الرئيسية » الملف الشهري » العقاب العادل

العقاب العادل

هطلت أمطار غزيرة في الربيع ، فأورقت الأشجار ، وتفتحت الورود ، وازدهرت الحقول . تفجرت الينابيع العذبة من كل مكان ، وجرت المياه في الجداول رقراقة صافية . هنا وسط هذه الطبيعة الخلابة ، إختار النحل شجرة حور كبيرة ، فبنى لنفسه خلية ً داخل جذعها المجوّف .

طوال موسم الربيع ، إستمر النحل على العمل بجد ونشاط ، كل عاملة تغادر الخلية ، في وقت مبكر من الصباح ، تطير بعيدا ً عِبر الحقول ، باحثة عن الأزهار ، لتنقل رحيقها إلى الخلية . إستمر النحل يعمل أشهر عديدة ، دون كلل أو ملل ، حتى إمتلأت الخلية بالعسل ، ولم تعد تتسع للمزيد منه.

إحتار النحل في أمره . أيتوقف عن العمل والأزهار ما تزال تملأ الحقول ؟.

وجد النحل نفسه أمام معضلة ، غير أن فكرة لطيفة خطرت على بال الملكة ، فقالت :
– ليس هناك أي معضلة . إبحثوا عن مكان آخر لنبني خلية جديدة .

طارت نحلة لتبحث عن مكان ٍ ملائم ، لكنها لم ترجع . قيل أن زنبورا ً إفترسها .

خرجت نحلة أخرى ، لم ترجع أيضا ً . قيل بأنها تاهت ، ولم يعرف النحل ُ شيئا ً عن مصيرها .

لكن عزم النحل ِ لم يفتر . لا بدّ َ من بناء خلية أخرى . الصغار سيكبرون ، والخلية لا تتسع للجميع، والشتاء سيحل – عاجلا ً أم آجلا ً – ببرده وأمطاره وثلوجه . والعسل لن يكفي للكل. من الضروري أن يفتشوا عن مكان آخر ، قبل فوات الفرصة ، مهما كلفهم الأمر من تضحيات..
هكذا ، وبحماس منقطع النظير ، طار النحل في جميع الأتجاهات ، يفتش بين جذوع الشجار ، وفي شقوق الجبال ، وتحت الأجمات .. الأرض واسعة ، سيجدون حتما ً موضعا ً مناسبا ً لبناء خلية جديدة .
… عادت نحلة متعبة لتخبرهم أنها اكتشفت موضعا ً ملائما ً في جذع شجرة زيتون .
وفي موكب رائع بدأت الرحلة . ودّعت النحلات ُ القديمات صغارها ، ثم غادرت الخلية في رحلة طويلة نحو بيتها الجديد .. في الطريق، حطّت الملكة فوق غصن شجرة رمان للأستراحة ، تجمع النحل حولها على هيئة عنقود عنب ، إلاّ أفراد الحرس حيث ظلّوا يحومون في المنطقة خوفا ً من الأعداء .

إعترض سبيل النحل زنبور مغرور . إفترس عددا ً من النحلات المسكينات وقال بغطرسة :
– هذه الأرض أرضي ، ولن اسمح لكم الأقامة فيها ، سأفترسكم جميعا ً إن لم ترحلوا ..!
أجابته ملكة النحل الحكيمة :
– الأرض واسعة ، وليس من العدل أن تكون مُلك مخلوق دون آخر .
قال الزنبور المغرور :
– أريد حصتي من العسل ..! أنظروا إلى جسمي الكبير ، ولوني الزاهي . سأنتقم منكم إن خالفتموني.
عاود النحل رحلته .
الزنبور شرس وأحمق ومتغطرس . لا ينبغي أن يعرف مكان الخلية ، طار النحل إلى مكان مجهول ، وبنى خلية جديدة ، في مأمن مِن الأعداء . عمل النحل بنشاط لا مثيل له . الأزهار ما تزال كثيرة ، ستمتليء الخلية بالعسل قبل حلول موسم البرد والأمطار والثلوج.

جرادة صغيرة ظلّت تراقب النحل بفضول ، وهي تقضم كل ما يصادفها من نباتات خضراء .
إستمر النحل يعمل حتى حلَّ الخريف ، بدأت الأزهار تذبل .

عملت كل نحلة ٍ بأخلاص وتضحية ، إلاّ ذكور النحل الكسالى حيث ظلّوا يتسلقون في أرجاء الخلية عاطلين . قيل أن أحدهم غنّى يوما ً للملكة ، فأعجبت بصوته .. وهكذا تصور هؤلاء الحمقى أن الملكة ستمنحهم حصة كبيرة من العسل لمجرد أنها طربت لصوت أحدهم ذات يوم ! .

خرج ذلك الذكر الطائش ، جلس بباب الخلية ، وشرع يغني بصوت عال .
سمعت الجرادة صوته ، فلم يعجبها غناؤه . شرعت هي أيضا ً تغني غناء يثقب الأذن.
إقتربت منه وقالت :
– النحل ُ مخلوق غريب ، لا يعجبني سلوكه . الغذاء متوفر في كل مكان ، لكنه لا يأكل منه شيئا ً.
أجاب الذكر موضحا ً :
– النحل يضع العسل . يجمعه من رحيق الأزهار ، ويدخره غذاء ً لفصل الشتاء .
ثم أضاف يقول بكبرياء :
– لكننا الذكور لا نعمل . غنيت ُ ذات يوم للملكة ، فأعجبت بصوتي، وهي لذلك فقط قد تمنحني حصة كبيرة من العسل.
قفزت الجرادة قفزة جانبية ، إستقرت فوق غصن شجرة ، شرعت تأكل تارة ، وتغني تارة أخرى .
عاد الذكر يتسكع في الخلية.

بعد أيام عقد النحل مؤتمرا ً . وقبيل إنعقاد المؤتمر ، غادرت الملكة غرفتها ، إلتف حولها النحل باعتزاز. ألقت الملكة خطابا ً مقتضبا ً ، أشارت فيه إلى أن الشتاء على الأبواب . اتفق الجميع على أن العمل سيتوقف تماما ً في موسم البرد ، والعسل – برغم وفرته – قد لا يكفي . عليهم ،إذن ، أن يقتصدوا في طعامهم . هذه حصة الصغار، وهذه حصة العاملات ، وتلك حصة الملكة . هنا استاء الذكور وأثاروا ضجة في قاعة الأحتفال .. أين حصتهم هم ؟ ردت الملكة على إعتراضهم بهدوء : “انتم لم تساهموا في إنتاج العسل ، فمن العدل الاّ تذوقوا قطرة منه .. ! ” وقيل بأن الملكة أمرت بطردهم ، لكن هؤلاء الحمقى رفضوا بغرور . ضنا ً منهم أن حجمهم اكبر وأقوى ، ويستطيعون انتزاع حصتهم بالقوة . وهنا هجمت العاملات عليهم ، قضمت أجنحة البعوض ، لسعت البعض الآخر بأبرها الحادة ، فرّ من نجا منهم على غير هدى ، هائما ً على وجهه ، باحثا ً عن مكان يحتمي فيه .

أقبل الشتاء ، اشتد البرد . شاهدت الجرادة ذكر النحل المغرور يختفي في ثقب شجرة .
تساقطت الثلوج ، غطت وجه الأرض ، إحتمت الجرادة في مكان آخر .
إشتد الجوع بالزنبور . ما ذا يأكل والثلوج تغطي كل شيء من حواليه ؟. تذكر خلية النحل . لو عرف مكانها ؟ ! آه.. كم العسل لذيذ ! لكن أين يجد الخلية ؟ وكيف ؟ .. النحل لا يخرج من خليته شتاء ً . تذكر الزنبور بأنه رأى الجرادة تختفي في موضع ما . لمَ لا يقصدها ؟ لعلها تعرف مكان الخلية . لكن الجرادة أخبرته أنها نسيت مكان الخلية . الجوع أنهك جسدها ، واضعف ذاكرتها . فكرت بعمق دون أن تهتدي إلى حل .أخيرا ً تذكرت أن ذكر نحل يختفي في مكان قريب .قالت : ” إنه يعرف مكان الخلية . لمَ لا نذهب إليه ، قد يساعدنا ؟ …

إتفق الزنبور والجرادة وذكر النحل على مهاجمة الخلية ، ونهب كل ما فيها من عسل .
عندما إقتربوا من الخلية ، لم يجدوا غير ثقب صغير لا يتسع إلا لدخول نحلة .

قال الزنبور بصوت آمر :

– هيا ، يا ذكر النحل ، ادخل.. الجوع يقتلنا . تستطيع أن تسرق لنا شيئا ً من العسل .
رد عليه ذكر النحل وهو يرتجف من الخوف :
– لا أستطيع ! سيقضي عليّ النحل بأبره الحادة . لمَ لا تدخل أنت ؟
صاح به الزنبور غاضبا ً : ” يا لك من رعديد جبان !” ثم هجم عليه وافترسه .

طلب الزنبور من الجرادة الدخول إلى الخلية . جسمها صغير ، وقد تفلح في محاولتها . لكن الجرادة رفضت وهي تجهش بالبكاء . كيف يستطيع مخلوق ضعيف مثلها مهاجمة خلية نحل ؟ . وحين هجم عليها الزنبور طفرت طفرة عريضة ، سقطت في بركة ماء ، وماتت غرقا ً .

بقي الزنبور ينتظر وحيدا ً بباب الخلية ، لعل نحلة تخرج . طال الأنتظار دون أن تخرج أي نحلة ، أخيرا ً مل ّ من طول الأنتظار ، طار عائدا ًإلى حجره ، قيل أنه سقط صريعا ً في منتصف الطريق ، بعد أن نهشه هدهد بمنقاره .

الموصل 7/7/1985