الرئيسية » مقالات » التهديدات التركية.. لا تتجاوز أكثر من تسجيل موقف..!

التهديدات التركية.. لا تتجاوز أكثر من تسجيل موقف..!

من المسارعة القول أن التهديدات التركية المتكررة باجتياح اقليم كردستان العراق لا تحمل في
ثناياها علامات من شأنها أن نعتقد بأنها جدية، بقدر الزخم الإعلامي الذي يرافقها، (وإن لم
أكن استبعدها بعملية رمزية ومحدودة) ذلك لأن هذا التصور مغاير من أساسه.. لأن من السهل
التحرر من الانطباع بأن أحد الأسباب وراء هذه التهديدات هو محاولة تحييد وثني واشنطن من
المصادقة على حقيقة مجازر بحق الأرمن بأنها إبادة جماعية، والتي ستكلف تركيا ثمناً باهظاً من
جراء تعويضاتها..
فتركيا اليوم لم يتغير فيها الشيء الكثير، فالحكومة الإسلامية التي تعمل تحت رحمة قادة الجيش
تحاول أن تصنع لنفسها مكانة مميزة على المحلي والنطاق الاقليمي، فتلجأ تارة التدخل في الشؤون
العراقية بحجة حماية التركمان الذين يضمرون لها الكراهية والمقت الكافيتين. وتارة أخرى إلى
تفعيل قضية المسلحين الكرد في تركيا، وهي القضية التي عمرها أكثر من عقدين، ولم تتمكن قادتها
العسكريين من حسمها، رغم المباهاة بقدرتهم. أو انتهاجها سياسة رفض التعامل مع حكومة اقليم
كوردستان العراق، أو بقصف القرى الكردية الحدودية، الذي كان يرمي في الأساس إلى إعاقة قرار
البرلمان العراق بإجراء الاستفتاء في مدينة كركوك. وكل محاولات الأتراك هذه، تثير انطباعا
بعدم الثقة، ولا تؤدي إلى النتيجة المرجوة في نهاية الأمر.
ولم يعد بمقدور القوات التركية الإقدام على اجتياح اقليم يبلغ تعداد سكانه أكثر من 4 ملايين
نسمة، وتنتشر فيه قوات مسلحة نظامية، وكان بإمكان الأتراك أن يجتاحوا مرة واحدة؛ دون
الانتظار لإشارات من الخارج.. لو كانوا صادقين حقا. بل أن المسألة برمتها تتعلق ببعض القضايا
التي جعلت من تركية تعيش على كف عفريت، سيما بعد إقرار لجنة للسياسات الخارجية في الكونغرس
الأمريكي بإمكانية الاعتراف بحقيقة المجزرة المروعة التي بلغت ضحاياها أكثر من مليون أرمني
على يد الأتراك في مطلع القرن الماضي على أنها إبادة جماعية.
التقارب بين بغداد وأنقرة غير مطلوب الأن، وذلك لأن القيادة التركية تتبع كل الوسائل للتدخل
في شؤون دولة جارة، وكذلك لم تتوان عن استعراض القوة مرارا وتكرارا على حدودها، ولا ننسى هنا
أن تركيا تعرقل كل الجهود المبذولة في سبيل التوصل إلى حل منطقي بشأن قضية مسلحي أكرادها.
ولأسباب ليست بواهية بل معروفة، تبدوا أنها تتلاءم ومنطق التمييز الوهم عن الواقع، ولكن عدم
التراجع عن تهديداتها سيتسبب بنتائج لن يوافق أتباع الحكومة التركية الاسلامية على تحملها.
والتفسير البسيط لذلك الجدل الذي يثيره أردوغان هو أن حكومة اقليم كردستان لن تتصرف إزاء
اجتياحه مقيدة الأيدي، لا بل أي جندي تركي ينضم إلى فرق الغزاة، فإن من الممكن جداً أن هؤلاء
الجنود وبعض من قادتهم العسكريين باتوا قربين من انهم سيقضون كل واحد منهم أوقاتهم في جنة
عدن الاسلامية بصحبة 70 حورية.
هذا التحليل السياسي المتشائم يجب أن لا يؤدي إلى إضعاف عزيمة الحكومة الكردية لهذه
التهديدات المتكررة. العكس هو الصحيح، لأن منذ أن تجاوزت حكومة اقليم كردستان العراق الروح
الانهزامية في خطاباتها تجاه الأتراك، فلم يجد الكورد الأتراك وهم يحسبون لهم الف حساب عما
مضى. ولأن فشل التهديدات وخيبة أمل النهج أحادي الجانب (لا طائل وراءها سوى تسجيل موقف)
سيعيد الجانبين الى طاولة الحوارعاجلا أم آجلا..