الرئيسية » الملف الشهري » الديك في مملكة الثعالب

الديك في مملكة الثعالب

إستيقظت سيدة المنزل من نومها على صوت ضجّة في قن الدجاج ، خرجت مسرعة لتتبين الأمر .
على ضوء فانوس تحمله في يدها ، شاهدت ثعلبا ً في مكان غير بعيد من المنزل .
صرخت سيدة المنزل ، فولّى الثعلبُ هاربا ً . وعندما بحثت عن الكلب لم تعثر عليه . غضبت سيدة المنزل . ظنت بأن الكلب قد أهمل واجبه وذهب يلهو مع أصدقائه . لذلك قررت أن تعاقبه عقابا ً شديدا ً .

في صباح اليوم التالي ، عندما شرعت سيدة المنزل تطعم حيواناتها ، إقترب الكلب مطالبا ً بحصته من الطعام ، لكن سيدة المنزل صرخت في وجهه غاضبة :
– أنت تُهمل واجبك ، لذلك لن أطعمك .. أين كنت تلعب طوال الليل ؟ .
قال الكلب وهو يتوسل إلى سيدته :
– يا سيدتي ! ثعالب كثيرة هاجمت البيت ، فخرجت ُ أطاردها حتى إختفت في الغابة .


لم تصدق سيدة المنزل كلام الكلب ، فضربته وطردته من المنزل . ذهب الكلب إلى الغابة فحفر وجرا ً تحت صخرة ، وعاش هناك وحيدا ً .
بعد أيام قليلة هاجمت الثعالب المنزل مرة أخرى . إستيقظت سيدة المنزل ، وطلبت من القط أن يطارد الثعالب ، لكن القط إنكمش على نفسه ، وهو يرتجف من شدة الخوف . غضبت سيدة المنزل ،وبخت القط ، وإتهمته بالجبن ، وفي الصباح لم تقدم له إستحقاقه من الطعام ، اقترب القط منها وقال متوسلا ً :
– سيدتي ! مطاردة الثعالب هي من واجبات الكلب ، وواجبي هو مطاردة الفئران .
ركلت سيدةُ المنزل ِ القطَّ بقدمها ، وطلبت منه أن يغادر المنزل فورا ً .

ذهب القط و إختفى في الغابة أيضا ً .
وسرعان ما إغتنمت الفئران فرصة غياب القط ، فغادرت جحورها و إنتشرت في أنحاء المنزل . وأخذت الفئران تعبث في كل ما يصادفها :
قضمت الأغطية والملابس ،أكلت الدهن والسكر ، حفرت الثقوب في الجدران ، تسللت إلى قن الدجاج ، والتهمت كل ما فيه من حبوب . بل أن فأرا ً وقحا ً إندس في الليل تحت ثياب سيدة المنزل ، فأستيقضت مذعورة وهي تصرخ .. في الصباح حرمت ِ الديك من الطعام ، قالت له ساخطة :
– يا لك من ديك جبان !! الفئران تلتهم طعام الدجاج ، وأنتَ لا تعرف كيف تطاردها ؟!
أجاب الديك قائلا ً :
– مطاردة الفئران هي من واجب القط يا سيدتي !
غضبت سيدة المنزل ، فطردت الديك أيضا ً ، ذهب وأقام هو الآخر في الغابة .

لم يمضي وقت طويل حتى شاهد ثعلب عجوز الكلب مختفيا ً في وجره ، عاد وأخبر أصحابه بما رأى .

كان القط يختبيء ُ بين الأغصان ، جاءت الثعالب إجتمعت في مكان قريب منه . حضر الأجتماع ملك الثعالب بنفسه . جلس مزهوا ً في صدر المجلس . تداولت الثعالب في الأمر : لابدّ وأن سيدة المنزل قد طردت الكلب ، فجاء يعيش في الغابة . لِم َ لا يستغلون هذه الفرصة ويهاجمون المنزل ؟؟ في مقدورهم أن يخنقوا سيدة المنزل ، وينهبوا كل ما في البيت من دجاجات ..! هكذا قررت الثعالب أن يبدأ الهجوم في المساء ، اتفقوا جميعا ً على أن الحظ سيحالفهم في هذه المرة ..!

حين تفرقت الثعالب . قفز القط راكضا ً نحو المنزل ، أخبر سيدته بما سمع ورأى .
لكن سيدة المنزل لم تصدقه ، قالت وهي تدير وجهها عنه : ” إغرب عن وجهي ! أنا لا أصدقك . أنت تفتعل الأعذار لكي ترجع إلى المنزل ” .

هكذا عاد القط خائبا ًإلى الغابة في أشد حالات الحزن والقلق . ظلّ المسكين يتجول في أنحاء الغابة ، يردد بصوت حزين : ميو ! ميو ! ” في طرف الغابة ، حينما أراد القط أن يعبر جدول ماء ، سمع صوتا ً يناديه :
– يا صديقي القط .. يا صديقي القط ..
نظر القط إلى الأعلى ، رأى الديك واقفا ً فوق شجرة .. صاح القط بفرح :
– أهلا ً بك يا صديقي الديك .. متى جئت إلى الغابة ؟ ألا تخاف من العقاب ؟؟ .
قال الديك بصوت حزين :
– سيدة المنزل طردتني مثلما طردتك ، لأني لا اعرف كيف أطارد الفئران .

قفز القط إلى أعلى الشجرة ، جلس بجانب الديك ، وقص َّ عليه كل ما حدث . أرخى الديك جناحيه ، وأطرق يفكر بحزن : ” ماذا يستطيع أن يفعل ديك صغير مثله إزاء عدد كبير من الثعالب ؟ !. فجأة ً طفرت إلى ذهن الديك فكرة ً غريبة ، قال للقط : ” سأقوم أنا بمشاغلة الثعالب ، أما أنت فاذهب وابحث عن صديقنا الكلب ، فهو يستطيع أن يساعدنا ” . صفق الديك بجناحيه ، وقف بأعلى الشجرة ثم صاح بصوت عال ٍ : ” كيكي !! .. كيكي !! ” . أجفل القط ، وهمس خائفا ً : ” صه ! أمجنون أنت ؟ ستأتي الثعالب فتفترسنا ! ” .. ظلَّ الديك يصيح ويصيح بلا إنقطاع ..
وانطلق القط مسرعا ً ، يقفز من شجرة إلى أخرى ، لا بدّ أن يعثر على الكلب .

سمع أحد الثعالب صياح الديك ، هرول نحو الشجرة مكشرا ً عن أنياب حادة ، قال له الديك بهدوء :
– أيها الثعلب .. أين الملك ؟ لقد جئت إلى الغابة لكي أحدثه في أمر مهم جدا ً .
فرح الثعلب ، انطلق يستدعي الملك ،عندما حضر الملك مع أفراد حاشيته ، خاطبه الديك :
– يا صاحب الجلالة. أنظر . أنا ديك جميل ، ولحمي يليق بملك عظيم مثلك !
رفع الملك رأسه ، نظر إلى الديك بفرح، ثم قال بلهفة :
حسنا ً .. أيها الديك ، انزل إلينا إذن .
فأجاب الديك :
– لا يا صاحب الجلالة .. ينبغي أن أذهب إلى النهر فأستحم كي تأكل لحمي وهو نظيف .
التفت الملك نحو حاشيته يقول :
– يا له من ديك عاقل !!
عندما بدأ الديك يطير من شجرة إلى أخرى ، أخذت الثعالب تلاحقه .
إجتمعت الثعالب على شاطيء النهر ، قفز الديك وحط َّ فوق صخرة بين المياه . همس الملك : ” دعوه .. إذا حاول الهرب سيغرق حتما ً ” . طار الديك ضاربا ً صفحة المياه بجناحيه ، أثار حول نفسه عاصة من الرذاذ ، بسرعة فائقة طار عاليا ً ، إستقر فوق غصن الشجرة .
بعدما تلاشت موجات المياه ، إنعكست صورة الديك واضحة فوق سطح النهر .
هنا صاح الديك يقول بسخرية : ” يا صاحب الجلالة .. لقد سبحتُ وتستطيع الآن أن تأكلني !” .
إلتفت الملك نحو أصحابه وقال لهم بزهو : ” من منكم يأتيني بهذا الديك الجميل ؟” .
إندفع ثعلب مغرور قائلا ً : ” أنا” . وسرعان ما قفز إلى النهر .
أضطربت صفحة المياه ، و إختفت صورة الديك ، وفي أقل من غمضة عين غاص الثعلب نحو الأعماق .
تعجبت الثعالب مما حدث ، قال احدهم بأستغراب : ” أين الديك ؟ بل أين الثعلب ؟ !” .
همس ثعلب آخر في أذن الملك بتملق : ” يا صاحب الجلالة .. ذلك الملعون هرب بالديك لنفسه ! ” .
غضب الملك ، هزّ ذيله ساخطا ً ، وقال بأستياء : ” يا له من ثعلب جاحد! ” .
عندما تلاشت الموجات ، وظهرت صورة الديك فوق رقعة المياه ، هتفت الثعالب بفرح : ” عاد الديك يا صاحب الجلالة .. لعله هرب من ذلك الثعلب الملعون ” . عقب الملك يقول لهم باطمئنان : . ألم أقل لكم بأنه ديك عاقل ؟ ! ” . ووقف الملك بين أصحابه بكبرياء وهو يمني نفسه بوجبة غذاء لذيذة . نظر إلى الديك الجميل باعجاب ، مكشرا ً عن أنيابه الحادة ، ثم قال لجماعته بصوت آمر :
– أريد أن تأتوني بالديك .. إقفزوا جميعكم .. حالا ً .. جميعكم وبدون تأخير !
قفزت الثعالب إلى النهر . إضطربت المياه ، وتطاير الرذاذ في كل إتجاه. إختفت صورة الديك . فطن الملك بأن ثعلبا ً ربما إختطفه لنفسه. في لحظات إبتلعت المياه جميع الثعالب ، هوت نحو قاع النهر غارقة . وعندئذ نظر الملك حواليه وهو يتمتم : ” أين الديك ؟ أين الثعالب ؟؟ ” . طار الديك . حط فوق صخرة بين المياه ، وخاطب الملك بسخرية :
– يا صاحب الجلالة ! رأيت ، وأنا فوق الشجرة ، الكلب والقط قادمين

أراد ملك الثعالب أن يهرب ، لكن الكلب صرخ من ورائه بصوت مخيف : ” عاو ! عو ! “.
قفز الملك إلى النهر وغرق .
في صباح اليوم التالي ، عندما خرجت سيدة المنزل لتجلب الماء من النهر ، رأت جثث الثعالب تطفوا على سطح الماء ، إستغربت من ذلك . وتساءلت مع نفسها : ” كيف غرقت الثعالب ؟ ! ” . وتمنت سيدة المنزل أن تعرف الحقيقة ، لكن .. كيف ؟ لا أحد يعرف إلا من يعيش في الغابة . الكلب والقط والديك هم الآن هناك . لعلهم يعرفون كيف غرقت الثعالب .
.. ونظرت سيدة المنزل بعيدا ً، ثم إنطلقت تهرول نحو الغابة باحثة ً عن أصدقائها .

الموصل14/3/1986