الرئيسية » مقالات » المتنبي والصورة / من عدنان إلى حنان في عمّان

المتنبي والصورة / من عدنان إلى حنان في عمّان

المتنبي والصورة

(( 32 ))

سأجن ُّ سأجن !! وقف المتنبي أمامي مذهولاً مستنكراً ما يرى . ما بك يا رجل ؟ يا صاحبي وعزيزي يا متنبي … إذا قصصت عليك قصة ما جرى اليوم سوف تكذبني ولا تصدقني . قال بل قص َّ ولا تتردد . يا متنبي ! سامحني على تقطع أنفاسي ، لا أكاد أتنفس بسياق طبيعي . قال بل قل … هيا … تشجع ْ . يا متنبي … ثم توقفت وقلتُ : لا أجرؤ . ما حدث يفوق الخيال وكل التصورات . قل ْ ، أسرعْ ولا تظل َّ تتخبط وتضطرب ، قلْ وفضّها على عجل . نعم ، سامحني ، سأبدأ . مم سأبدأ وكيف ؟ قال من حيثما شئت َ وكيفما شئتَ ، أنجز الشغلة وأوجز . يا شاعر … فتحت أجهزتي صباح اليوم ففوجئت ُ بأمر لا سابقة له في العالم . ملأت شاشة الكومبيوتر صورة إمرأة جميلة بالألوان . من أين جاءت ومن هي ؟ لا أعرف . قلّبت صفحة البريد الوارد فلم أعثر على رسالة أو خبر يشير إليها . كيف وصلت بريدي ؟ كيف عرفت العنوان ؟ ولماذا وقع إختيارها على رجل ختيار مثلي . ماذا تريد وما القصد من هذه المداعبة غير البريئة ؟ من حرضها ؟ هل هي فخ آخر إستخدمه مخربو الأجهزة وناشرو الفايروسات من المتهلوسين المنخوبة أدمغتهم بالبارانويا وداء الكّلب ؟ لا أدري ، لا أدري . لم أقرأ تحذيراً من الفايروسات في أجهزتي . إطمأننتُ قليلاً إلى أن هذه الصورة لسيدة جميلة وليست فايروساً قتالاً . الآن ، كيف سأتحرك لأستجلي حقيقة الأمر . أريد أن أعرف من هي وما السر وراءها ولماذا قررت فجأة أن تزورني في صباح هذا اليوم الباكر ؟ ما تريد مني، هل تعرض عليَّ نفسها طامحة أو طامعة ً في صداقتي بأسلوب مبتكر جديد غريب من المراسلات ؟ يا سيدة … لا أمل فيَّ ولا تتحقق مطامحك معي . إبحثي عن غيري . فات أواني وشاخَ قطاري وأكل الصدأ ُ حديد سكته . إعرضي صورتك في أجهزة أخرى . سأزودك بعناوين بعض الأصدقاء من طالبي الصداقات بالمراسلة وتبادل الصور والطوابع البريدية وما شاكل ذلك . قلتُ لها كل هذا الكلام ، قلته بأكثر من لغة فلم ترد ولم تعلق ولم تقلْ شكراً . إحترتُ في أمرها . أتمنى أن تتكلم معي لتفصح لي عما فيها وعن دوافع زيارتها لموقعي بهذا الأسلوب الجديد العجيب . بقيت صامتة صمت الموتى . هل هي خرساء أم صمّاء ؟ هززتُ أجهزتي علها تتحرك فلم تستجب . قبلتها فلم تتحرك ولم تبادلني القبلات . يا سيدة ، بحق كل المؤمنين والرجال الصالحين والأولياء … تكلمي … أنطقي … ريحيني … أزيحي الهم عن صدري … أرجوك ، أرجوك سيدتي … ليني وتنازلي عن بعض عنادك . ما هكذا تقول آداب الزيارة . هل تحددين معي موعداً للقاء قريب في بيتي أو في مقهى أو مطعم أو على ساحل رملي ؟ كيف أساعدك ، قولي لي بحقي عليك . لا من جواب . فكرت طويلاً وبكل جدية فهداني عقلي إلى فكرة ما رأيتُ بها بأساً : أن أكتب لها بضعة سطور على شاشة الكومبيوتر بإزاء صورتها الجميلة وسأرى . كتبت لها وقد لمحتُ في وجهها سمات الشواعر ما يلي :

صباح الخير أيتها الشاعرة الجميلة
كلمة حق لا بدَّ منها : توسمت فيك أخلاق وطبائع وسمات الشواعر المتفردات … غدوت ُ شبه خبير في هذا الأمر . لأني حريص على متابعة موجات الشعر الحديث خاصة شعر شواعر وشعراء قصيدة النثر من الشباب وأراك واحدة منهم . صورتك تقول لي ذلك . أنا أقرأ صور الوجوه وما في العيون . لي القدرة على الغوص فيها وفهم أصحابها فالعين هي الباب والمفتاح والمدخل إلى العالم الداخلي للإنسان . لحظةَ أن أغرّق بصري في عينيك أستطيع أن أقول لك مَنْ وما أنتِ ولماذا أنتِ . لذا ، أرجوك أن تحددي موعداً مضبوطاً لكي نلتقي ونتعارف على بعضنا جيداً ثم لأقرأ طالعك وأكشف لك خفايا وخبايا نفسك وبواطن روحك . أراك صوفية المنحى أو متصوفة بالفعل . ما الذي يخيفك في كشفك أمام نفسك أو وضع تفصيلات عالمك الداخلي أمامك على الطاولة ؟ لست ساحراً مشعوذاً ولست طبيباً نفسانيا لكني رجل ذو كرامات . رجل ذو تمرينات روحانية وكشوفات محدودة في ملكوت الباطن علماً أني لست باطنياً . إني واضح وشفاف ونقي مثل بللورة . ما رأيك ، هل نلتقي غداً أو بعد غد ٍ أو ربما بعد شهر ؟ الخيار خيارك والقرار قرارك .
قلت لك إني رأيتك شاعرة من الطراز الأول . توسمت فيك المقدرة العالية على قول الشعر . تقاسيم وجهك تقول ذلك لا أنا . أنا مجرد قارئ لست خالقَ شعراء ولا مصمم أدباء ولست رسام وجوه وأجساد عارية . صورتك الجميلة الصامتة والصامدة أمامي كأنها تتحداني هي من يقول ذلك . في صورتك شعر وخيال وشرود وسهوم تخفي الكثير من الحزن الغامض ، وأجلُّ الأحزان تلك الغامضة الأسباب والعلات . أحزان تقول الكثير دون أن تتكلم أو توضح . بلاغتها وسحرها في صمتها . فكيف الحال وأنت الإثنين معاً : حزينة وصامتة . أإذا نطقتِ تزول أحزانك سيدتي الشاعرة الجميلة ؟ أشك في ذلك . إذاً ، ظلي على صمتك وحزنك . ففي حزنك جلال ٌ وترف ٌ وعظمة . وفي صمتك بلاغة وبلاغ مبينين .
أنتِ في حزنك أجمل وفي صمتك رهبة ُ الجلال وجبروت الأنثى وهدأة البركان تحت الأرض متأهباً للإنفجار الرهيب .
هل أقارن الشواعر بالفراشات ؟ هذه جميلة وهي صامتة أبداً لكنها لا تحزن … لا تعرف الحزن ولماذا الحزن ؟ فعلامَ حزنك يا فراشة وما سبب إطراقتك الكثيرة الجد وما تعرف الفراشات غير المرح والتنقل بين أجمل الزهور من حقل لآخر ؟ إنحناءة وجهكِ ورأسك في الصورة وإطباقة عينيك تحت الجفنين … كلها أمور ٌ تجعلني حزيناً مشاركاً في بعض أحزانك . هل تقبلين أن تنتقل الأحزانُ بالعدوى البعيدة منك إلى متابعي قراءة شعرك ؟ أتمنى … أود ُ … ليتني أرى عينيك مفتوحتين مشعّتين كالماسة في نصف عَتمة ، متمردتين على الجفنين توجهان النظرات الباسمة المتفائلة للقراء دونما تمييز . بسمات أُممية عابرة للقارات لا تسأل القارئ عن هويته أو جنسه أو عرقه أو لغته أو شكله . الفراش لا يسأل عشاقه والمغرمين بجمال ألوانه وتيه تحليقاته وتكبره على محبيه … لا يسألهم من أنتم ومن أية قومية وبأية لغة تتكلمون . إرفعي رأسك يا شاعرة قليلاً . دعي أجفانك تسترخي قليلا ً فالجفن غطاء ٌ والغطاءُ ستر ٌ والأستارُ حجابات والحُجُب ظلام ٌ وعَتمة . إبتسمي للقارئ لكي يفهمَ شعرك أفضل ويفهمك أفضل ويدخل عالمك أسرع وأكثر رشاقة ً . الفراشة لا تعرف الأحزان . من أين يأتيها الحزن ؟ من أي حقل ومن أية وردة ٍ وعمرها قصير ؟
أنهيت كتابة رسالتي وصاحبي المتنبي غير مصدق ما يرى . يتساءل لمن يكتب صديقه ولِمَ لا ترد الشاعرة المخاطَبة ؟ أنا مثلك يا متنبي لا أعرف هذه الأسرار وليس لدي َّ عنها إجابات . سألني وهل تعتقد أنَّ هذا الشاعرة الخرساء الصماء تقرأ وتفهم ما كتبتَ لها ؟ لا أدري يا متنبي ، حقاً لا أدري . حيرني أمر هذه الفتاة اللغز الغامض . ثم عاد المتنبي يسألني : هل خاطبتَ وكتبتَ للصورة الماثلة على الشاشة أمامنا أم إنك خاطبتَ صاحبة الصورة وكتبتَ لها ؟ أجبته هازئاً : وما الفرق يا صاحبي ؟ ردَّ متهكماً كأنه يكيل لي الصاع بالصاع : الفرق كبير يا جاهل . كيف ؟ قال : الصورة أمامك شئ وصاحبة الصورة شئ آخر . لم أفهم ، قلت لصاحبي . الصورة قد تكون محسَّنة / لعب بها رتوش المصور / أو مزوَّرة أو مزيفة لا علاقة لها بصاحبتها الأصل . الصورة خيال وشبح في مرآة . الصورة مقلوب الأصل . ثم ، أليس في الإمكان تركيب رأس ووجه معين على جسد إنسان ٍ آخر ؟ أنا ، قال ، أستطيع أن أقطعَ رأسي بسيف ٍ حاد وأضع بدلاً منه رأس خروف أو حمار ، أقدر على ذلك أو تراني لستُ قادراً ؟ أجبته لست أدري يا سيدي. قال إذاً لا تغرنك الصور على شاشات الكومبيوتر . حذارِ حذارِ . لم يكد صاحبي يُنهي تحذيراته حتى برزت على الشاشة خلف صورة الشاعرة التي شكك المتنبي بحقيقتها رسالة جميلة الخط رداً على رسالتي . ظهرت بارزةً دون صوت أو ضجيج. من كتبها ؟ لا أحد يدري . هل كتبت أو تحركت صاحبتنا الشاعرة الصموت ؟ هل تحركت شفتاها الممتلئتان المكتنزتان أسراراً وأنفةً وعزة ً وكبرياءً وإعتداداً بالنفس ؟ بقيت الصورة تلك الصورة التي لم تفارق شاشة الكومبيوتر . لم يظهر عليها تعب أو سأم أو ملال . لم تتحرك كأنها صورة حقيقية يحتويها إطار من الذهب معلقة ٌ على جدار خيالي من وهم . ماذا كتبت الصورة أو صاحبة الصورة أو من ناب منابها وكتب بإسمها ؟ نقرأ والعجبُ يأخذنا :
لن أشكرك . لن أستجديك . لن أستعطفك .
لا أكتب لك لأنك وببساطة سحبتَ مني سلطة الفعل . لا يملكُ هذه الأخيرة إلا قادرٌ مقتدرٌ يصنع من صوامت الحروف نَغماً وينحتُ أجساداً لخرافة الفكرة من وحل الواقع … أو آخر لا يعلمُ أن َّ ما يصنعه هو صنع آخر لدمعٍ من ندى أو لعصفورٍ من ورق لأحلام طفولة لهاجس ٍ ، لأرق ٍ ، لحمى الإبداع . أنتَ ، وبعبقرية شديدة كنتَ خياراً ثالثاً بين هاتين الحالتين فإقتبستَ نوراً من عَتمة ٍ وظُلمة ً من بياض من آخر الصفحة التي رسمتَ عليها بعضاً أو كلاً مني .هذه العبقرية تحدّت عدوى حدودَ الزمن وشقائي المرير في أن أكون َ وأُلغي فكرة َ أن ْ لا أكون . أدهشتني عندما قرأتني ، أنا الصامتة في حزني والحزينة في صمتي حتى حسبتني وصاحبك زميلي الشاعر المتنبي ، حسبتماني خرساء صماء بهماء . أدهشتني إذ ْ إستطعتَ قراءتي وإختصرتَ المسافات بين أشعة الشمس وأجنحة الفراش وإختصرتَ أيضاً المسافةَ بين قلمي وعُذرية تلك الصفحات البيضاء . لا تظنها رجاء ً إنها ملكي أنا فقط … بل إنها ملكك … إنها أنتَ أيضاً ما دامت عيناي وعينك أدركتا فيهما طلاميس الحزن الخَرِف ، الهرم ، الشائخ بقلب إمرأة ٍ تداعت فإلتجأت وإحتمت بالسطور وبالحرف وبالقلم . هكذا سيكون لقاؤنا بتلك المساحات الإنسانية التي صنعتُها فاقبلْ دعوتي الأخيرة بسطوري الأخيرة من آخر قصيدة نشرتها قبل ما يقرب من مليون عام … إقبلْ دعوتي فمدني تنتظر دخولك وتنتظر الفاتحين مثلك !!

أصابنا كلينا ذهول مطلق . ما هذا ؟ من كتب هذه الرسالة ولمن كُتبت ؟ قال المتنبي بغرور وعُجب إنها له وإنه يعرف صاحبة هذه الصورة الجميلة وقد طالما إلتقاها هنا وهناك وطالما تمشيا معاً على رمال سواحل البحار و …و … وظلَّ يؤلف القصص ويبالغ في مغامراته مع صاحبة الصورة لا مع الصورة نفسها . إنه فرّق بين الإثنتين . قال الصورة لك وصاحبة الصورة لي . إنها قسمةٌ ضيزى يا متنبي ! قال لا تنسَ إنَّ الدنيا حظوظ ، هذا حظك وهذا حظي وعلينا أن نقبل بالمقسوم .
لم نكد ننهي الجدل بيننا حتى إختفت الصورة وإظلّمت شاشة الكومبيوتر . سطع برق ٌ شديد تبعه رعد يخترق الآذان ثم تساقط مطرغزير فنهضت من فراشي مذعوراً مرعوباً متطلعاً في شاشة الكومبيوترلعلني أرى صورة ً أو أصلاً لصورة . لم أرَ شيئاً . أين المتنبي ؟ لا وجود له في بيتي.
تعوذت من الشيطان ورجعت إلى فراشي . كان حلماً إذاً بداياته جميلة مغرية ونهاياته مرعبة حزينة . غياب وظلمة . غاب الأحباب وغرقت أجهزتي في ظلام دامس . لا يحلو النومُ لي إلا في دامس الظلام !!
يا سَحَرة ويا أطباء علم النفس أصحاب فرويد : ما تفسير هذا الحُلُم ؟

عدنان الظاهر مايس 2007