الرئيسية » مقالات » الفن المعماري نافذة الى قراءة التاريخ

الفن المعماري نافذة الى قراءة التاريخ

كل أمة مرهونة بثقافتها، ومستقبلها تبع حاضرها والماضي رافد للحاضر، فالعملية متكاملة ونتائجها أشبه بالمعادلة المنطقية، فالنتائج تخضع للمقدمات، فان كانت المقدمات سليمة صلحت النتائج وسلم الفرد أو الأمة، ولذلك يسهل على كل ذي معرفة ملاحظة مستقبل كل فرد أو مجتمع أو امة كبر حجمها أو صغر، من خلال معاينة مدى اهتمامها بماضيها والتأسي بصوالحه والتنكب عن طوالحه، لتقف في حاضرها على أرضية صلبة تنطلق منها الى عالم المستقبل.
وتشكل الحواضر المقدسة من قبيل مراقد الأولياء والصالحين والمدارس العلمية والمكتبات التاريخية والمتاحف والآثار التاريخية، واحدة من أهم أعمدة التاريخ الشاخصة بأنوارها على الأمة، فان فقدت هذا العمود اختل مؤشر بوصلتها وعدمت الحكمة من قراءة التاريخ وانفرط عقد معارفها، فتعيش اللحظة غير واعية لتاريخها وغير مدركة لمستقبلها، تتأرجح بين الأمم النابضة بالحياة، فلا تلحق بها، لان عمود التاريخ سارية يستند إليها شراع سفينة الأمة في بحر الحياة، فان أحكمت ساريتها تغلبت على أمواج الحياة وتقدمت نحو الرقي والتطور وعلت مراتبها، كون التاريخ تراكمات من التجارب والمعارف في جميع حقول الحياة، يسعد من يدخرها لحاضره ومستقبله وتتيه به في مدارج الحياة من ضرب عنها صفحا.
وما من شك ان واحدة من علامات الاهتمام بتاريخ الأمة هو إعمار الحواضر المقدسة وتثبيت بنائها حجرا فوق حجر وتجديده بين حين وآخر، ولذلك فان فن العمارة وبخاصة العمارة الإسلامية إنما يحكي في واقع الحال تاريخ امة بكامله، وإذا ضمت العمارة قبر شخصية عظيمة، فان المكان يأخذ قدسيته من قدسية المكين فتعظم العمارة بعظمة أصحابها وتأخذ أبعادا واسعة لا تضاهيها أية عمارة أخرى مجردة عن المكين وان تقادمت في الزمن.
هذه الحقيقة التي تدركها القلوب الواعية دون المنغلقة على النصوص الجامدة، يضيئها الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي في سلسلة “تاريخ المراقد” ضمن موسوعة دائرة المعارف الحسينية. وفي الجزء الثالث من كتاب “تاريخ المراقد .. الحسين وأهل بيته وأنصاره” الصادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 614 صفحة من القطع الوزيري، يواكب المؤلف ما حل في مرقد الإمام الحسين بن علي (ع) في الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري (9/11/1980- 10/2/2005م) من إعمار أو تخريب على يد أعداء الدين وأهل بيت النبوة (ع)، مع تثبيت ما استجد لدى المؤلف من معلومات تاريخية على علاقة مباشرة بالمرقد الحسيني في القرن الأول الهجري حتى الرابع عشر.

تنافس وصراع
ومما ينقل عن الرئيس العراقي المعدوم صدام حسين (ت 2006م) أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988م)، قوله ان مدينة كربلاء لو كانت على الحدود الإيرانية العراقية، لقدمتها الى إيران حتى يتم الانتهاء من الحرب وأعبائها، جاء هذا الحديث على صحته من عدمه في الوقت الذي كان شعار إيران “الصلاة جماعة في حرم الإمام الحسين بإمامة روح الله الخميني”، وأظن أن صدام كان سيفعلها، إذ سبق وفعلها مع شاه إيران (ت 1980م) على شط العرب ووقع اتفاقية الجزائر، للتخلص من ضغط الحركة الكردية في شمال العراق، ويتذكر من عاش في ايران فترة الحرب ان دائرة مرور طهران نصبت علامات مرورية على طول الطريق من طهران الى الحدود العراقية الإيرانية باتجاه كربلاء، تشير الى المسافة الفاصلة بين العاصمة الإيرانية ومدينة كربلاء، في محاولة منها لشد عزيمة الجيش الإيراني.
ومن يقرأ تاريخ الصراع الإيراني العثماني، يكتشف ان كربلاء المقدسة كانت في كثير من الأحيان الفيصل في فض النزاعات أو استحكامها بين هاتين الإمبراطوريتين على وجه التحديد لخلفيات قومية لبست لبوس المذهبية، ولذلك كانت العمارة الإسلامية في كربلاء بوصفها مدينة خاضعة لسيطرة الحكومة العثمانية تنتعش مرات وتنتكس أخرى بفعل والي عثماني غاشم لا يدرك المصلحة الوطنية للأمة العراقية كالوالي محمد نجيب باشا (ت 1267 هـ) الذي اعتدى في العام 1258 هـ (1843م) على مدينة كربلاء بعد ان حاصرها 25 يوما وعرضها للدمار وقتل أهلها واعتدى على الحرم الحسيني والعباسي وكادت ان تقع الحرب بين إيران وتركيا بسبب ذلك، لولا تدخل الدول العظمى آنذاك بريطانيا وروسيا، كما تكشف بذلك مراسلات السفير البريطاني في استانبول السير ستراتفورد كاننج (Sir Stratford Canning) (ت 1880م) الذي بذل جهودا مضنية لمنع وقوع حرب لا خوفا من لندن على مستقبل وأمن الدولتين المسلمتين وإنما لمنع استغلال روسيا للموقف والاقتراب عسكريا من مياه الخليج.
وإذا كان الشد القومي المذهبي بين الدولتين سيئة في ذاته، لكنه في الوقت نفسه ساهم بشكل كبير في إغناء العمارة الإسلامية، فقد أحيت المنافسة وإظهار المحبة لأهل بيت النبي (ص) من الطرفين روح البناء والإعمار الذي انعكس بصورة واضحة على التطورات التي حصلت في تعمير المرقد الحسيني وصرف الأموال والهبات والهدايا على المدارس العلمية وطلابها، على إننا لا نعدم في بعض الأحيان قيام حاكم ظالم بسرقة وقفيات المرقد الحسيني تحت حجة تنظيم الوقفيات، على ان الوقفيات الخاصة بشيعة العراق الذين يشكلون أربعة أخماس الشعب العراقي كانت منذ عهد العثمانيين وقبله وحتى سقوط نظام صدام حسين في 9/4/2003م خارج سلطة أهلها ونهبا لأطماع الآخرين.
وبالطبع فان كتاب “تاريخ المراقد” لا يتعرض مباشرة الى الصراع الخفي والظاهر بين إيران وتركيا، ولكن تتبع المحقق الكرباسي لكل شاردة وواردة على علاقة مباشرة أو غير مباشرة بفن عمارة المرقد الحسيني، أظهر معالم صورة هذا التنافس الشديد الذي يشكل في احد أوجهه حقيقة الصراع الدائم بين قوتين عظميين بسطتا نفوذهما على الشعوب الإسلامية لقرون طويلة، وعلى الدوام يكون ضحية هذا الصراع شعب العراق بعامة وأهالي كربلاء بخاصة والمرقد الحسيني الشريف على وجه التحديد.
بل ونكتشف من خلال الكتاب محاولات بعض الحكومات نسبة جهود الآخرين في الإعمار لنفسها، مثلما كان يفعل نظام صدام البائد، الذي حاول تحت زعم تجديد عمارة المرقد الحسيني نسف التراث وغمط حق الآخرين وسرقة جهود ما أضفته فنون الشعوب الإسلامية على المرقد الحسيني، مثلما فعل في العام 1413 هـ بعد سنتين من انتفاضة الشعب العراقي في شعبان العام 1991م، فيرى المحقق الكرباسي ان مآل التعمير الذي حصل آنذاك: “محو آثار كل ما من شأنه نسبته الى غير النظام الحاكم، مما ساهم فيه ملوك إيران والعراق والهند وسلاطين الدولة العثمانية”.

قاعدة الهرم المقلوب
وعلى نسق الهرم المقلوب، تناول المؤلف بيانات في فن العمارة في الحرم الحسيني الشريف، بدءاًً بالعموميات وصولا الى التفاصيل، فبعد ما انتهى من شرح كامل للمرقد عبر القرون، استقل بباب خاص حمل عنوان “مصطلحات لابد منها” تناول جزئيات المرقد الحسيني مجدولا كل جزئية حسب التواريخ، فبدأ بالضريح أي حفرة القبر، ثم الروضة وهو المكان المحيط مباشرة الضريح دون الرواق، وفي هذا الجزء شرح التطورات التي حصلت في أبواب الروضة التي تفصل الرواق عن القبر الشريف، وعرج على المساجد الملحقة بالمرقد الشريف وهي خمسة في مجملها، وما ان ينتهي من الروضة وتفاصيلها حتى ينتقل الى الرواق وهي الصالات المحيطة بالروضة ويتطرق الى أبوابها التي وصلت أخيرا الى عشرة أبواب تقود الزائر والمصلي من الصحن الى القبر الشريف عبر الرواق. ولما كان الزائر في روضة من رياض الجنة فان قدسية المكان يلزمه خلع ما ينتعله، ولذلك فان هذا المبحث يتعرض الى المخالع وتاريخ بنائها وما حصل فيها من تطورات. ثم يتناول الشرح المجدول الأواوين الموجودة في الحرم الشريف من حيث ان الإيوان هو المكان المطل على الصحن والمسقف والمحاط بثلاثة جدران. ثم ينتقل في الحديث المجدول الى القبة والمآذن. ويخرج المؤلف من تفاصيل القبر والبناء الذي يضمه الى الصحن وهي الساحة المكشوفة المحيطة ببناء القبر ويستعرض مجدولا التطورات التي حصلت في عمارته وعمارة أبوابه العشرة. وينتقل الى الحديث عن الساعة الدقاقة وعن التحولات التي طرأت على إنارة المرقد الشريف من شموع وقناديل، ويكتشف المؤلف بهذا الصدد ومن خلال رصده الدقيق: “ان الكثير من هذه القناديل صودرت وسرقت على أيدي أعداء أهل البيت (ع) من الذين هاجموا هذه المدينة المقدسة، وكان فيها القناديل الذهبية المرصعة بالأحجار الكريمة، وكان آخر مَن تمت السرقة على يديه هو الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، حيث نقل القناديل الثمينة الى قصوره وأبدلها بأخرى حديثة الصنع”، وبالطبع فعل الشيء نفسه مع السجاجيد اليدوية العتيقة والتي لا تقدر بثمن حيث أبدلها بأخرى صناعية حديثة، وافترشها في قصوره.

بين موقعين وحدثين
ولأول مرة في التاريخ، ينبه المحقق الكرباسي الى حقيقة غابت عن الناس لأربعة عشر قرنا، وهي ان المسافة بين الصفا والمروة في مكة المكرمة (394,5 متراً) هي عين المسافة بين روضة الإمام الحسين (ع) وأخيه العباس (ع) في كربلاء المقدسة؟
ولكن ما وجه الشبه؟
يرى المؤلف ان السيدة هاجر زوج النبي إبراهيم الخليل (ع) قامت بالسعي بين الصفا والمروة لطلب الماء لإرواء رضيعها النبي إسماعيل (ع)، وفي طف كربلاء سعى أبو الفضل العباس بن علي (ع) الى النهر المتفرع من الفرات لطلب الماء ليروي به عطش أطفال بني هاشم وعلى رأسهم الرضيع عبد الله ابن الإمام الحسين (ع). وإسماعيل كلمة سريانية وتعني (مطيع الله) ولذلك يكنى كل من اسمه إسماعيل بأبي مطيع، فمطيع الله يعادل عبد الله بلحاظ ان جوهر عبادة الله طاعته في كل أمر. فالسر والخط الواصل بين الحدثين كما يؤمن الشيخ الكرباسي هو ان هاجر سعت للماء لتروي رضيعها إسماعيل (مطيع الله) وأبو الفضل سعى للماء ليسقي رضيع أخيه الحسين (ع) عبد الله (مطيع الله)، ومن المعلوم ان سلالة عبد الله الرضيع تصل الى النبي إسماعيل بن إبراهيم (ع)، فكما يسعى الحاج بين الصفا والمروة يسعى الزائر بين ضريحي الإمام الحسين (ع) وأخيه العباس (ع) الذي أكرمه الله بالشهادة وجعل مرقده مزارا وعلماً.

أرقام ورجال
وأفرد المؤلف عنوانا مستقلا عن “الخزينة” التي احتفظ فيها بالآثار والهدايا من جواهر وتحفيات ثمينة اعتاد الملوك والأمراء والرؤساء والوزراء إهداءها أو وقفها على المرقد الشريف، وحيث تعرض إليها المؤلف في الأجزاء الثلاثة من هذه السلسلة بكل تفاصيلها فانه أجملها مجدولة بالهدية أو الوقفية ومهديها وتاريخ الإهداء.
وهذه الخزينة كان ولازال يسيل لها لعاب الغادرين المستحلين للحرم والمقدسات، وعلى سبيل المثال كانت الخزينة في القرن السادس الهجري تضم من الهدايا ما لا تقدر بثمن كما ونوعا، وفي العام 526 هـ نهب المسترشد العباسي الفضل ابن المستظهر وهو التاسع والعشرون ممن حكم من بني العباس ما بين (512-529 هـ) خزينة المرقد الشريف، ولكي نعرف حجم السرقات، فان المسترشد دخل في حرب مع السلطان مسعود السلجوقي (ت 547 هـ)، فخسرها ووقع في الأسر ثم قتل، ويضيف المؤلف: “وسلبت كل ممتلكاته فبلغت حمل خمسة آلاف ناقة وأربعمائة بغل وكان أكثرها من ممتلكات الخزانة الحسينية والتي منها السجاد الثمين”.
ومن المفارقات ان الحكومة العراقية في العام 1421 هـ شكت من قلة واردات وقفيات مراقد أئمة أهل البيت (ع) منذ ان استولى النظام عام 1393 هـ على وقفيتها، وفي اجتماع جمع سدنة المراقد في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، اتهم وزيرها السابق عبد المنعم احمد صالح، السدنة بالقصور والتقصير: “في أداء واجباتهم تجاه الدولة وتحريض الزوار من عراقيين وأجانب على الامتناع عن إيداع مبالغ النذور في الأضرحة، وهدد بالاستغناء عن خدمات الأمناء والسدنة الذين يتأكد للوزارة تقصيرهم أو قيامهم بتصرفات تضر بمصالح الدولة وتقديمهم الى المحاكم”.
ويتناول المحقق الكرباسي ضمن جدول زمني الرجال الذي توالوا على سدانة الروضة الحسينية ومن خدم فيها منذ ان تولاها رئيس قبيلة بني أسد أولا في العام 61 هـ حتى العام 1423 حيث يتولاها السيد احمد الصافي والشيخ عبد المهدي السلامي الكربلائي، مرورا بالعشرات من أمثال: الشيخ منصور بن علي بن منصور الخازن من أعلام القرن السادس الهجري، والسيد طعمة الأول كمال الدين ابن أبي جعفر الموسوي من أعلام القرنين الثامن والتاسع الهجري، والسيد جواد بن كاظم الطويل الفائزي الذي تولاها في العام 1216 هـ، والحاج مهدي كمونة (ت 1272 هـ). وفي عهد الحكومة الجلائرية (740-813 هـ) تشكلت أربع فرق تناوبت على سدانة الروضة الحسينية بالاختيار والوراثة، وهي فرقة آل طعمة وفرقة آل الأشيقر وفرقة آل العزبة وفرقة آل الحائري.
وتعتبر السدانة مركزا اجتماعيا مرموقا، ولذلك تعرضت هي الأخرى لتقلبات الزمن فمرة تخضع لسيطرة الحكومة المركزية وأخرى للحكومة المحلية وتارة للعشائر ورابعة للمرجعية الدينية وخامسة تدخل ضمن صراع بغداد مع العواصم الأخرى لتمثيل شيعة العراق، حتى استقرت بعد زوال نظام صدام حسين بيد المرجعية الدينية في النجف الأِشرف.
وتحت عنوان “الزيارة الحسينية” أجمل المصنف ما شرحه عبر القرون من زيارات قامت بها شخصيات لها وزنها الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والأدبي والرياضي والفني الى المرقد الشريف، من قبيل حفيد هولاكو السلطان محمود بن غازان المغولي (ت 703 هـ)، وحفيد جنگيزخان تيمورلنك (ت 808 هـ)، ومؤسس الدولة الصفوية إسماعيل الأول (ت 930 هـ)، والسلطان العثماني مراد الرابع (ت 1049 هـ)، وآخر ملوك أفغانستان محمد ظاهر شاه (ت 2007م)، والملك المغربي محمد الخامس (ت 1381 هـ)، والرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو (ت 1390 هـ)، وأمير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة (ت 1420 هـ)، والملاكم العالمي محمد علي كلاي، والرحالة البرتغالي بيدرو تكسيرا (Pedro Teixeira) (ت 1640م) والرحالة الألماني كارستن نيبور (Carstien Neibuhr) (ت 1815 م)، والمستشرق الفرنسي جاك بيرك (Jacques Berque) (ت 1995م)، وغيرهم.

من كل قوم عمارة
يكتشف المرء وهو يتابع الأيادي التي ساهمت في إعمار المرقد الحسيني، حجم ونوعيات هذه الأيادي فهي لا تتوقف على الشيعة الإمامية ولا تنحصر بهم لأن الحسين (ع) إمام الجميع، فكل المذاهب الإسلامية ساهمت في الإعمار وكل القوميات سارعت الى ان تسجل اسمها في ديوان الإمام الحسين (ع)، ولذلك فان كل جزء من عمارة المرقد الحسيني يحكي بلغة قوم ومذهب اجتمعوا كلهم في الروضة الحسينية.
ومن باب المثال فان الأكراد بطوائفهم لهم مساهمات في عمارة المرقد الحسيني بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فبعد عام 1259 هـ أمر بعض أمراء الأكراد البختيارية في غرب إيران بتزيين المسجد الذي في المرقد الحسيني والأروقة. كما ان الأعمدة الرخامية الأثني عشر التي يقف عليها الإيوان القبلي بارتفاع 13 مترا تم قطعه من جبال سنندج مركز محافظة كردستان الإيرانية.
وكان للقادة الأكراد العراقيين حضور في الحرم الحسيني الشريف، فقد قدم وفد كردي من المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني يقوده إدريس بن مصطفى البرزاني (ت 1985م) شقيق زعيم إقليم كردستان العراق السيد مسعود البرزاني، ضم محمد محمود عبد الرحمن ودارا توفيق، في محرم 1970م، كما استوعبت المدينة المقدسة قسما من العوائل الكردية التي قام نظام صدام البائد بتهجيرهم من مدنهم.
وسجل الحرم الحسيني حضورا مشهودا وفيصلا في تاريخ القضية الكردية العراقية عندما استفاد المرجع الديني الإمام محسن بن مهدي الحكيم (ت 1390 هـ) من تواجده في الحرم الحسيني بين جموع الزائرين الذين جاؤوا الى كربلاء المقدسة لإحياء زيارة الأربعين في العشرين من صفر العام 1384 هـ (1964م)، فترأس الفقيد الحكيم اجتماعا دينيا وسياسيا خاصا بالقتال الذي كان دائرا في شمال العراق بين القوات الحكومية والبيشمرگه الأكراد واصدر فتواه الشهيرة بحرمة قتال الاكراد، ردا على طلب حكومة الرئيس عبد السلام عارف (ت 1966م) من علماء الدين اصدار فتوى بتجريم الاكراد ووصمهم بالبغي، وقد تعرض بسببها المرجع الراحل الى مضايقات شديدة طالته وطالت ابناءه واحفاده.

الأمثل في التاريخ
وكما في كل مجلدات دائرة المعارف الحسينية انهى الشيخ الدكتور محمد صادق الكرباسي الكتاب بمجموعة فهارس غنية، مع قراءة للكتاب بقلم راعي الملكية الدستورية في العراق الشريف علي بن الحسين، الذي كان لاجداده في العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام حضور متنوع فيما شهدته كربلاء وعمارتها، وبخاصة خلال سني الحكم الملكي (1921-1958م). يقول الشريف علي وهو يعلق على الكتاب وشخصية الامام الحسين (ع) انه: “من خلال الواقع الذي نعيشه في العراق ومراقبتنا عن كثب للحالة الاجتماعية سياسية كانت أم دينية فنجد أن لأضرحة آل الرسول المنتشرة على أرضه كانتشار الكواكب الدرية في السماء، نسجل انطباعنا كما سجله سلفنا الصالح من ملوك وأمراء ومؤرخين وعلماء، لنجد ان لمرقد أبي عبد الله الحسين (ع) ريحانة الرسول وسبطه سيد الشهداء خصوصية، إذ ترك في نفوس الناس ليس في العراق فحسب بل في العالم الاسلامي وغيره أثرا لا يمكن تجاهله”.
وعن الكتاب ومؤلفه كان من رأيه: “انني لم أعهد دراسة متكاملة وضعت في هذا الاتجاه وبمثل هذا الرصد الحقيقي لكل ما يرتبط بهذا المرقد الشريف من أحداث مؤلمة تارة ومسرة تارة اخرى بمثل هذه الدراسة”، ولذلك فانه: “لا يسعني الا أن أشيد بكاتبه الدكتور البحاثة الكرباسي الذي لم يترك أي ثغرة الا وتبنى دراستها لتكون الأمثل في التاريخ من خلال موسوعته الفريدة دائرة المعارف الحسينية التي فاقت أجزاؤها على الستمائة مجلد على ما قرأت عنها”.
في الواقع أن الجزء الثالث من “تاريخ المراقد” يمثل امتدادا زمانيا ومعرفيا للجزئين الأول والثاني، وهو في الوقت نفسه يلخص كل مراحل العمران التي طرأت على المرقد الحسيني، وقد اسبغت عشرات الصور والرسومات والجداول على الكتاب درجة علمية قاطعة جعلته محكما من كل الاتجاهات وهو بحد ذاته تحفة علمية لها ان تتصدر واجهة المكتبة الاسلامية بعامة ومعاهد وكليات فن العمارة بخاصة.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن