الرئيسية » مقالات » أبو ظفر.. تدوين مختلف جدا*

أبو ظفر.. تدوين مختلف جدا*

(إلى أم ظفر.. ما تبقى من رماد العائلة)

((خذ هذا الكتاب، أعطيك أسبوعا وأنتظر منك رأيا ما)) كانت هذه كلمات الدكتور محمد بشيشي الظوالم، أبو ظفر، في بداية صيف جميل من سبعينيات القرن الماضي حين كنت، وقتها، أتلمس طريقي في قراءة الأدب وكان الكتاب رواية الأم لمكسيم غوركي التي أنهيتها في ثلاثة أيام لم أتذوق النوم فيها. وبعدها بدأت في استعارة كتب هذا الطبيب الرائع الذي نقل توا إلى مدينتنا الصغيرة والذي بدأ بعلاقة تنظيمية-عائلية مع أبي الذي خبر سجون الوطن وأساليبه الوطنية في التعذيب وأخذ الاعترافات من مواطنيه العزل. من المفارقات التي لا يمكن نسيانها هو أن المكتبة العامة في المدينة لم تكن تبعد أكثر من مئة متر عن بيت أبي ظفر لكني ظللت الطريق إليها غير مرة بنية واضحة لحدسي بقيمة كتب أبي ظفر وقيمة التعليقات التي سأسمعها قبل القراءة وبعدها على حد سواء.

لم تكن مكتبة شخص عادي أبدا بل كانت بوابة لنفق جميل لي ولكثيرين مثلي حاولوا الخروج من الكتب الأيدلوجية نحو عوالم أكثر إنسانية في كتب الأدب والفن لذا كانت مكتبة هذا الطبيب القادم من السماوة نوعا من الحل في مشهد ثقافي-اجتماعي أدرك الثمالة الأيدلوجية وصار يمارسها بلا قصد في كل الاتجاهات والمحاور اليومية. شهدت أبا ظفر يعلن غير مرة لأبي خجله من فتح عيادة خاصة وتقاضي أجور لقاء خدماته الطبية!! تعالوا نراجع تاريخ ممارسة مهنة الطب في العراق كي نجد الرقم القليل جدا من الأطباء الذين ينتمون لقبيلة أبي ظفر الطاعنة في إنسانيتها إلى درجة الاستغناء عن الترف المقترن بممارسة هكذا مهنة والقبول بشظف العيش كجزء من قدر الطبيب في مجتمع أثقلت كاهله أمراض فيزيائية وسوسيلوجية لا علاج لها في أقرب صيدلية مع الأسف. كانت هنالك نكهة غريبة في كتب هذا الطبيب الغريب في كل شيء حتى في علاقته بمرضاه في مدينة صغيرة مثل الدغارة. كان، بلا شك، يحمل حسا إنسانيا استثنائيا في تعامله مع المرضى الفقراء من أبناء المدينة والفقراء القادمين من القرى المنسية على ضفاف الفرات.
تنوعت كتبه بين الواقعية الاشتراكية وبين رومانسيات الأدب الفرنسي والتي لم تخلو من تحريض مباشر على التغيير والثورة. دفعني فضولي البريء وقتها لطرح الكثير من الأسئلة التي كانت محظورة في شهر العسل الجبهوي بين اليسار العراقي وحكومة بدأت تكشر عن أنيابها الحقيقية وكان أبو ظفر يجيب بلا كلل ويعطيني الكتاب تلو الأخر علني أجد أجوبة أكثر دقة في معرفة شيء عن رحلة النواب الطويلة نحو جحيم المنفى مثلا أو عن تفرد أرنستو تشي غيفارا في تحقيق حلمه في بناء دولة لا يموت فيها العمال الفقراء تحت المناجم المنهارة بلا نقابة ونقابيين يشربون الأنخاب على الموائد البرجوازية. لم يكن الرجل يخفي سخطه على الأساليب المستهلكة التي كان يتبعها البعض في بغداد في التنظير الفارغ للطريق اللارأسمالي والدور المحتمل للعراق البعثي ضمن الفلك السوفياتي ولم يثق يوما كما لاحظت، رغم صغر سني، بجزاري الحرس القومي رغم تغير الأسماء والوسائل المتبعة في تدجين الناس وعقولهم التي وصفها يوما أمامي بسلاح لا يستهان به أبدا” في تاريخ البشر.
بعدها بفترة قصيرة، خرجت غيلان الشر من أقبيتها السرية وبدأت حملة مسعورة ضد أبي ورفاقه فهاجر من هاجر واختفى من اختفى ووجدتني في صباح يوم غائم في مديرية الأمن أجيب(تحت الضرب والتعذيب) على أسئلة المحقق الوطني الصنع عن معرفتي بمكان أبي المختفي في وكر ما أو علاقتي التنظيمية بأبي ظفر وهكذا غادر أبو ظفر مدينتنا نحو درب ))أبي علي(( وأحياء الفقراء التي لم تكن يوما مفروشة بالورود لكنها حتما مفروشة بأكاليل المجد الذي تمناه من مارس السلطة بالأمس أو من يمارسها اليوم بطرق فاقت وسائل السيد ميكافيلي.
أبو ظفر معلم أخذ بيدي نحو عالم الأدب وعوالم الكتب الساحرة وهو من علمني طرح الأسئلة فبل القراءة وبعدها لذا أجدني اليوم أحمل الكثير من الامتنان لهذا الطبيب الذي غادر الطب العراقي الرسمي مجبرا وغادر الثقافة العراقية كقارئ ذكي مجبرا إلى العالم السفلي باحثا عن أكسير الخلود كسلفه كلكامش وربما عن أجوبة لم يجدها على الأرض.

* تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة والعشرون لاستشهاد أبي ظفر في كوردستان مع فصائل الأنصار

ينابيع العراق