الرئيسية » الملف الشهري » السمكة الفضية

السمكة الفضية

تجمع الأولاد في ساحة القرية . غدا ً يصادف الجمعة .. إنه يوم عطلة ، فأين يمضون عطلتهم ؟ وكيف ؟ . تناقشوا في الموضوع ، طرح كل طفل رأيه ، كانت آراءً صغيرة بلا معنى – من وجهة نظر الكبار – لكنها كانت في إعتقادهم آراء كبيرة وعظيمة الأهمية .
قالت لمياء:
– أحب أن نذهب غدا ً إلى الجبل لنجمع الورود البرية .
وقال مخلص :
– أنا افضل أن نرافق أمهاتنا وهنَّ يذهبن لحلب الغنم في البرية .
وقال أميل :
– لقد صنعت مصيدة جيدة. وأنتم أيضا ً تستطيعون أن تصنعوا مثلها . فلم َ لا نذهب لصيد العصافير ؟
إعترض خيري:
– بابا يقول بأن صيد العصافير عادة سيئة .. فماذا فعلت هذه المخلوقات الجميلة لنقتلها ؟! .
وأردف شامل : أرى أن نذهب إلى شاطيء النهر ، فنبني قرية لنا ، كما كنا نفعل في الماضي .
إحتجَّ خليل :
– هذه لعبة قديمة !
في النهاية حل ّ الظلام ، تفرق الأولاد ، دون أن يتفقوا على لعبة معينة .

.******.
صباح اليوم التالي ، قبيل شروق الشمس ، إنطلق خليل وحيدا ً نحو شاطيء النهر .
كان يحمل في مخلاته قليلا ً من الخبز والزبيب ، وشصا ً لصيد السمك . في الطريق فكر في ما كانت ترويه له أمه : ” حوريات الماء كثيرا ً ما يستحمن في الليل على الشاطيء ” . إذن من الأفضل له ، ألاّ يسرع حتى تشرق الشمس . تماهل في سيره وهو يراقب دائرة الشمس الأرجوانية خلف الجبال النائية ..
ُذهِلَ لمنظر الشروق : “ما أجمل َ قرص الشمس الذهبي وهو يرتفع هكذا بأبهة وشموخ فوق قمم الجبال ! ” أسرع في مشيه وسط الحقول الخضراء.. كان الجو دافئا ً ، والأزهار تغطي سفوح الروابي ، قال في سره : ” هذه هي تباشير الربيع ” .

عندما بلغ شاطيء النهر ، تذكر نصيحة والدته : ” إذهب إلى النهر .. إذهب .. فأنت صبي ولم تعد طفلا ً صغيرا ً ، لكن إياك أن تسبح إذا كنت وحدك ! ” .
مضى ينقل خطاه فوق الرمال الناعمة ، باحثا ً عن مكان ملائم لصيد السمك .

إختار صخرة عالية ، ليجلس فوقها …

كانت مياه النهر حمراء داكنة بلون الدم . هذا هو موسم الفيضان ، المياه مشبعة بالغرين . تساءل مع نفسه : ” مِن أين يأتي النهر بكل هذا الغرين الكثير ؟ ” .. هيأ الشص ، قذف به بعيدا ً ، إلى عرض النهر ، ثم جلس بهدوء يفكر في أمر الغرين .. أمه تقول :
” في كل سنة ، وفي مطلع الربيع ، تنزل الحوريات إلى النهر ، في موكب كبير ، فتسبح مثيرة ً ضوضاء وصخبا ً عظيمين ، وهي بعملها هذا ، تعكر مياه النهر ، فتبدو خابطة حمراء بلون الدم ” .

أمّا معلمه فيقول : ” إن سبب حمرة مياه النهر ،هو كثرة الغرين الذي تحمله المياه في موسم الربيع حين تذوب الثلوج ” ، وهو يفكر في أمر الغرين ، إختلج الشص في يده، هتف:
– لا بدَّ وان سمكة كبيرة علقت به .
شدَّ على الخيط ، سحبه بهدوء . ظل يسحب ويسحب . عندما أتى على نهايته ، صاح بفرح :
– هيا . تعالي أيتها السمكة الجميلة ! .. لماذا تبدين هكذا عنيدة يا عزيزتي ؟.
قاومت السمكة بقوة ، وهي ما تزال في الماء . وكاد الخيط أن ينقطع ، قال لنفسه :
” ماذا ؟. أبدا ً لم أصادف في حياتي سمكة عنيدة إلى هذا الحد لعلها كبيرة ، ربمّا تكون قوية ، لكنها على أي حال ، لن تفلت من قبضتي “.
حين عاود السحب ظهرت فوق السطح سمكة فضية رشيقة .

خبطت السمكة الماء بزعانفها بقوة ، دارت حول نفسها عدة دورات يائسة ، محاولة الخلاص من الشص دون جدوى .
صاح خليل :
– كفاك ِ عنادا ً ، أيتها السمكة الفضية الرشيقة ، فأنا لا أريد أن ألحق بكِ أذى .
قالت السمكة وهي تقاوم بضراوة :
– جميع الصيادين يقولون هذا .. ألا ترى كيف يمزق شصك فمي ؟ ! .
جذبها خليل نحو الشاطيء بسرعة قائلا ً :
– أنا لا أوذي السمك الجميل ، بل أرعاه في البيت داخل خوض الزينة .. ألا تصدقيني ؟ .
نظرت السمكة بعينين حزينتين إلى وجهه المدور النحيل . قالت بلهجة توسل :
– يبدو لي انك ولد عاقل ، لا تشبه بقية الصيادين .. لكن ألا تعتقد بأن الحوض سيكون كالسجن بالنسبة لي .. ؟ . لقد تعودتُ أن أجوب البحار الشاسعة ، فكيف أستطيع الصبر في حوض صغير داخل البيوت ؟ ! .
عندما إنتزع خليل الشصَّ من فمها . هزت السمكة زعانفها من شدة الألم ، وقالت باكية :
– أعدني إلى الماء ، أيها الصبي الطيّب ، الهواء يخنقني ..! الم تعاهدني أن أبقى حية ؟؟.
– نعم وعدتك بذلك .. لكن من يقول إنك لن تهربي إذا أعدتك إلى الماء ؟ .
– إعتبرني صديقتك لن أهرب . سأجيء بين حين وآخر لكي أراك .
– ,إعتبريني صديقك . سأطلق سراحك .. كلما جئت ُ إلى الشاطيء ، سأبحثُ عنك ، أنت ِ حقا ً سمكة فضية جميلة .
ألقى بها في الماء . شرعت تسبح برشاقة . لوح لها بيده مودعا ً ، قالت بأمتنان :
– سأضع بيضا ً كثيرا ً ، قد أعود أنا وصغاري لرؤيتك ، أيها الصديق العزيز ، سأجلب لك هدية ثمينة .
– أين تضعين البيض ؟ .
– في البحار البعيدة ، قد لا تراني فترة طويلة ، لكن من المحتم أن أعود .
اطرق خليل يفكر : كيف تكون الحياة لو إنقرضت الطيور والأسماك والحيوانات ؟ .. تلك السمكة الفضية هي أمْ ، وتستطيع أن تنجب سمكا ً كثيرا ً على شاكلتها ، الأم هي مصدر الحياة سواء أكانت هذه الأم إنسانا ً أو حيوانا ً أو سمكة . ينبغي أن نراعي حق الأمومة لكي تستمر الحياة .. وحسنا ً فعلتُ باطلاق سراح تلك السمكة الفضية ، سواء عادت أمْ لمْ تعد ” . وغمره الفرح بينما كانت السمكة الفضية تغوص نحو الأعماق.


. ******.

في ذلك اليوم قرر خليل ألاّ يصطاد أي سمكة أخرى .. قفل راجعا ً إلى بيته ، وذهنه مشغول بشأن تلك السمكة الفضية العجيبة : ” أي هدية ستجلب له ؟ من يقول أنها سترجع ثانية ؟ أليس من الجائز أن تكون سمكة ماكرة هزأت منه وغررت به وخدعته ؟ .
ثم أليس من الجائزأن تقع في شبكة صياد آخر ؟ .. عندئذ ستكون لقمة سائغة . هذه الأفكار وأخرى كثيرة طافت في ذهنه ، لكنه قرر ألا يخبر أحدا ً بقصته .


. ******.

مرّت الأيام ..

ذات مرة فكر خليل في الذهاب إلى شاطيء النهر . ربما تكون صديقته السمكة الفضية قد عادت من رحلتها .. حين وصل الشاطيء ، جلس فوق ذات الصخرة ، التي إصطاد من فوقها السمكة . لقد مضى الربيع ، وإنتهى موسم الفيضان ، ها هي المياه تلوح له صافية رقراقة ..
إذا ما مرّت صديقته السمكة الفضية ، لن يتعذر عليه رؤيتها .. ظل َّ ينتظر حتى الظهر ، وفي نفسه يدور ألف هاجس : ” ذلك الطير الغطاس ، ذو المنقار الطويل ، أليس من المحتمل – مثلا ً – أن يكون قد إلتهم صديقته تلك ؟؟ ” .

فجأة قفزت السمكة الفضية عاليا ً فوق سطح الماء . لوحت له بزعانفها ، ثم غاصت نحو الأعماق ! أثارت عند غوصها صخبا ً عظيما ً : ” بق ! بق ” . هتف خليل :
” إنها هي . صديقتي نفسها . لقد عادت .. ولكن ، لماذا إختفت هكذا بسرعة ؟ ” . تعلقت أنظاره بصفحة المياه . وهو يقول : ” حتما ً ستعود ، كما وعدتني ! ” .
وبينما هو مغرق في افكاره، إنشقت صفحة المياه ،ظهرت السمكة ، وهي تسبح نحوه.
صاح خليل بجذل :
– مرحبا ً ايتها السمكة الفضية ! . يسعدني أن التقي بكِ ثانية بعد فراق طويل .
– اهلا ً بك يا صديقي العزيز . لقد إنتظرتني كثيرا ً .. أليس كذلك ؟.
– نعم .
– الرحلة إلى البحار متعبة وخطرة .
– حمدً لله على سلامتك ِ.
– لقد جلبت لك هدية ثمينة . أتحزر ما هي؟؟.
فكر خليل… قال وهو يبتسم :
– لا ! .
ثم وهو يضحك :
– وماذا يوجد في البحر غير المياه ؟!.
– البحر، يا عزيزي، عالم واسع وكبير وزاخر بالعجائب مثل اليابسة . والآن هل تعرف ماذا جلبت لك ؟ .
– لا اعرف !!
اقتربت السمكة الفضية منه ، وقالت :
– إنظر .. لؤلؤة!
قفز خليل من شدة الفرح ، وقال :
– لؤلؤة ؟ . يا لها من هدية ثمينة ! شكرا ً لك يا صديقتي العزيزة .
ثم صاح بجذل ٍ :
– أنا يتيم . وأمي فقيرة . ستفرح حتما ً .
صَمَت َ لحظة ثم استطرد يقول :
– أمي تقول بأن الأغنياء وحدهم يمتلكون اللؤلؤ !!

قالت السمكة: ” اللؤلؤ – يا صديقي – تصنعه بعذابها مخلوقات ضعيفة هي الأصداف ، ثم يستخرجه فقراء الناس من أعماق البحر ، لكنه يستقر أخيرا ً في جيوب ِ الأغنياء والموسرين .
سألها خليل:
– لما لا يحتفظ به الفقراء لأنفسهم ؟
أجابت السمكة الفضية :
– لأنهم يقايضونه لقاء لقمة العيش
عاد خليل يسألها بأستغراب :
– متى يمتلك الفقراء اللؤلؤ؟؟.
نظرت السمكة إليه مليا ً ، وأجابت بتريث:
– سيمتلكونه ذات يوم . لكن ذلك اليوم ، سيكون معمدا ً بالدم . ولن يتحقق ،إلاّ إذا عرف الفقراء لماذا هم فقراء ..!
فتح خليل فمه مستغربا ً إستطردت السمكة الفضية تنصحه وتحذره في وقت واحد :
– هذه لؤلؤة ثمينة . قد يهاجم اللصوص قريتكم بسبها . لا تخف ! سأكون إلى جانبك .
– شكرا ً لوفائك يا صديقتي العزيزة .
ودعت السمكة الفضية صديقها وإنصرفت . راقبها خليل ، وهي تغوص نحو الأعماق .



.******.

حين عاد إلى البيت ، أستقبلته أمه . فتح يده وهو يقول بسرور :
– أماه … انظري!.
أطلقت أمه صيحة ذعر ، وهتفت بأنفاس مبهورة :
– هذه لؤلؤة كبيرة وثمينة . مِن أين حصلت عليها ؟ وكيف ؟؟..
يا إلهي .
– أهدتني إياها صديقتي السمكة .. ما بكِ يا أمي ؟ بدلا ًمن أن تفرحي بها أراكِ خائفة ً ؟!.
همست المرأة العجوز :
– سينتزعها اللصوص منا . أنت ما تزال صغيرا ً ، وأنا إمرأة عجوز واهنة القوة .
– اللصوص ؟ .. أنا لا أخافهم . إن صديقتي السمكة الفضية ستكون في عوننا إذا هاجمونا .
قالت أمه بحسرة :
– من الأفضل أن نخفي اللؤلؤة الثمينة ، و إلاّ فأنها ستجرُ علينا المتاعب .
إقتنعَ خليل برأي أمه ، وعند حلول الظلام أخفيا اللؤلؤة في مكان أمين .

. ******.

ومرّت أيام أخرى ..
كانت أمه تكتم عنه سرا ً خطيرا ً . وفي إحدى الليالي قررت أن تفاتحه في الموضوع :
– خليل يا ولدي العزيز .
– نعم يا أماه ! .
– كنت صغيرا ً عندما مات أبوك ..
– نعم يا أمي .
– أنت الآن صبي على أعتاب الرجولة .
– أعرف !
– أتعرف كيف مات أبوك؟ !.
حملق في وجهها المتغصن بأستغراب :
– لا يا أمي.
صمتت لحظة . إستعادت في ذهنها ذكرى مؤلمة من الماضي ، ثم قالت بلهجة ملؤها المرارة :
– أبوك قتل !
– ُقتِل ؟!
– أجل . هناك ، على شاطيء النهر ، قرب شجرة السنديان . أسلم روحه ، ورأسه فوق ركبتي .
احتدَّ خليل وصاح بأنفعال ٍ :
– أخبريني .. من الذي قتله ؟ . لا بدَّ من أثأر له من قتلته. لست ُجبانا ً.
قالت أمه :
– لدغته أفعى سوداء .
رددَ بذهول:
– أفعى سوداء ؟ لو كان رجلا ً لأنتقمت منه . ولكن الأفعى السوداء …
قالت أمه بهدوء:
– قد نجدها ذات يوم.
عاد يسألها بألحاح :
– وأين ؟ أين .. أجدها ؟؟.
إعتدلت أمه في جلستها . أصلحت من وضع ملابسها كمن يتهيأ لحديث طويل . طلبت منه أن يصغي إليها ، قالت له :
– إسمع يا خليل هذه الحكاية .



.*******.

أغمض البلبل العجوز عينيه مرة أخرى ، حاول أن ينام ، لكنه لم يستطع ، ظلت السنديانة تئن وتنوح طوال الليل . وقبيل الفجر ، جاءت الريح من بعيد ، وهي تسوق الغيوم أمامها ، وما إن سمعت السنديانة تبكي حتى توجهت إليها . وسألتها بحنان :
– أراكِ تبكين يا عزيزتي ، هل أنت عطشى ؟
رفعت السنديانة عينيها الدامعتين إلى الريح ، وقالت : لا . ولكنني وحيدة .
تململت الغيوم المثقلة بالأمطار ، وقالت : سوف نتأخر.
قالت الريح للسنديانة: كان بودي أن أبقى معك ، ولكن ..
تنهدت السنديانة ، وقالت بأسى: لقد هجرني جميع…
تململت الغيوم ثانية ، فقالت ، الريح ، وهي تتأهب للسير:
– سامحيني يا عزيزتي . لا استطيع أن أبقى . إن الحقول عطشى ، ويجب أن أسرع بالغيوم إليها .
مضت الريح نحو الحقول البعيدة ، والغيوم تتدحرج أمامها .
تمتمت السنديانة وهي تنوح : آه . لا يريد أحد أن يصغي إليَّ !.
أطلّ البلبل العجوز من عشه ، وقال : لا تبكي يا عزيزتي . إنني أصغ…
لكن السنديانة قاطعته بصوت متهدج:
– ما الذي يبقيك هنا . هاجر ، هاجر أنت بدورك ، لم أعد أريد أحدا ً .
– قال البلبل العجوز: لا .. لن أهاجر .
قالت السنديانة وهي تنشج :
– لو كنتَ قادرا ً على الهجرة لتركتني ، وهاجرت كالآخرين.
إرتفع نشيج السنديانة ، وسمعتها نحلة كانت عائدة إلى خليتها، فتوجهت إليها ، وهمت أن تسألها عنا بها لكنها حين رأت الأعشاش خاوية ، قالت مدهوشة :
– أين مضت البلابل ؟!
وقبل أن تجيب السنديانة بشيء ، إرتفع فحيح رهيب من أسفل الشجرة ، فتمتمت النحلة : أفعى!
قالت السنديانة وهي تنشج:
– لقد هاجر الجميع خوفا ً منها .
– وتركوك وحدك ؟
– نعم تركوني للأفعى .
– نحن لا نهاجر ، ونترك خليتنا للأعداء حين يهاجموننا ، بل نقاتل صفا ً واحدا ً دفاعا ً عنها .
إنتفض البلبل العجوز ، وإنطلق بأتجاه النهر ، فقالت السنديانة بمرارة:
– هاهو البلبل العجوز ، يهاجر أيضا ً !
– عبر البلبل العجوز النهر ، وراح ينادي على البلابل ، لم تمضي إلا لحظات حتى كان الجميع حوله ، فقال لهم :
– أبنائي إن السنديانة بحاجة إليكم ، يجب أن تعودوا .
إحتجت البلابل ، وارتفع أكثر من صوت :
– والأفعى ؟
– لقد هلك الكثير منا !
– نحن هنا في أمان .
– لن نعود
صاح البلبل ، وهو يهب من مكانه :
– سأعود وحدي ، وأقاتل الأفعى السوداء ! ما دمتم ترفضون العودة .
حلق البلبل عاليا ً ، انطلق وحيدا ً بأتجاه النهر ….
سأل خليل أمه بلهفة :
– ثم ماذا حدث ؟ ماذا حدث للبلبل ؟ ألا تخبرينني ؟
أجابت أمه بأصرار:
– كلا . لن أخبرك . أعفني من هذا .. لكن تذكر أن مصير والدك لا يختلف عن مصير البلبل العجوز .



. *****.
ومرت أيام أخرى ..
ذات يوم مشرق من أيام الربيع ، قرر أولاد القرية الذهاب إلى شاطيء النهر لكي يلعبوا هناك .
إعتذر لهم خليل لعدم إمكان مشاركتهم اللعب .كان في غاية الشوق لرؤية صديقته السمكة الفضية … من يعرف أين هي الآن ؟..
أطلع أمه على رغبته ، طلب منها أن تخرج اللؤلؤة .. حين وصل َ الشاطيء ، جلس فوق ذات الصخرة العالية .
كان الأولاد يلعبون في مكان غير بعيد عنه . في الجهة المقابلة لاحت له شجرة السنديان .. خيّل إليه أنها تنشج . وتعجب ! كيف لم يفطن إلى وجودها من قبل ..؟
لكنها شجرة كباقي الأشجار، فمن أين أن يعرف ، قصتها ، لو لم ترو ِ له أمه، تلك الحكاية .. ظلَّ ينتظر صديقته السمكة وينتظر دون جدوى .
قال لنفسه : ” سأنتظر . لعلها تعود .. سأنتظر وان كان نشيج السنديان يحز في نفسي ” .
حين سأم من الأنتظار ، خاطب النهر بصوت فيه الكثير من التوسل :
– أيها النهر الصاخب ..! بالله أحلفك ، ألا تعرف أين صديقتي السمكة الفضية ؟ .
تماوج النهر ، ثم قهقه مزمجرا ً بجنون ، وصرخ بصوت كأنه الرعد :
– السمكة الفضية ؟ يا لك من ولد ساذج ! آلاف الأسماك تهلك في أعماقي يوميا ً .
قال خليل بحزن :
– أيها النهر .. لا تغضب .. لي سؤال آخر من فضلك : هل أن صديقتي قد هلكت أم إنها على قيد الحياة ؟؟ .
أجاب النهر بصوت غاضب :
– لا أدري .
وهنا قال خليل :
– سأنتظر جالسا ً ، أنتظر صديقتي ، فهل يغضبك هذا ؟
أجاب النهر ، ولم يكن في هذه الحالة غاضبا ً :
– إنتظر ! .. الأنتظار يعلمك الصبر ، والصبر سر نجاح كل إنسان .
وظل خليل جالسا ً في مكانه ينتظر . ظل ينتظر وينتظر دون جدوى ، السمكة الفضية لم تظهر .

.******.

قال خليل لنفسه : ” لماذا لا أذهب ، أشارك الأولاد في اللعب ؟ “.
تمشى على طول الشاطيء ، وفي كل لحظة كان يأمل أن تظهر له السمكة . خيل إليه أن نحيب السنديانة يمتزج مع خرير المياه المتدفقة عبر النهر .
تذكر الحكاية التي روتها له أمه .. وتذكر حكاية الأفعى السوداء التي لدغت أباه .
أمه في إحدى الليالي قالت:
” إن الأفعى السوداء كبيرة بحجم الجاموس ، وشرسة كالذئب ، ونهمة بحيث تبتلع كل من يسوقه القدر إلى طريقها .. وهي في كل عام ، تلد آلاف الأفاعي السوداء التي لا تقل عنها غدرا ً .. ماذا يفعل لو هاجمته تلك الأفعى ؟”.
أحسَّ بالخوف ، لكن سرعان ما زال خوفه ، حين تذكر نصيحة السمكة الفضية : ” لا تخف . سأكون إلى جانبك “. ومضى ينقل خطاه فوق الرمال ، حين إقترب من الأولاد صاحوا جميعا ًبصوت واحد :
– هذا خليل .. هذا خليل ..
وصاح شامل :
– ألا تشاركنا يا خليل في اللعبة القديمة . ها نحن في سبيل أن نبني قرية .
قال بصوت عال ٍ :
– نعم . سأشارككم في اللعب .
غير أن قصة الأفعى السوداء ، ونشيج شجرة السنديان ، لم يفارقا ذهنه . فقال في سره : ” إنهم لم يسمعوا بهذه القصة المفزعة ” .. وطافت في خياله صورة آلاف البلابل التي إبتلعتها الحية . وفكر : ” وماذا لو جاءت الأفعى السوداء ؟ ألا تستطيع أن تبتلع جميع الأولاد ؟؟ وقرر مع نفسه أن يقاوم الحية . وإنتزع نفسه من هذه الخواطر المحزنة ، ثم أجابهم :
– نعم . سأشارككم اللعب .

. ******.

إنصرف خليل إلى اللعب مع أصدقائه . إتفقوا على أن يبنوا قرية. وبناءُ قرية يحتاج إلى جهود كبيرة .. تطوع بعضهم ليقوموا بدور المعماريين ، وتطوع آخرون كعمال ، و غيرهم كنجارين .. إنهمكوا في العمل ، بنوا عددا ً من البيوت الصغيرة ، إستمروا يعملون ويعملون حتى أنجزوا بناء القرية .
وقف الأولاد الصغار يتأملون بفخر وإعتزاز قريتهم الجديدة تلك .
هنا هتف احدهم .
ألا ترون بأن القرية تحتاج إلى مدرسة ؟
وقال آخر :
– وتحتاج إلى مستوصف .
وقال غيره:
– وتحتاج إلى شارع يربطها بالمدينة .
– وتحتاج إلى جمعية فلاحية .
– وتحتاج إلى كهرباء .
وقال طفل أسمر :
– وتحتاج إلى حراس..ما فائدة كل ما بنيناه إذا هاجمنا اللصوص بغتة؟!.
إنهمكوا في العمل من جديد . تشاوروا فيما بينهم ، عينوا خليل آمرا ً للحرس.
قبيل الغروب صاح أحد الحراس محذرا ً : ” إنني أرى أفعى سوداء ضخمة تحت شجرة السنديان !”.
وقال حارس آخر : ” كنت منذ حين أسمع شجرة السنديان تئن . لعلها كانت خائفة من الحية ؟”.
وصاح خليل بصوت آمر:
– تأهبوا.. يا صغار للدفاع عن القرية ، و إلاّ الأفعى السوداء ستدمر كل ما بيناه .
وعبرَ المياه توجهت الأفعى السوداء نحو القرية وهي تقود خلفها عشرات الأفاعي الصغار .
وكلما كانت الأفاعي تقترب من القرية ، كانت أشكالها تستحيل إلى أشكال بشرية . لا حظوا أن الأفعى السوداء الكبيرة إستحالت إلى عملاق هائل ، عملاق أبيض البشرة ، أزرق العينين ، يحمل فوق رأسه قبعة ، وفي يده حربة ، في حين إستحالت الأفاعي الصغار إلى جيش جرار لا أول له ولا آخر .
فكر خليل بسرعة : ” الآن عرفت كيف قتل هؤلاء المتوحشون والدي ! ” تحسس جيبه . اللؤلؤة ما تزال فيه إلى جانب الشص . وقال لنفسه :” يجب أن نقاوم ! يجب أن نقاتل بشرف وبطولة ، و إلاّ فأن الأفاعي البشرية سوف تدمر القرية ” .
وصرخ بصوت حاد:
– هيا يا أولاد . إتخذوا أماكنكم ! سنقاوم الأفاعي البشرية مهما كلفتنا من تضحيات .
وإنطلق مهرولا ً وهو يصيح :
– أما أنا فسأحرس مدخل القرية.
قهقهت الأفعى البشرية العملاقة بجنون وهي تقول :
– ماذا تفعلون هنا يا صغار ؟
أجابها خليل بشجاعة :
– نبني قرية !
قالت الأفعى البشرية الكبيرة ساخرة :
– هذه أرضنا.. أرض الأفاعي !
رد عليها خليل بسخرية أيضا ً:
– أرضكم ؟ يا للنفاق .. هذه أرضنا نحن . عليها عاش آباؤنا و أجدادنا وما أنتم إلا أفاعي بصورة بشرية ، تريدون السيطرة على كل مكان فوق الأرض بدون حق !
فحّت الحية الكبيرة ، وزعقت :
– إخرس ! سندمر القرية ! سنبتلعكم ! لا أحد يستطيع أن يقهرنا ..
فجأة ، في ذات اللحظة ، دوت ضجّة عظيمة هزت القرية .
نظر خليل نحو مصدر الضجّة :
لقد إنشقت صفحة المياه ، ها هي سمكته الفضية تتجه نحو القرية ، ومن خلفها مئات الأسماك الفضية الصغيرة . لم يصدق خليل عينيه .. بدأت الأسماك تقترب وتقترب ، وهي تكبر وتكبر … أخيرا ً إستحالت كل سمكة إلى دبابة .. مئات الدبابات تحيط بالقرية ، كيف حدث هذا ؟ يا للصديقة الوفية ! هاهي إلى جانبي في ساعة الخطر .
قالت السمكة الفضية ، بعد أن استحالت إلى دبابة : ” هيا يا صديقي .إمتطي ظهري !”
إختلجت اللؤلؤة في جيب خليل ، تحسسها إذا بها تستحيل إلى قنبلة .
وإستحال الشص إلى مدفع ..
تحركت عشرات الدبابات . إنطلقت عشرات المدافع . قاتل الصغار ببطولة .. ذعرت الأفاعي البشرية . تقهقهت . إستحالت مرة أخرى إلى أفاع ٍ حقيقية . حاولت الفرار .. إلى أين ؟ ظلّت الدبابات تلاحقها ..
من بعيد قهقهت السنديانة الكبيرة وهي ترى بعينيها مصير الأفاعي . حاولت بعض الأفاعي أن تنجو بنفسها ، لكن شجرة السنديان سدت عليها الطريق بأغصانها الكبيرة .
.******.
خرج الآباء والأمهات من بيوتهم . نظروا بعيدا ً، نظروا باتجاه شاطيء النهر، ثم قالوا بصوت واحد:
– إنها الحرب ُ تطرق أبوابنا