الرئيسية » مقالات » الدوافع الحقيقية وراء التحرك التركي لاجتياح العراق

الدوافع الحقيقية وراء التحرك التركي لاجتياح العراق

لماذا، الآن تحديدا، تذكرت تركيا أن المتمردين الكورد موجودين في كوردستان العراق وهم يهددن أمنها واستقرارها؟!
المشكلة الكوردية في الشرق الأوسط ليست وليدة الساعة، فهذا الشعب قد تم تقسيمه وتوزيعه بين أربعة دول من حيث الأساس. كان ذلك أوائل القرن العشرين، ومنذ ذلك الوقت وحتى الساعة لم يتوقف نضال الشعب الكوردي من أجل نيل حقوقه، وإن حركة التحرر الوطني الكوردي في ضد تركيا الطورانية بالأمس واليوم ضد تركيا العلمانية لم تتوقف يوما ما، لا في تركيا ولا بباقي الدول التي يتوزع عليها هذا الشعب.
فما الذي تغير اليوم حتى يصل الأمر بتركيا العلمانية أن تعود إلى دستور الطورانية لتحاكم على أساس منه القضية الكوردية وتأخذ قرارات برلمانية بناءا على أساس دستور عنصري؟ فلماذا لم تنتظر مثلا اكتمال كتابة دستورها الجديد الذي ينتظر وضع اللمسات الأخيرة عليه؟ ولماذا لم تستطع حسم قضية الكورد عسكريا في زمن النظام العراقي السابق؟ حيث كانت الحدود العراقية مفتوحة أمامها على مصراعيها، بل وتملك تفويضا من صدام باجتياح العراق وقتما تشاء، وقد فعلتها عدة مرات، لكن لم تستطع أن تقتل متمردا واحدا على الأراضي العراقية، فكل ما فعله الجيش التركي هو قتل وتهجير أبناء القرى الكوردية الآمنة.
لم تستطع تركيا أن تضع نهاية للحركة الكوردية عبر قرن كامل، لذا لابد للمراقب أن يسأل ما الذي استجد اليوم لكي تقرر تركيا إنهاء هذا الوجود بهذا الاجتياح؟ وهل باستطاعتها فعل ذلك؟ وأين يتواجد هؤلاء المتمردون؟ فإذا كانت تركيا تعرف أماكن تواجدهم، فهل هي بحاجة إلى قرار برلماني وهي التي تصول وتجول في كوردستان العراق منذ أكثر من خمسة عشر عام؟
الهدف الحقيقي كما أراه هو تمزيق العراق وليس الهدف كما تدعي تركيا إنهاء المتمردين الذين تعدهم تركيا بخمسة آلاف مع تضخيم الرقم عدة مرات، لذا لابد من العودة إلى صلب الموضوع وهو تحديدا أهداف دول جوار السوء للعراق.
من المؤكد إن دول الجوار قد اتفقت على إفشال النظام الجديد في العراق منذ أن عقدت مؤتمرها الأول بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق، ومن قبل ذلك لم تستطع من خلال جميع محاولاتها إنقاذ النظام رغم خوفها من مغامراته المتهورة، وبناء على قرارات هذا المؤتمر، بعضها كان معلنا وأخرى تم الاتفاق عليها خلف الكواليس، كما وتم توزيع الأدوار بين هذه الدول بالخفاء أيضا، لكن لم يبقى من هذه الاتفاقات والأدوار ما هو خفي على نابه عقل ومراقب سياسي. حيث أن ما فعلته دول الجوار الإقليمي العربي وإيران بات واضحا للعيان ولم يعد باستطاعة أيا من هذه الدول إخفاءه، بل اعتبروه نوعا من الدفاع عن النفس وفق البند السابع للأمم المتحدة والذي يجب أن يكون العمل به قد انتهى بسقوط نظام الشر البعثي.
إن تدخل هذه الدول من خلال أذرعها الطائفية أو العنصرية كان واضحا جدا، والذي لا يخفى على الجميع هو أن العنصريين والطائفيين العراقيين أبدوا استعدادا وانحياز لمصالح دول الجوار التي يدينون لها بالولاء، ولا يخفى على أحد ذلك الحماس الذي أبداه ومازال يبديه بعض العروبيين والطائفيين العراقيين للسماح إلى دول الجوار الإقليمي العربي أو الطائفي بالتدخل في الشأن العراقي بشكل مباشر، حتى إن الأمر تعدى حدود الحماس فدخلت هذه الرغبات في صلب برامجهم السياسية، بل والأنظمة الداخلية لأحزابهم، في حين هذه الأحزاب تشكل أحجار الزوايا للنظام العراقي الجديد، حيث منها تتشكل السلطات الأساسية الثلاث في الدولة العراقية.
تركيا هي الدولة الوحيدة التي لا تمتلك أذرع قوية وطويلة داخل العراق رغم العلاقات التاريخية الطويلة، حيث أن صلاتها العرقية التي تتنكر لولائها العراقي تعتبر ضعيفة وليست ذات تأثير في الحالة السياسية العراقية، خصوصا وإن خصمها الأساسي هو الكورد في كركوك تحديدا، ومن ناحية أخرى رغبتها الجامحة باسترجاع الموصل إلى الدولة العثمانية، وهذه الرغبة تتعارض أيضا مع آخرين، عربا وكورد وكلدوآشوريين وغيرهم من الأقليات العرقية العراقية في تلك المنطقة من العراق، لذا فإن تركيا ليست كغيرها من دول الجوار التي وجدت من يمد لها يد العون لتدمير العراق ونظامه الجديد.
لهذه الأسباب وغيرها ذات طبيعة دولية بقينا نتسائل عما بوسع تركيا أن تفعله لزعزعة الوضع في العراق وما هو الدور المناط بها في زعزعة الوضع العراقي الهش لكي ينتهي بحرب أهلية ومن ثم تقسيم العراق؟ حيث من أهم قرارات مؤتمر دول الجوار هو خلق الذرائع من أجل شرعنة التدخل المباشر في الشأن العراقي، ولا أعتقد أن هناك من يجهل هذه الحقيقة.
لذا بقيت تركيا تراقب وتشارك في مؤتمرات دول الجوار من دون أن يكون لها دور واضح، لكن من خلال مراقبة السلوك التركي نحو العراق، نلاحظ أنها دخلت بالفعل إلى كوردستان بشكل إيجابي كما يبدوا في الظاهر، حيث أن دخولها كان ذو طابع اقتصادي، ولكن لم يكن خافيا على المراقب السياسي، ولا على الإدارة الكوردية، وحتى الحكومة المركزية، من أن هذا الدخول الاقتصادي كان ملغما بنشاط استخباري كثيف.
لعبت تركيا دور حمامة السلام في الظاهر أيضا، على أمل أن تنجح التدخلات الإقليمية بالوصول بالعراق إلى حالة التمزق التام، وربما كان دورها مؤجلا إلى حين تفشل الجهود الإقليمية الأخرى ليكون دخولها آخر الدواء للحالة العراقية والانتهاء منه، وإذا لم يكن الأمر كذلك، من حقنا التساؤل لماذا هذا التوقيت بالذات والعراق يقترب حثيثا من حالة الاستقرار؟
رغم كل الجهود التي قامت بها دول الجوار، بعد أن ضخت مليارات الدولارات لتغذية العنف المسلح في العراق، وجهود الدبلوماسية، وقامت بتسهيل دخول إرهابيو القاعدة للعراق، وزج عناصرها الإستخباراتية للإشراف على عمليات التخريب والقتل وزرع الفتن الطائفية وتجنيد المرتزقة وإصدار الفتاوى التكفيرية وعقد المؤتمرات التي تحث على الجهاد بذريعة محاربة المحتل، وغيرها من أنواع التدخل التي لم يتورعوا عن الإعلان عنها وتبريرها، لكن رغم كل ذلك بقي العراق متماسكا ولم تحدث الحرب الطائفية التي تبيح لهم التدخل العسكري بشكل مباشر في العراق حسب البند السابع، وها هو العراق اليوم يشهد تطورا واضحا على الساحة الأمنية وبروز مؤشرات كثيرة لا حصر لها على أن العنف ينحسر في العراق وإن نهايته باتت وشيكة، حتى أن الإدارة الأمريكية باتت منقسمة اليوم على أمر كان يبدو بعيد المنال قبل شهر من الآن، وهو مسألة إعلان النصر النهائي على القاعدة في العراق الذي يعتبر الجبهة الأساسية مع الإرهاب العالمي بالنسبة إلى أمريكا.
خلال هذه الفترة كان الأداء الكوردي يثير الكثير من ردود الأفعال على الساحة العراقية، حيث لا يخفى على أحد إن أداء بعض الساسة الكورد يمكن تصنيفه على أساس انه عنصري متطرف ومتغطرس، وهو ما أثار سخط العروبيين وبعض الإسلاميين العراقيين والدول العربية وإيران في آن واحد، إضافة إلى ذلك إن النجاحات التي تحققت في إقليم كوردستان على جميع المستويات كانت تثير الغيرة والحسد والسخط لدى هذا التكتل الجديد ضد الكورد على المستوى الإقليمي والداخلي.
بهذا الوقت الذي يتجه به العراق نحو الاستقرار، تذكرت فجأة تركيا أن هناك حزب العمال الكوردستاني الذي يعمل ضد مصالحها في العراق، وهو أس البلاء والإرهاب في تركيا!!!
لا نريد مناقشة الوجود الكردي لأكراد تركيا في العراق لأنه أصبح واضحا للجميع أنه قديم ولم يستطيعوا حسمه، فلم تستطع تركيا الطورانية الأتاتوركية بكل جبروتها وعنصريتها القضاء على حركة التحرر الوطني الكوردي، ولا الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة في هذه الدول خنق الحركة الكوردية، فاستمرت الحركة، بقضها وقضيضها، تتصاعد بشكل موضوعي لتتوج اليوم بتجربة ناجحة بكل المقاييس في كوردستان العراق.
من هنا نستطيع أن نفهم إن السبب مركبا، فهو يستهدف العراق ووحدة شعبه وخلق الأسباب الموضوعية لنشوب حرب أهلية تمزق البلد من ناحية، ويستهدف الكورد كقومية في جميع الدول التي يتواجد بها الكورد من ناحية أخرى، لذا ليس مستغربا أن تتذكر تركيا هذا الوجود، وتتذكر طورانيتها، واكتشفت مؤخرا أنه صار لزاما عليها إنهاء هذا الوجود الأزلي للكورد المعارضين لها من خلال الاجتياح العسكري، ومن هنا نستطيع أن نفهم أيضا، أو بالأحرى لم نستغرب من توقيت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى تركيا ومنحهم دعمه المطلق لاجتياح العراق العربي وتمزيقه، وليس مستغربا أيضا أن يذهب بذات الوقت باباجان وزير الخارجية التركية إلى مصر والجامعة العربية ليأخذ منهم الدعم الكافي لاجتياح العراق وتمزيقه بناءا على اتفاقات مسبقة تمخضت عنها مؤتمرات دول جوار السوء للعراق، وهذا ما نستطيع قراءته فيما بين السطور لتصريحات عمرو موسى ووزير الخارجية المصرية.
على هذا الأساس نرى من الضروري أن يفهم العراقيين من جميع الأطياف ضرورة تكاتفهم ونسيان الخلافات والنزعات القومية الشوفينية والطائفية المقيتة وأن يضعوا مصلحة العراق فوق كل اعتبار، وأن يكف بعض السياسيين عن التصريحات الغير مسؤولة في هذا الصدد، لأننا بهذا الموقف لا ندافع عن متمردين كورد تدعي تركيا أنهم معارضين لها ومتواجدين في العراق، ولكن ندافع عن وحدة بلد يريد له جوار السوء أن يتمزق ليأخذ كل منهم نصيبه منه.
إن المسؤوليات القانونية والأخلاقية الكبيرة التي تقع على أمريكا تتمثل بحماية التراب العراقي، وعليها القيام بمسؤوليتها وفق هذا التفويض الدولي من مجلس الأمن، كما وتقع على الحكومة العراقية مسؤولية الإسراع بطرح القضية على مجلس الأمن لمنع هذا التدخل السافر، وعلى البرلمان العراقي أن يأخذ قراره الحاسم بها الشأن دون تلكؤ بسبب ضغوط البعض من داخله، فهي مسؤولية تاريخية هدفها حماية الوطن، وإن على حكومة إقليم كوردستان تقع مسؤولية التعاون مع الحكومة الفدرالية لإسقاط الذرائع التركية وإفشال المخططات الإقليمية اللئيمة لتقسيم العراق.
2007-10-19