الرئيسية » اخبار كوردستانية » محللون: أنقرة قد تعطي فرصة أخيرة للدبلوماسية.. لكن صبرها لن يطول

محللون: أنقرة قد تعطي فرصة أخيرة للدبلوماسية.. لكن صبرها لن يطول

لندن : راغدة بهنام
«مقاتلونا قادرون على الصمود في وجه القوات التركية الغازية طالما هم متحصنون في جبال قنديل الشاهقة… الصديقة المخلصة والوحيدة لحزب العمال».. هذا ما قاله خالد راميار القيادي في حزب العمال الكردستاني لـ«الشرق الاوسط».
القصة بدأت قبل عدة أسابيع بهذه العبارات: «فقدان ثلاثة عشر جنديا بعد فقدان اثني عشر مدنيا في أسبوع واحد… أمر محزن للغاية… الحكومة ستجتمع لمناقشة الرد التركي على الهجوم». هذه الكلمات قالها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان تعبيرا عن الغضب التركي اثر هجوم مسلحي حزب العمال الكردستاني على دورية للجيش التركي في اقليم سيرناك جنوب شرقي تركيا مطلع الشهر الحالي.

الرد التركي الذي وعد به أردوغان جاء مدويّا من البرلمان الذي وافق على طلب الحكومة السماح للجيش التركي بعبور الحدود الى شمال العراق للقضاء على مسلحي حزب العمال الكردستاني. ومع ذلك فان تنفيذ التفويض لن يكون وشيكا بالضرورة، كما قال أردوغان اثر صدور القرار. وعلى الرغم من أن حزب العمال الكردستاني واثق من أن الهجوم المتوقع للجيش التركي ليس رد فعل على قتل جنوده بل «محاولة تركية للقضاء على التجربة السياسية القائمة في الجزء الجنوبي من كردستان»، كما أكد راميار، فان السؤال الاهم بعد تفويض البرلمان للجيش هو: هل يقدم الجيش التركي على تنفيذ تهديداته باجتياح شمال العراق بعد حصوله على الضوء الاخضر من البرلمان رغم معارضة حليفة بلاده الولايات المتحدة الاميركية لهكذا اجتياح؟

فالموقف الاميركي هنا واضح: لا للحل العسكري، نعم للحل الديبلوماسي «موقفنا من حزب العمال الكردستاني معروف. نحن نصنفه منظمة ارهابية» كما قال داني سرينبي المستشار الاعلى للاعلام الاقليمي في السفارة الاميركية في لندن في اتصال مع «الشرق الاوسط». لكنه اضاف أن «الطريقة الافضل لمواجهة هذه المنظمة تكون بتعاون تركيا مع جيرانها ومع حكومة العراق التي التزمت مع الادارة الاميركية التصدي للارهاب». فهل تصغي أنقرة الى نداءات حليفتها بالصبر وتقبل بحلّ الامور دبلوماسيا ؟ «النصيحة» الاميركية جاءت في وقت غير مناسب. فالكونغرس الاميركي كان في صدد التصويت على قرار لتسمية المجازر الارمنية في عهد السطلة العثمانية بـ«الابادة الجماعية»، وهو أمر أشبه بـ«وضع الاصبع في عين أنقرة»، كما يقول ديفيد كاتل، المدير التنفيذي في مركز الدراسات التركية في جامعة جورج تاون في واشنطن لـ«الشرق الاوسط». ومن هنا يصعب أن تلقى التهدئة التي تدعو اليها الولايات المتحدة آذانا تركية صاغية. ويقول سرينبي: «أنقرة حليفتنا منذ سنوات وهي عضو في الناتو ونحن نفهم إحباطها ونؤكد لها اننا ملتزمون مواجهة المنظمة الارهابية ولكن عليها حل الامور بالحوار». ويربط البعض بين التصعيد التركي على الحدود العراقية والقرار الذي تقدم به الديمقراطيون الى الكونغرس حول المجازر الارمنية. فكاتل يعتبر أن «توقيت تهديد أنقرة بالدخول الى شمالي العراق ليس عشوائيا ويأتي في وقت تبدو فيه العلاقات الاميركية ـ التركية متوترة». حكومة اقليم كردستان العراق ايضا تخشى أن يكون تلويح أنقرة باجتياح كردستان العراق ردا على الاقتراح الاميركي حول مذابح الارمن. ويقول وزير الثقافة الكردي، فلك الدين كاكه ئي، لـ«الشرق الاوسط» ان «لدى تركيا مشكلة مع الكونغرس الاميركي ونخشى أن يكون ردها عليه اجتياح شمالي العراق». وقرار حكومة اردوغان يثير استغراب كاكه ئي «لانه جاء في وقت تتخذ فيه الحكومة التركية خطوات إيجابية كبيرة تجاه الاكراد»، مشيرا الى الكتلة الكردية في البرلمان التركي والى انفتاح الاتراك أخيرا على السماح للاكراد باستخدام لغتهم وثقافتهم بحرية. الا ان البعض الآخر يرى ان التصعيد التركي كان آتيا حتما وأن تأثير اقتراح الكونغرس على هذا القرار ليس كبيرا. فالخبير في مركز «تشاتم هاوس» للدراسات الدولية فادي حاقورة، يقول إن تركيا عقدت العزم على عدم السكوت على اعتداءات حزب العمال وانها انتظرت خطوات أميركية عملية منذ ما يقارب الثلاث سنوات من دون نتيجة.

ويتفق الخبيران كاتل وحاقورة على أن أنقرة قد تعطي فرصة أخيرة للدبلوماسية ولكن صبرها لن يكون طويلا. ويقول كاتل إن «حظوظ حل الازمة دبلوماسيا ضئيلة لان تركيا لا تؤمن بشراء يوم أو أسبوع أو شهر». حاقورة أيضا يرى ان الاتراك قد ينتظرون أسبوعا أو اثنين واذا لم يظهر خلال هذه الفترة حل جدي ناتج عن ضغط أميركي حقيقي، فان الخيار العسكري سينتصر». وقد تعمد واشنطن الى تنفيس الضغط بسحب قرار التصويت على اعتبار مجازر الارمن «ابادة»، بحسب كاتل، وهو أمر بدأت أصلا ملامحه تظهر خلال الايام الاخيرة بعد تصريح الرئيس الاميركي جورج بوش قال فيه ان هذا القرار لا حاجة له. ولكن هل سيكون كافيا سحب ورقة الارمن من التداول لإيقاف تركيا عن اعتماد الحل العسكري؟ ذلك يبدو مستبعدا. فالربط بين الواقعين قد لا يكون دقيقا، وفي هذه الحالة فان التوقف عن التصويت على اقتراح الحزب الديمقراطي قد لا يجدي نفعا كبيرا. وما قد ينفع هنا، بحسب حاقورة، تحرك أميركي جدي ضد حزب العمال الكردستاني وضغط على الحكومتين العراقية والكردية لتطويق هذا الحزب وتطهير شمالي العراق من أفراده وإيقاف تدفق الاسلحة الى مقاتليه. الا ان هذه الخطوات مستبعدة حسب حاقورة الذي يرى ان واشنطن ليست مستعدة لاتخاذ خطوات ضد الاكراد في العراق لعدة اسباب منها «الشعور السلبي لدى واشنطن تجاه أنقرة بسبب عدم سماح تركيا للقوات الاميركية بالدخول عبر اراضيها الى شمالي العراق في العام 2003. وسبب آخر هو عدم رغبة الولايات المتحدة بفتح جبهات أخرى كون قواتها منشغلة في بغداد، اضافة الى ان الاكراد هم من حلفائها الاساسيين في العراق ومن الذين ساعدوها على اطاحة نظام صدام حسين».

وبحسب الخبير في «تشاتم هاوس» فان تفادي العملية العسكرية يحتاج ـ اضافة الى الجهد الاميركي ـ جهدا من القيادة الكردية وتحديدا الرئيس العراقي جلال طالباني ورئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني. ويقول: «الامر وقف على بارزاني وطالباني وتغيير موقفهما من أن عدم فعل شيء ضد مقاتلي حزب العمال أقل ضررا من فعل شيء… واذا لم يحصل تغيير في تصرفاتهما فان التفاوض لن يؤدي الى نتيجة». إلا ان كاكه ئي يرى ان الضغط على القيادة الكردية لجهة اعتماد حزم اكبر مع حزب العمال محاولة لاثارة قتال كردي ـ كردي، ويقول «هذا ما نحاول تجنبه وما تحاول بعض الاطراف التركية توريطنا به». ويضيف: «نحن لا نزود مقاتلي حزب العمال بالسلاح، فهم قاتلونا أيضا في فترة من الفترات. اما اليوم فنحن في حوار مستمر معهم ولا نكفّ عن التأكيد على وقف اطلاق النار وتجنب اثارة المشاكل ومراعاة وضعنا ووقف النشاطات في الجبال… ولكن الحوار بيننا لا يكفي…».

والحل بالنسبة الى الوزير الكردي ليس بتأليب الاكراد ضد بعضهم، بل «بإجراء حوار ثلاثي الابعاد». ويقول «إن هذا يعني ضرورة اجراء حوار كردي ـ كردي، أي فتح حوار بين الحكومة الكردية وحزب العمال وإقناعه بعدم جدوى الكفاح المسلح واعتماد السياسة بدلا عن ذلك. ويتحدث أيضا عن حوار كردي ـ تركي بعد أن يعلن مقاتلو حزب العمال مرة جديدة وقف اطلاق النار الذي اعلنوه قبل بضعة أشهر من جانب واحد. اضافة الى حوار تركي ـ كردي ـ اميركي يُفعّل من خلال اللجنة الثلاثية الموجودة أصلا». غير ان الحكومة التركية لا تضعي لا الى الحكومة الكردية ولا الى حزب العمال، حسبما يقول كاكه ئي. ويضيف «هي ترفض الحوار معنا على الرغم من أن تغييرا كبيرا حصل في تفكير حزب العمال الكردستاني خلال السنتين الماضيتين. فهو أعلن وقف اطلاق النار وأعلن أيضا استعداده للتفاوض… انا لا أبرئ حزب العمال كليا ولكني أشدد على ضرورة اجراء حوار بين حكومة أربيل وحكومة أنقرة». إذاً يبدو ان الامور، بحسب الخبراء، تتجه نحو ضربة عسكرية تركية لشمالي العراق، والولايات المتحدة لن تتمكن من التصدي لهكذا عملية عند حصولها. ويقول كاتل «الاميركيون سيحاولون منع الاتراك من الدخول دبلوماسيا، واذا فشلوا وبدأت تركيا عمليتها العسكرية فلن يكون بمقدور واشنطن ايقافها…».

والعملية، كما يتوقعها حاقورة، لن تكون كبيرة ولكنها لن تكون صغيرة أيضا. وهو يبني على تصريحات أردوغان والناطق باسمه جميل كجك، ويقول: «الجيش التركي سيكون حذرا في تحركاته وقد يقوم بعملية محدودة لتفادي تعظيم الامور كما حصل مع اسرائيل في حربها على حزب الله اللبناني في الصيف الماضي. وقد يستقدم نحو عشرة الى عشرين ألف جندي ويدخل نحو عشرة الى عشرين كلم داخل الاراضي العراقية، ويترافق ذلك مع قصف جوي لمعاقل حزب العمال الكردستاني في الجبال». ولكن في الجهة المقابلة، في جبال قنديل، فان في مواجهة الجيش التركي مجموعة من المقاتلين يستعدون لاي عمل عسكري. ويقول خالد راميار ان قوات حزب العمال «اتخذت الاستعدادات تامة لمواجهة الهجمات العسكرية التركية المحتملة على معاقل الحزب في المثلث الحدودي وسلاسل جبال قنديل». ويضيف أن «مقاتلي الحزب على استعداد دوما لمواجهة اي عمل عسكري طارئ كونهم في حالة حرب دائمة مع القوات التركية».

أكراد العراق ايضا لن يقبلوا بدخول جيوش غريبة أرضهم، وهو ما يؤكد عليه كاكه ئي بقوله «مقاتلو حزب العمال منتشرون في الجبال الوعرة ولا يمكن الوصول اليهم، والحرب معهم ستكون حرب عصابات. وأتوقع أن يقوم الجيش التركي بقصف جوي لبعض مواقع الحزب النائية. اما اذا قرر التوغل براً فهذا أمر لن نقبل به لا نحن ولا الحكومة العراقية… والشعب الكردي مستعد للمقاومة بحسب امكانياته. نتمنى ألا تقع الحرب لان امكانيات القوات التركية أكبر من امكانيات شعب كردستان العراق ويمكنها بالتالي ان تلحق أذى بنا وبحزب العمال… لكن الضربة العسكرية لن تحل المشكلة لان التجربة أثبتت ذلك».