الرئيسية » مقالات » تحليل..قراءة لما بين السطور في مذكرة التوغل التركية في شمال العراق

تحليل..قراءة لما بين السطور في مذكرة التوغل التركية في شمال العراق

من انقرة – 17 – 10 (كونا) — بعد طول شد وجذب بين الحكومة والجيش تم تحويل “مذكرة التوغل في شمال العراق” اخيرا الى البرلمان للمصادقة عليها ويمكن قراءة الكثير من المعاني في هذه المذكرة لكن مما لا شك فيه أن تصريحات المتحدث باسم الحكومة ونائب رئيس الوزراء جميل تشيشك كانت تخفي بين السطور شفرات سرية يمكن اختصارها بجملة “نأمل ألا نكون بحاجة لاستخدام هذه المذكرة”.
من هذه الجملة نفهم أن الحكومة ليست متحمسة كثيرا للعملية العسكرية لكنها ستلجأ اليها اذا اضطرت لذلك اذ ان الحكومة التركية تدرك جيدا أنه اذا كان استصدار المذكرة أمرا سهلا فان عملية التطبيق والتوصل الى النتائج المطلوبة تركيا سيكونان أمرا في غاية الصعوبة يعني مهما قال رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان “اننا مستعدون لتحمل تبعات الحرب” فان الثمن سيكون أكبر بكثير من أي تصور. من الملاحظ أن تصريحات تشيشك كانت هادئة وباردة ومعتدلة بعكس تصريحاته الحماسية السابقة عن العملية العسكرية ذلك لأن هذه العملية لا تحمل أبعادا عسكرية فقط والحرب لن تكون مع المتمردين الأكراد وانما ستتدخل فيها حتما قوى لديها حسابات خاصة مع تركيا وفي المنطقة.
والحكومة التركية مدركة لهذا الواقع الذي يحتم أن الحرب ستكون ذات أبعاد كثيرة تجد تركيا نفسها في صراع مع هذه القوى بنتائج غير محسوبة اقليميا وعالميا.
فهناك قلق دولي من هذه العملية اضافة الى التركمان الذين ينظرون للعملية بحرارة باعتبار أن “تركيا سوف تلقن الاكراد وبعض الاطراف الاخرى درسا قاسيا” لذا فان تركيا حاولت تدارك هذا الامر بلفتة سريعة من خلال التشديد خصوصا في بيانها على أنها تنظر الى كل الشعب العراقي بعين الشقيق والصديق.
أما بالنسبة للغة المذكرة فقد لاحظنا أنها أيضا لم تكن قاسية كالمتوقع بل جاءت بأسلوب ناعم وحساس غير متحمس للحرب بل لهدف واحد فقط هو قمع واستئصال المتمردين الاكراد لسان حال المذكرة كان يعدد الحقائق التي تريد تركيا ابرازها للعالم ويضرب على وتر اقناع المجتمع الدولي بمشروعية تركيا في هذه الحرب.
في البيان أيضا نلحظ اصرار تركيا على تكرار جملة تأييدها لوحدة أراضي العراق بل ان تشيشك افتتح بيانه بعبارة”الحفاظ على وحدة أراضي جارنا وشقيقنا العراق” هذه العبارة انما هي رسالة من تركيا الى الرأي العام الدولي وأكراد شمال العراق تؤكد فيها أنها لا تسعى من خلال هذه الحرب الى اقتطاع أرض من العراق أو تجزيئه أو احتلاله.

— تركيا حاولت في البيان قدر الامكان أن تتصدى لاي تحريضات وحملات دعائية كردية يمكن أن تصورها عالميا بأنها سترتكب “مذبحة ضد الاكراد” هي تحسب أن الاكراد بدون شك سوف يروجون بان تركيا على غرار الدولة العثمانية تحاول “قمع طموحات شعب كردي يناضل من أجل استقلاله”.
وفي هذا السياق فان الحكومة تأخذ بعين الاعتبار أيضا التحذيرات التي هي بمثابة التهديدات المبطنة التي يطلقها نواب حزب (المجتمع الديمقراطي) الكردي من أن مثل هذه العملية العسكرية قد تحرض على هجمات ارهابية وانتفاضة كردية في المدن التركية الكبرى لتتحول المسألة الى حرب عرقية بين الاتراك والاكراد أيضا.
والى جانب حسابات تركية أخرى مثل “ماذا لو اضطرت لمحاربة البشمركة الاكراد في شمال العراق ايضا او حصل تطور اخطر لتتدخل الولايات المتحدة والجيش العراقي..
وماذا عن موقف الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي” وما حجم الخسائر التي ستتعرض لها تركيا جراء هذه العملية وردود الأفعال الشعبية ازاء جثث شهداء الحرب. وأيضا هناك بعد كابوسي للحرب بالنسبة لتركيا وهو ماذا سيحصل لو انزلقت في وحل العراق لتدخل في حرب عرقية تشمل المنطقة كلها وهذه المعطيات تعني بالتأكيد ان هذه العملية بالنسبة لتركيا هي كأحجار الدومينو يمكن أن تجرها الى تداعيات خطيرة غير محسوبة ربما هذا هو السبب الذي يدفع بها الى التأني وترك باب الدبلوماسية مفتوحا حتى اخر لحظة. كما لا يفوتنا في بيان تشيشك أنه توقف كثيرا عند المبادرات الدبلوماسية التي قامت بها تركيا ليلفت النظر الى أنهم حاولوا بكل قواهم حل المسألة سلميا لكن بدون فائدة من ناحية هو يوجه رسالة الى العراق والولايات المتحدة يحملهما فيها وزر هذه العملية المحتملة لعدم تعاونهما مع تركيا ومن جهة أخرى يبقي باب الدبلوماسية مفتوحا أمامهما في حال قرروا مساعدة تركيا في حل الأزمة من دون اللجوء الى السلاح. البيان أيضا يشدد على حق تركيا المشروع في الدفاع عن نفسها تشيشك قال ان “كل دولة من حقها الدفاع عن أرضها” مستندا الى قوانين الأمم المتحدة المؤيدة لذلك.. وهنا هو يحاول تمرير رسالة تركية مفادها أن بلاده لم تكن لتدخل في مثل هذه الحرب لولا الضرورة القصوى للدفاع عن وحدتها واستقرارها وأمنها.
بتحليل البيان أيضا نرى أمامنا أن تركيا حاولت التركيز على أن المذكرة هي خاصة بمنظمة حزب العمال الكردستاني يعني أن المنظمة الارهابية هي الهدف المقصود فقط بيد أن تشيشك لم يذكر كلمة واحدة تشير الى مسعود البارزاني وهو بذلك انما يريد التأكيد على أن المذكرة لا تستهدف الأكراد وانما المتمردين فقط. ولكن في الوقت نفسه كانت هناك رسالة غير مباشرة له عندما قال تشيشك ان “شمال العراق هو ملاذ المتمردين الأكراد” وفيها يوجه انتقادا للبارزاني الذي يدعي بأنه “الامر والناهي” هناك.
باختصار يمكن القول ان كل كلمة في البيان كانت محسوبة ولها معنى خاص ومنها اصرار تشيشك على التأكيد أن “حكومة بغداد المركزية هي المخاطب الأساسي لهم” وأيضا استعاضته بجملة “منطقة العراق الشمالي” بدلا من شمال العراق.