقبى ولا يبالي بالنتائج النهائية . إنه لا ريبَ على يقين أنَّ نهاياته ليست ببعيدة ولكن ، ماذا عن مصير الصبية الجامعية المراهقة وقد تعلّقت بالمتنبي بكل جوارحها وكل عفتها ومطلق وفائها كما تقول رسائلها له ؟ كيف ستنساه وكيف ستتناسى حنانه عليها وغزله بها وما كتب فيها ولها من طريف الكلام وحلو الألفاظ وعميق المشاعر ؟ الكبير ينسى أو يتناسى أو يشغل نفسه أو يتشاغل فالزمن يمر عليه سريعاً قصيراً خلاف الأمر مع المراهقين والمراهقات والصبيان والصبيات . نسيان من يهوون أمر صعب وشاق وزمنهم يتبقى عميقا ً في قراراتهم إذ يلبث هناك أمداً طويلاً فيتعذبون بحبهم السالف ويشقون ويتمرمرون . تبقى الذكريات ما دام الزمن باقيا ً فالذكرى زمن محسوب وقيمة تتكاثر كلما أطال المحب التفكير به . الزمن محنة يومأ ونقمة يوماً آخر وكان الله والسماء في عون المحبين الصغار … لا يأتيهم العون عادةً من داخل نفوسهم ، ينتظرونه من الخارج ، من العالم الآخر .
كنا نتمشى في بعض شوارع مدينتنا عصرية يوم صيفي مشمس دافئ جميل ففوجئنا بصوت ( موبايل ) المتنبي يؤشر ورود مكالمة له . كنتُ أسمع ما يدور من حوار وكلام بينه وبين الطرف المتكلم الآخر ، برجاء مني :

(( حبيبي ، آسفة لتأخر ردي … كان لديَّ بعض الضيوف من زميلات الجامعة . غادروا فإنصرفت لقراءة رسالتك الألكترونية الأخيرة . لا ملاحظات حول ما كتبتَ لي أو ما نشرتَ عني … أكتبْ ما شئتَ فأنت حياتي وشوقي إليك لا حدودَ له … أشتاق لتقبيلك وسأقبّلك في أي مكان يلذُ لك ويعجبك فأنا لك ملك صرف ٌ وأتقبل منك كل ما تشاء بل وأموت ُ فيك ومن أجلك وأحبك وأتمنى لقاءك حتى أهديك نفسي لتعمل فيَّ ومعي ما يطيب ُ لك . من جهتي أود كثيراً وبإلحاح أن أعرفَ دقائق ما تحب خاصةً حين أكون { في عالم الغيب والإفتراض } في أحضانك أتمتع بجسدك وأتشمم تركيبة هذا الجسد وأقبله هنا وهناك وأسلمك نفسي هديةَ حبي وإخلاصي وصدقي فأنت مَن يرعاني ويدفئني ويمنحني ما عنده ولا يبخل عليَّ بشيء . ليس من حرجٍ بيننا بعد اليوم فأنا قد غدوتَ ملكك الخاص .


حبيبتك حنان ))

إبتعد المتنبي قليلاً عني وشرع يرد على رسالة حنان لكني ما كنتُ قادراً على سماع وتتبع ما كان يقول . هذا شأنه .
عدنا لبيتي لنستريح بعد الجولات التلفونية العلنية والسرية . هو الذي فضّل العودة للبيت على الذهاب إلى المقهى . قال إنه بعد مكالمة ( حنان ) صار يميل للهدوء وبعض العزلة . يريد تمثّل كلام حنان ومعايشته لأطول فترة زمنية ممكنة . هذا هو حال جميع العشاق المعاميد في العالم قديماً وحديثاً وإسألوا الشاعر قيس بن الملوَّح العامري !! لم يكدْ ينهي كأس الشاي الأول حتى أغمض الشاعر العاشق عينيه وغطَّ في نوم عميق . تركني أفكر بحاله وما آل إليه قدره بعد كل هذه العقود من العمر والتجارب وما عرف من بلدان وعمائر ومدائن وما خبر وعاشر من بشر سافلهم وعاليهم ، حقيرهم وأميرهم ، بخيلهم مثل كافور الأخشيدي وسخيهم كسيف الدولة الحمداني . كيف يواجه رجل وحيد غادره شبابه معضلة حب حقيقية لا قِبلَ له بها وقد بلغ من العمر عتيا ؟ ضعفت مناعاته وأجهزتها جميعاً فوجد أن هذا الغرام المفاجئ يداعب أكثر حواسه حساسيةً !! يقترب من مواضع رجولته الآيلة للنضوب . يحرك دواعي المراهقة والشباب الفوّار . يضع شريط حياته الغابرة نُصبَ عينيه . لذا فلقد فقد هذا الشاعر العاشق الرغبة في النوم . غدا النوم عليه عصياً . مهموم ٌ أبداً دائم التفكير في أمور لا يود الإفصاح عنها . هل أستدعي طبيباً يا صديق ؟ سألته بعد أن فتح عينيه وباشر شرب ما تبقى من كأس الشاي البارد الأخير . تباطأ في الإجابة عن سؤالي . كان شديد الحذر بل وما كان قادراً على تحديد موقف من سؤالي . كان محتاراً شديد الذهول والشرود . أشعل سيجارة وحلّق مع دوائر دخانها … غاب فلم أشأ أن أعيد عليه سؤالي السالف . مضى وقت طويل قبل أنْ يفاجئني بالقول : إسمع يا صديق ، سأقرأ عليك رسالتي الجوابية لحنان إنْ سمحت لي الصحة والظروف . أو سأرسلها لك بالبريد الألكتروني
E – MAIL
حال رجوعي إلى بيتي في كوكب مارس ، المريخ . شكرته كثيراً وأعربت له عن رغبتي القوية في الإطلاع على ما يجري بينهما من مكاتبات وغزل ورسائل لاهبة الجمرات . الأصدقاء يحبون حبيبات أصدقائهم .


عدنان الظاهر أكتوبر ‏2007‏‏ .