الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة الرابعة والأربعون )أستياجيس

مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة الرابعة والأربعون )أستياجيس

عشق.. ومذاهب
قال أحد الشعراء قديماً:
ومن مذهبي حبُّ الديار لأهلها وللناس في ما يعشقون مذاهبُ
وكذا الأمر في قراءة التاريخ، فللناس في قراءته مذاهب شتى.
فبعضهم يقرأ التاريخ من زاوية معرفية استكشافية؛ إنه يعشق الاطلاع، ويهوى البحث عن الحقائق، ويريد معرفة ما جرى على هذه الأرض من مشكلات وأحداث.
وبعضهم يقرأ التاريخ من زاوية علمية فلسفية؛ إنه يشغف بالكشف عن العوامل المباشرة وغير المباشرة في صناعة الأحداث، ويهوى الوصول إلى الدوافع الخفية لهذا الحدث أو ذاك، ويسعى إلى الربط بين الأسباب والنتائج، وتحديد المسارات الكبرى لمسيرة الأمم وتوجّهاتها.
وبعضهم يقرأ التاريخ من زاوية اتعاظية أخلاقية، إنه يريد معرفة ما مارسه الأقدمون من الإيجابيات والسلبيات، والمنافع والمضار، وما أنجزه الأخيار وارتكبه الأشرار، ليخرج من كل ذلك بدروس وعِبَر عظات.
وبعضهم يقرأ التاريخ بحثاً عن هوية شُوّهت، وجذور طُمست، وجغرافيا نُهبت، وثقافة اغتيلت، وحقوق سُلبت، وتصحيحاً لحقائق حُوّلت إلى أباطيل، وفضحاً لجرائم عُدّت أمجاداً، وتصويباً لمدنَّسات أُنزلت منزلة المقدَّسات.
وبعضهم يقرأ التاريخ من زاوية نرجسية عنصرية، فيبحث عن كل ما يتعلق بقبيلته أو بقومه أو بدينه أو بمذهبه، حتى إذا فاز ببعض ما يريد شرع ينفخ فيه، فيكبّره ويعملقه، ويجمّله ويزخرفه، ويعمد في الوقت نفسه إلى تواريخ الآخرين، فيطمس كل حسنة، ويغيّب كل فضيلة، ويقزّم كل ما يعلي من شأنهم؛ لماذا؟ لأنه لا يطيق وجود الآخرين إلا إذا كان لهم سيداً مطاعاً، وكانوا له عبيداً وأتباعاً.
وبعضهم يقرأ التاريخ من زاوية الذهنية الإمبراطورية التي نشأ عليها، إنه شغف بالأمجاد العظمى، مهووس باجترار أحداث سُفكت فيها الدماء، وقُطعت فيه الرقاب، ويطيب له أن يبارك العهود التي كان فيها أجداده يمتشقون السيوف، وينقضّون على الشعوب الأخرى، فيحتلون البلاد، ويقهرون العباد، وينهبون الثروات، ويستأثرون بالخيرات، ويذيقون الآخرين أنواع البلاء والنكبات.
عصور ولّت!
وأحسب من جانبي أن أفضل قراءة للتاريخ هي تلك التي تجمع بين حب الاطلاع، واستكشاف المجهول، ومعرفة الأحداث كما هي، وتمييز الإيجابيات من السلبيات، والمنافع من المضار، والخروج من كل ذلك بما يحفظ لكل شعب كرامته، ولكل أمة هويتها، ولكل ثقافة نكهتها، ولكل جغرافيا حرمتها، بعيداً عن النزعات العنصرية، وبمعزل عن الطموحات الإمبراطورية، وبما يرسّخ علاقات المودة بين الشعوب، ويقيم الجسور بين الأمم والثقافات، ويربّي الأجيال على رؤية إنسانية واقعية، فيها حرص على الآخر بدل التنكيل به وإلغائه.
أما عصر قعقعة السيوف، وصهيل الخيول، وتجنيد المرتزقة والانكشارية، واكتساح الشعوب، وتشييد الإمبراطوريات القومية أو الدينية أو المذهبية، فقد ولّى، ولم يعد الوعي البشري في القرن الحادي والعشرين يطيق هذه الأحلام الوبائية النرجسية، أجل، إن الأمجاد الوحيدة الممكنة في عصرنا هذا هي أمجاد العلم والمعرفة والحضارة، أمجاد الانتقال بالشعوب من ظلمات التخلف إلى إشراقات التقدم، ومن عذابات الفقر والشقاء بأنواعه إلى زرع المسرة في قلوب المعذَّبين، ورسم الابتسامات على وجوه المسحوقين.
أقول هذا لأني اكتشفت، من خلال قراءتي تاريخ غربي آسيا، حقيقة هي في الغاية من المرارة، ملخّصها أننا- نحن شعوب هذه المنطقة فرساً وعرباً وكرداً وأرمناً وتركاً وكلداناً وسرياناً وآشوريين ومندائيين- خرجنا من انحطاط إلى انحطاط، وما كدنا نفلت من قبضة السبات الطويل في العصر الوسيط حتى وقعنا في قبضة التناحر في العصر الحديث، هذا يلغي ذاك ويعمل لإفنائه، وذاك يشوّه تاريخ الآخر ويعمل لتغييبه، وثالث يلوّح بأمجاده الإمبراطورية على حساب تقزيم الآخرين، ورابع مشغوف بتطبيق قول الشاعر الجاهلي عمرو بن كُلثوم:
لنا الدنيا ومَن أضحى عليها ونَبطِش حين نَبطِش قادرينا
وخامس لسان حاله يقول كما قال أبو فراس الحَمْداني:
ونحن أناسٌ لا توسّطََ بيننا لنا الصدرُ دون العالَمين أو القبرُ
وسادس يختزل شعوب المنطقة كلها في قضيته، أو في قبيلته أو في قوميته، أو في دينه، أو في مذهبه، وعلى الآخرين جميعاً، شاؤوا أم أبوا، أن يكونوا طوع أمره، ورهن إشارته، وإلا فهم خونة وأعداء، وشراذم وعملاء.
عليكم بحكيم المَعَرّة!
وإني لأتساءل: تُرى ما الذي جرّ علينا كل هذا البلاء؟!
واتضح لي بعد طول تأمل أن المسألة تكمن في طريقة قراءتنا للتاريخ.
ترى من أية زاوية نقرأ – نحن المثقفين خاصة- تاريخ غربي آسيا؟
هل نقرأه من زاوية عنصرية إمبراطورية، أم من زاوية معرفية أخلاقية؟
ومن هنا كنت أعتقد أنه قبل أن نعاتب ساسة الشعوب، ينبغي أن نعاتب مثقفيها، وأرى أن الساسة الذين ينفّذون الأجندات الإمبراطورية هم ضحايا للمثقفين الذين ربّوا الأجيال على الثقافات الإقصائية. إن الخطوات الصائبة في مسيرة الأمم تبدأ من أفواه المثقفين وأقلامهم أولاً، وعلى مثقفي غربي آسيا الانتباه إلى الأدوار الخطيرة التي يقومون بها، والتي يمكن أن يقوموا بها مستقبلاً، لتخليص شعوبنا من التناحرات والتناقضات والاصطفافات العدائية والشكوك والاتهامات.
وأقترح على مثقفي غربي آسيا أن يضعوا رؤية كل من عمرو بن كلثوم وأبي فراس النرجسية جانباً، فالدنيا يمكن أن تكون لنا ولغيرنا، والوجاهة يمكن أن نتقاسمها مع الآخرين، والأمجاد يمكن أن تكون لنا جميعاً، وما أروع قول ذلك الشاعر:
لَعَمْرُكَ ما ضاقت بلادٌ بأهلها ولكنّ أخـلاقَ الرجالِ تَضيقُ
إن مثقفي غربي آسيا بحاجة ماسة إلى الأخذ برؤية ذلك السوري الأصيل، حكيم المعرّة، أبي العلاء، المثقف الغرب آسيوي العملاق، وابن الإنسانية البارّ، وصحيح أنه كان أعمى البصر، لكنه بثقافته الموسوعية، وبروحه الإنسانية، كان مشرق البصيرة، رحيب الرؤية، عميق الفكرة، أليس هو القائل:
ولو أني حُبِيتُ الخُلـدَ فرداً لما أحببتُ بالخلـد انفرادا
فلا هطلتْ عليّ ولا بأرضي سحائبُ ليس تَنتظمُ البلادا
فهلاّ اقتدينا- نحن معشر مثقفي غربي آسيا- بهذا الرجل في رؤيته؟!
عَود على بَدء
ولا أدري لماذا قفزت هذه الخواطر إلى ذهني وأنا بصدد الكتابة عن أستياجيس الميدي؟ ترى ألأني سأستعرض تاريخ أحد قادة الإمبراطوريات القديمة في غربي آسيا، وكان يقود دولة لأشهر جدود الكرد في القرن السادس قبل الميلاد؟ أم أنه الخوف اللاشعوري من الوقوع في أسر الذهنية الإمبراطورية الذي يقع فيه بعض مثقفي غربي آسيا؟ أم هو النفور العفوي الدفين في أعماقي من كل نزعة إمبراطورية، باعتبار أنه لا إمبراطورية من غير عنف؟
ومهما يكن فإن نصيب الكرد من العهود الامبراطورية في غربي آسيا، منذ الألف الأول قبل الميلاد وإلى هذا اليوم، أي طوال ثلاثة آلاف عام، لا يكاد يصل إلى قرن ونصف من الزمان، وصحيح أن الدولة الميدية دامت حوالي (128) سنة كما يذكر هيرودوت (تاريخ هيرودوت، ص 93)، لكن خلال ذلك حكم الغزاة السكيث ميديا والبلاد المجاورة مدة (28) سنة، ومن المئة سنة الباقية حكم الميد حكماً إمبراطورياً حوالي ستين سنة فقط، بين عامي (612 – 550 ق.م)، وفي العهد الأيوبي حكم الكرد حكماً إمبراطورياً بين عامي (1175 – 1250 م)، أي حوالي خمسة وسبعين عاماً فقط.
وكان أستياجيس آخر ملوك ميديا الإمبراطورية.
فمن هو الرجل؟
وكيف كان سقوط دولة ميديا؟
أستياجيس ملكاً
مر في هذه السلسلة أن الميديين كانوا مرغمين على التبعية للإمبراطورية الآشورية صاحبة البأس في غربي آسيا، وأن الزعيم الميدي دياكو Deioces(يسمى ديوكو Dioku، وكيقباد أيضاً، توفي حوالي سنة 675 أو 655 ق.م) كان أول من لملم شتات القبائل الميدية، وانتقل بها من الذهنية القبلية إلى ذهنية الأمة، وبنى العاصمة إكباَتانا (هَمَذان)، وبنى قصراً ملكياً، ووضع التشريعات والمراسيم التي تنظم أمور المجتمع، وأعلن بعدئذ الثورة على السلطات الآشورية، فخسر الجولة، ونُفي إلى حماه في سوريا مع عدد كبير من حاشيته، ثم أعيد إلى ميديا بعد حين.
ومر أيضاً أن فراورتيس Phraortes ابن دياكو، ويقال له خشتاريتي (خشاثريتا) khshathrita أيضاً، تولّى الحكم بعد والده، بين (674 – 653 ق.م)، أو بين (655 – 633 ق.م)، وامتاز هذا الزعيم بالحنكة، فوحّد القبائل الميدية ثانية، وأعاد كيان الدولة إلى سابق عهده من حيث القوة والاستقلال، وأخضع لسلطانه بعض القبـائل الآريانية، وأهمها السميريون Cimmerians والسكيث Scythians، والمانيين Manens، والأورارتو Ourartens، والفرس، ورفض دفع الجزية للدولة الآشورية، وهبّ بعدئذ لمقارعتها، وكاد أن ينتصر عليها، لولا أن الغزاة السكيث استغلوا غيابه عن دولته، وهاجموا ميديا واحتلوها، فاضطر إلى الانسحاب.
وبعد فراورتيس حكم ابنه أُوفاخاشترا Ouvakhshatra، المشهور باسم كي أخسار Cyaxares أو كَيْ خُسْرو kai-Khosru، بين (633 – 584 ق.م)، أو بين (625 – 593 أو 595 ق.م)- ويسمى في بعض المصادر (اكسركيس) و(سياشاريس)، وهو أقوى ملوك ميديا، وعلى يده تحررت ميديا من حكم السكيث، وبجهوده سقطت الإمبراطورية الآشورية، وانتقلت ميديا في عهده من كونها دولة عادية إلى كونها إمبراطورية كبرى، تتقاسم أراضي غربي آسيا مع الدولة البابلية في بلاد الرافدين، والدولة الليدية في آسيا الصغرى (غربي تركيا)، والدولة المصرية، وخاض حرباً ضروساًَ ضد الجار الغربي الشمالي حاكم ليديا، ثم تمّ الصلح بين الطرفين، وزوّج الملك الميدي ابنه استياج من ابنة آلياتس Alyates ملك ليديا، واستتبّ السلام في غربي آسيا.
وبعد وفـاة كي أخسار سنة (585 ق.م) خلفه على العرش ابنه أستياج، ويعرف باسم أستياگز (أستياجيس) Astuages، فحكم بين (584 – 549 ق.م)، واسمه بالآريانية القديمة (أَرِشْتِفاگا) Arishti vaiga أو أي (رامي الرمـح)، وهو اسم كردي معنًى ومبنًى، ويعني (الذي يرمي الرمح) é recht Avaije. وذكر مهرداد إيزادي أن أستياگز هو آزهي دهاك (آژي دهاك) Azhi Daihk، الذي عرف في المصادر الإسلامية باسم الطاغية (الضحّاك)، ولعله استقى هذه المعلومة من المصادر الفارسية، وهي بشكل عام غير موضوعية وغير أمينة فيما يتعلق بملوك ميديا.
والحقيقة أن تعدد أسماء ملوك غربي آسيا في المصادر التاريخية يعود، في الدرجة الأولى، إلى الخلط بين الأسماء والألقاب، فالاسم واحد، لكن الألقاب متعددة، وهذه عادة شغف بها الملوك وكبار الشخصيات في الشرق بشكل عام، وحسبنا أن نتذكر في هذا المجال ألقاب الخلفاء والوزراء وحتى بعض كبار العلماء في العهود الإسلامية، فقلّة من الناس تعرف أن الخليفة العباسي المعتصم بالله اسمه (إسحاق)، وأن اسم الناصر صلاح الدين هو (يوسف)، وأقرب مثال على ذلك تلك الألقاب العديدة التي عُرف بها آخر ملوك إيران في العصر الحديث محمد رضا بهلوي، إنه اتخذ لقب (شاهنشاه= ملك الملوك)، ثم لقب (أُوريا مِهر= شمس الآريين).
أخطاء قاتلة
وقد ورث أستياجيس دولة قوية واسعة الأرجاء، راسخة الأركان، وافرة الخيرات، تتقاسم مع حليفتها الدولة البابلية البلاد الممتدة من الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، بما فيها فارس وكردستان وأذربيجان وأرمينيا وشمالي سوريا، وكان من المفروض أن يزيد هذا الملك دولته قوة على قوة، ويحافظ على ممتلكاتها، ويعتني بازدهارها، لكن جرت الأمور على عكس ذلك، وإليكم ما ارتكبه أستياجيس من أخطاء، كانت سبباً في سقوط الدولة الميدية:
• أولاً: يبدو من سيرة أستياجيس أنه لم يكن ملكاً حازماً كما كان والده وجده، ولم يكن قدوة لشعبه في العدل ونكران الذات، وعلى العكس من اسمه (رامي الرمح) كان عازفاً عن قيادة الجيوش، وخوض الحروب، باحثاً عن الترف ورخاء العيش بين جدران القصور الملكية، مستغلاً الثراء الهائل الذي كانت تنعم به الدولة الميدية، حتى إن ديورانت سمّاه ” طاغية أكباتانا المخنّث “.
• ثانياً: كسر أستياجيس قاعدة دستورية كانت في منتهى الأهمية بالنسبة إلى المجتمع الميدي؛ أقصد الخروج على مبدأ (الجماعية) في قيادة دفّة الحكم، والانحياز إلى الاستبداد، وفرض الحكم المركزي المباشر، فقد كان الجد الأعلى للأسرة الميدية الحاكمة دياكو خبيراً بسيكولوجيا الجبال المتأصلة في كينونة الشعب الميدي، فنأى بنفسه عن الاستبداد التسلّطي، وأقام دولة لامركزية تعددية، يتمتع فيه زعماء الفروع الميدية وزعماء الشعوب التابعة للميديين بالمشاركة في رسم السياسات العليا وتنفيذها، وبذلك كانت الدولة تحتفظ بتماسكها وحيويتها.
• ثالثاً: أخلّ أستياجيس بقاعدة ستراتيجية أخرى كان والده وأجداده متمسّكين بها، حريصين عليها؛ أقصد إقامة التحالفات الإقليمية الكفيلة بتحقيق التوازن بين القوى الإقليمية الرئيسية، وكانت الدولة البابلية أقوى حلفاء الدولة الميدية، بل لولا التحالف بين الملك الميدي كي خسرو، والملك البابلي نبوبولاصر، لما استطاع كي خسرو إسقاط الدولة الآشورية، ولما تحررت شعوب غربي آسيا من القهر الآشوري الشرس، وأكبر أخطاء أستياجيس أنه دخل في صراع ضد الدولة البابلية، وشنّ الهجوم عليها، وحوّلها من حليف حميم إلى عدو ناقم يتربّص به الدوائر، ويترقّب أقرب فرصة للانتقام منه، هذا إضافة إلى أنه كان قد أثار حفيظة حكّام أرمينيا التابعين للدولة الميدية.
• رابعاً: تقول الحكمة القديمة: ” الناس على دين ملوكهم “، وهذا ما فعله كبار رجال الدولة في ميديا، إنهم نهجوا نهج ملكهم في الترف والبذخ والركون إلى حياة الرفاهية والدَّعة، والبحث عن لذائذ العيش، مستغلين وفرة الثراء الذي كان ينعم به المجتمع الميدي، ويصف ديورانت جانباً من ذلك الترف قائلاً:
” ” على أن انحطاط الميديين كان أسرع من نهضتهم، فقد أثبت أستياجس، الذي خلف أباه سياخسار، ما أثبته التاريخ من قبل، وهو أن الملكية مغامرة لا تؤمن مغبّتها، وأن الذكاء المفرط والجنون يتقاربان كل القرب في وراثة المُلك. لقد ورث المُلك وهو مطمئن القلب هادئ البال، وأخذ يستمتع بما ورث، وحذت الأمة حذو مليكها، وفنيت أخلاقها الجافة الشديدة، وأساليب حياتها الخشنة الصارمة، ذلك أن الثروة قد أسرعت إليها إسراعاً لم يستطع أهلها معه أن يحسنوا استخدامها، وأصبحت الطبقات العليا أسيرة الأنماط الحديثة والحياة المترفة، فلبس الرجال السراويل المطرّزة الموشّاة، وتجمّلت النساء بالأصباغ والحلي، بل إن الخيل نفسها كثيراً ما كانت تزيّن بالذهب، وبعد أن كان هؤلاء الرعاة البسطاء يجدون السرور كل السرور في أن تحملهم مركبات بدائية ذات دواليب خشنة غليظة قطعت من سوق الأشجار، أصبحوا الآن يركبون عربات فاخرة عظيمة الكلفة، ينتقلون بها من وليمة إلى وليمة “. [ول ديورانت: قصة الحضارة، مجلد 1، ج1، ص 401 – 402].
• خامساً: كان الانصراف إلى الترف في العيش، والبذخ في الإنفاق، من أهم أسباب ظهور التناقضات الداخلية في قمة هرم السلطة الميدية، ففي أجواء البذخ والترف تنمو النزعات الأنانية، وتزدهر الوصولية، ويظهر التكالب على الثروة، والاستئثار بالمناصب، وإسناد المناصب العليا إلى رجال غير أكفاء.
• سادساً: وفي مُناخات سلطوية تسلّطية كهذه تتفاقم المحسوبية، ويتراجع العدل، وتتعمق الفوارق بين طبقات المجتمع، وتكثر المظالم، وبدل أن يكون الشعب صفاً واحداً في مواجهة الأحداث الداخلية والخارجية، ينقسم إلى فريقين: فريق متسلّط يحتكر الحكم والثروة، ويستعمل القهر للحفاظ على مكاسبه، وفريق يعمل للخلاص من القهر بكل وسيلة.
• سابعاً: إن من يجرؤ على ظلم الأقارب يكون أكثر جرأة على ظلم الأباعد، وأحسب أن أستياجيس تحوّل يوماً بعد يوم إلى (طاغية)، همه الأكبر أن تتمركز السلطة بين يديه، وتعنو له الوجوه، وتخضع له الرقاب، وكان من الطبيعي أن يفيض ظلمه، فيصل إلى الشعوب التي كانت تخضع للدولة الميدية، وكان الفرس أقوى تلك الشعوب حينذاك.
سقوط الدولة الميدية
وفي الوقت الذي كان الملك الميدي منشغلاً بالترف من جانب، وبممارسة الاستبداد والسياسات الطائشة من جانب، كانت بلاد فارس التابعة للدولة الميدية، والواقعة جنوبي شرقي ميديا، تشهد نهوضاً وازدهاراً كبيراً، بقيادة حاكمها قمبيز بن كورش الأخميني، وصحيح أن قمبيز كان تابعاً في سلطته للملك الميدي، لكنه يبدو أنه كان يتمتع بمزايا قيادية رفيعة، حتى إنه أستياجيس زوّجه ابنته (ماندانا) مع ملاحظة عراقة اسم (مَنْد/ماند) في التراث الكردي، ودلالته الدينية، وهو باق إلى الآن في التراث الكردي الأيزدي، ولعل أستياجيس فعل ذلك لكسب ولاء الحاكم الفارسي اللامع، وتحقيق التوازن ضد كبار القادة الميديين الناقمين على سياساته، والذين كانوا ينافسونه في هرم السلطة.
وولدت ماندانا ابنها كورش الثاني من زوجها الفارسي قمبيز، ويسمى كورش Kursh: قورش، وسيروس Cyrius، وكي خسرو الكبير، وقد تولّى الحكم بعد والده قمبيز، وأعلن الثورة الثورة في فارس (پارس) سـنة (552 ق.م)، واستثمر الظروف الإقليمية حينذاك، فأقام تحالفاً وثيقاً مـع الملك البابلي نابونيد ضد الميديين، وكان أستياگز قد هاجم بابل قبل ذلك، وجعل الحليف البابلي يتحوّل إلى عدو كما مر، كما كان كورش الثاني صديق ديگران الأول ابن يروانت حاكم أرمينيا التي كانت تحت النفوذ الميدي، وعندما قرر الثورة على الميديين أقام تحالفاً وثيقاً مع يروانت أيضاً (25).
وكان كورش قد أحكم الخناق ضد جده لأمه أستياجيس، بأن عقد تحالفاًَ سرياً مع أبرز كبار قادة الميد في إكباتانا، وأشهر أولئك القادة هارپاج harpage(هارپاجوس)، وأحسب أن اسمه الميدي بصيغته الكردية هو آر پاك Ar pak ، ويعني (النار الطاهرة)، أو (الناري المبارك)، أما اللازمة (س) فهي من إضافات مؤرخي اليونان كما هو معلوم، وعلم أستياجيس بما دُبّر ضده، فحشد قواته، وزحف كورش بجيشه من فارس على ميديا، واشتبك مع جيش جده أستياجس، وسرعان ما خذل بعض كبار القادة الميد مع جنودهم الملك الميدي، فحاقت الهزيمة بالملك الميدي، وقبض عليه كورش، وألزمه بالإقامة الجبرية في أحد قصوره، وصارت إكباتانا عاصمة للدولة الأخمينية الجديدة سنة (550 ق.م) مع اختلاف في تحديد تاريخ السقوط.
تفسير أسطوري
وقد أورد هيرودوت أحداث سقوط الدولة الميدية بطريقة يهيمن عليها التفسير الأسطوري للتاريخ، وهيرودوت هو من سكان هاليكارناسوس، إحدى بلدات جنوب غربي آسيا الصغرى (تركيا حالياً)، ولد سنة (490، أو 480 ق.م)، وتوفي نحو سنة (436 أو 425 ق.م)، وقد بدأ رحلاته وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، أي في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وبعد مرور قرن على سقوط الدولة الميدية، ودامت رحلاته (17) عاماً، زار خلالها اليونان، وشمالي إفريقيا، ومصر، وسوريا الكبرى، وبلاد الرافدين، وبلاد القوقاز، وصحيح أنه أول المؤرخين اليونان وأعظمهم، لكنه كان ينقل كل ما يسمعه وما يقرأه، بما فيه من الخرافات والأساطير، ونادراً ما تجده يقف منها موقف الناقد المتفحّص الحازم.
ويتجلّى دور الأسطورة بشكل واضح في أحاديثه حول سقوط الملك الميدي أستياجيس، والأمر الذي يثير الشك أكثر أنه اعتمد في رواية الأحداث المتعلقة بسقوط الدولة الميدية على الرواة الفرس، ولا نجده ينقل أي خبراً عن أي شخص ميدي في هذا المجال (تاريخ هيرودوت، ص 77)، وإليكم خلاصة ما رواه:
رأى استياجيس ذات ليلة حلماً غريباً متعلقاً بابنته ماندانا، وفسر له الكهنة الماج (المجوس) ذلك الحلم بأن ابنته ستتزوّج، وستلد طفلاً يزيحه عن الملك ويحل محله. وبما أن أستياجيس كان يتوجّس شراً من كبار الزعماء الميديين المنافسين له، والمماثلين له في العراقة والوجاهة، قرر ألا يزوّج ابنته من ميدي، وزوّجها من الحاكم الفارسي قمبيز، وولدت ماندانا كورش، ورأى أستياجيس حلماً آخر، فسرّه له الكهنة على النحو السابق، وأكّدوا له أن حفيده الفارسي سيقضي على سلطته.
ونتيجة لذلك التفسير قرر أستياجيس الخلاص من الطفل، فاستدعى ابنته من مدينة أنشان عاصمة إقليم فارس، ومعها طفلها، ثم استدعى الزعيم الميدي المقرّب منه جداً هارپاك، وأفضى إليه بالسر، وطلب منه العمل لقتل الطفل، وإذا تراخى في الأمر ولم ينفّذه سيلقى عقوبة قاسية، وبما أن الطفل ينتسب إلى الدم الملكي عبر أمه ماندانا لم يجرؤ هارپاك على قتله بيده، فطلب من راعيه مِثرادات (عطاء الإله مثرا) أن يأخذ الطفل، ويضعه في مكان جبلي بعيد موحش، لتفترسه السباع، ثم يأتيه بما بقي من أشلائه.
لكن جمال الطفل سحر زوجة الراعي، وكانت قد ولدت طفلاً عليلاً، ما لبث أن مات، فألحّت على زوجها أن يأخذ طفلهما الميت، ويضعه في الجبل، لتنهشه السباع، ثم يأخذ بقاياه لهارپاك على أنها أشلاء كورش، وأما كورش فسيحمل اسم طفلهما الميت، ويظل حياً باعتباره ابن الراعي، وأخذ ميثرادات باقتراح زوجته، وأوهم هارپاك بأن الطفل كورش مات، ونقل هارپاك بدوره الخبر إلى استياجيس، فطابت نفسه، وزال الخطر الذي كان يتهدده.
لكن ما لبث الطفل كورش أن بلغ مرحلة الصبا، وصار يتصرف في القرية تصرّفات أبناء الملوك، ويقوم في الألعاب بدور الملك، ويعاقب أبناء الوجهاء إذا خرجوا عن طاعته، فضاق هؤلاء بابن الراعي ذرعاً، وشكوا أمره إلى الملك، فطلب الملك من الراعي ميثرادات الحضور إلى القصر مصحوباً بابنه، وحضر الراعي، ولمح الملك في الصبي الشبه بكورش، فضغط على الراعي، وهدده بالتعذيب، فباح الراعي بالحقيقة، فاحتجز الملك الطفل في القصر، واستشار كبار الكهنة في أمره، فرأوا أن الخطر مر بسلام، فالصبي قد قام بدور الملك في القرية، وهذا ما كان الحلم يشير إليه، ولا داعي إلى قتل كورش.
واقتنع أستياجيس بتفسير الكهنة، فأبقى على كورش، لكنه قرر الانتقام من هارپاك الذي لم ينفّذ أمره بدقة، فطلب منه إحضار ابنه إلى القصر، كي يكون صاحباً للصبي كورش، ولما أحضر هارپاك ابنه أمر الملك بقتل الصبي سراً، ثم أولم وليمة ودعا إليها هارپاك، فتناول هارپاك ما لذ من اللحم مسلوقاً ومشوياً، وبعد أن شبع أعلمه الملك أنه كان يأكل لحم ولده، عقاباً له على عدم تنفيذ ما أوكله إليه بشأن قتل الطفل كروش.
لكن هارپاك كان حكيماً، فلم يظهر انزعاجه، بل أظهر رضاه بما فعله الملك، وظل مقرّباً منه، ويطلع على أسراره، لكنه قرر منذ ذلك اليوم أن يطيح بأستياجيس، ويقضي عليها انتقاماً منه، فشرع يثير الزعماء الميد سراً ضده، ويشوّه صورته بين الجماهير، وما اكتفى بذلك، بل اتصل سراً بكورش وكان قد صار حاكماً على فارس بعد أبيه، وذكر له المؤامرة التي كان جده أستياجيس قد حاكها لقتله، وحرص هارپاك على إنقاذه، والعقاب المريع الذي حلّ به نتيجة ذلك، وحرّضه على إعلان الثورة ضد أستياجيس، وطمأنه بأنه قد جعل المناخ في أكباتانا مناسباً للخلاص منه، وكان الفرس يتململون من سيطرة الميد عليهم، ويترقّبون فرصة الخلاص منهم، فتشجّع كورش، وأعلن الثورة على أستياج. (تاريخ هيرودوت، ص 82 – 92).
وعلم أستياجيس بثورة كورش، فأرسل له رسالة تهديد، واستعد في الوقت نفسه للقضاء على الثورة، قال هيرودوت في ذلك:
” فما كان منه إلا أن عبّأ الميديين، وحشد له الحشود، ولكن الفطنة خانته يومذاك، فجهل هارپاجوس على رأس قواته، ويبدو أنه نسي ما ارتكبه في حقه قبل حين، وكان من أثر ذلك العمل أن قلة من جنوده، لم تشترك في المؤامرة، هي التي صمدت في ساحة المعركة، حين اشتبك الجيشان ودار القتال، وأما البقية فكانوا بين فارّ إلى معسكر الفرس، ومتكلّف يصطنع القتال اصطناعاً، ليهرب بعدئذ من المعركة ” (تاريخ هيرودوت، ص 92 – 93).
ورغم الهزيمة التي حاقت بالجيش الميدي لم يفقد استياجيس رباطة جأشه، “فأقسم ألا يتيح لقورش فرصة النصر السهل، وقام بتسليح من بقي في المدينة من الميديين، كبيرهم وصغيرهم، بعدما عمد إلى إعدام الكهنة الذي أشاروا عليه بإطلاق كورش، بالخازوق، ولقد انتهى بسقوط جنوده في ساحة القتال، بينما حوصر هو واستسلم”. (تاريخ هيرودوت، ص 93).
وكان قد استمر في السلطة خمسة وثلاثين عاماً.
قال هيرودوت:
” ولما تم أسر أستياجيس جاءه هارباجوس مقرّعاً مندّداً، ينزل به أشدّ الإهانات، وهو يذكّره بالعشاء الذي قدّمه له، وكان من لحم ابنه، وسأله عن حاله بعدما غدا عبداً، وقد كان ملكاً قبل برهة، فحدج أستياجيس بنظره، وردّ عليه سؤاله بسؤال إن كان هارباجوس شريكاً لقورش فيما فعل؟ فأجابه بأن له قطعاً ضلعاً فيما وقع، فهو الذي كتب لقورش يحضّه على الثورة. فقال له أستياجيس: إذنْ، فأنت لست الأشدّ لؤماً بين البشر وحسب، بل أكثر الرجال غباء؛ فإذا كان هذا من تدبيرك حقاً، لكان الأجدر أن تكون أنت الملك، ولكنك أعطيت السلطان غيرَك، واللؤمُ فيك جليّ، لأنك بسبب ذلك العشاء حملت الميديين إلى العبودية، وإذا كان لا بد لك من أن تسلّم العرش لآخر غيرك، لكان الأجدر بك أن تقدّم هذه الجائزة لميدي، بدلاً من فارسي، لكن الحال القائمة الآن هي أن الميديين الأبرياء من كل جنحة غدوا عبيداً بعدما كانوا أسياداً، وأصبح الفرس سادة عليهم، بعد ما كانوا عبيداً عندهم”. (تاريخ هيرودوت، ص 93).
وأحسب أن رواية هيردوت هذه تتناسب مع تعطّش القدماء إلى البحث عما هو خارق وراء الأحداث الكبرى، وإذا حللنا الأمر بعيداً عن الأحلام والخوارق اتضح لنا أن طغيان أستياجيس من جانب، وحماقته في معالجة الأمور، وحدوث الانقسامات في قمة السلطة الميدية، ورغبة الشعوب الأخرى، ولا سيما الشعب الفارسي، في التحرر من السيطرة الميدية، وتوافر قيادة فارسية ذكية، هي عوامل مهمة تفاعلت، وأوصلت الدولة الميدية إلى تلك النهاية سنة (550 ق.م) أو سنة (546 ق.م) ،

المراجع
1. الدكتور أحمد الخليل: تاريخ الكرد في الحضارة الإسلامية، دار هيرو للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2007 م.
2. أرنولد توينبي: مختصر لدراسة التاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، الطبعة الأولى، 1964م، 2/ 302.
3. جيمس هنري برستد: انتصار الحضارة، ترجمة أحمد فخري، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الأولى، 1955م.
4. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت، دمشق.
5. طه باقر، فوزي رشيد، رضا جواد هاشم: تاريخ إيران القديم، مطبعة جامعة بغداد، 1979م.
6. مروان المدوّر: الأرمن عبر التاريخ، دار مكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الأولى، 1982م، ص 119.
7. Mehrdad Izady: The Kurds, p. 34.
8. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001م.
9. ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة الدكتور زكي نجيب محفوظ، الإدارة الثقافية، جامعة الدول العربية، الطبعة الرابعة، 1973، المجلد الأول، الجزء الثاني.

وإلى اللقاء في الحلقة الخامسة والأربعين. 
في 15 – 10 – 2007