الرئيسية » مقالات » محطات في حياة المناضل معن جواد(1)

محطات في حياة المناضل معن جواد(1)

كثيرون هم الذين شكلوا علامات بارزة في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي،والكثير منهم طواهم النسيان،وتجاهلهم الرفاق،رغم أنهم علامات مضيئة في تاريخ الحزب،وقدموا الكثير،وناضلوا في صفوفه عقود من السنين،لم تثنيهم الصعاب ولم تعيقهم المشاكل،وظلوا سائرين في ذات الدرب،رغم ما رافق مسيرتهم من عثرات وكبوات ندر أن يخلوا منها مجتمع أو فرد،لذلك أرى أن لهؤلاء حقهم عن تضحياتهم وجهودهم،وأن يكونوا محل استذكار أو تقدير،رغم أن الأعراف السائدة أن تسلط الأضواء على من أوتوا من الحظ شيئا،وتنسموا مراكز قيادية،ويترك الآخرين ليطويهم النسيان ويلفهم الصمت كما كان الحال في حياتهم التي لم يروا فيها ساعة من ساعات الهناء بل كانت نضال متواصل لا يعرف مرارته إلا من عانى وسار في دروبه المليئة بالأشواك والعقبات.
ومن هؤلاء شيوعي بارز،كان له أثره في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي،وأدوار مؤثرة في الكثير من المنعطفات التاريخية المهمة،وصورة مشرقة لا يمكن نكرانها أو تجاوزها إلا لمن أصيب بمرض الجحود،فقد عمل في صفوف الحزب في سن مبكرة،ونذر نفسه للعمل الحزبي،وناء بأعباء المهام والواجبات التي كلف بها،وظل حتى ساعاته الأخيرة وفيا لحزبه وشعبه،مشاركا في النشاطات الجماهيرية والاجتماعية رغم مرضه وتقدمه في السن،وما عومل به من إهمال شبه متعمد،ولكنه ظل على نقائه وأيمانه بالمبادئ التي ضحى من أجلها بأحلى سنوات عمره ،فلم يعرف فتوة أو شبابا،وينصرف لما ينصرف إليه من هم في هذي السن،بل سخر جهده ووقته لخدمة شعبه،وشارك في النضال وعمره لا يزيد عن ألأربعة عشر عاما، وظل تحت خيمة الحزب حتى كلل شعره البياض وجاوز السبعين.

أنه المناضل الذي يعرف الكثيرون (معن جواد العامري) أبو حاتم،شمس الفرات الأوسط،والناشط المندفع عبر عقود،وما أكتبه هنا استخلصته من مذكراته المطبوعة على الآلة الطابعة،وهي مأ احتفظت بها أسرته له،وما أعرفه أو سمعته من رفاق آخرين،وتجنبت أيراد الأمور الجانبية التي لا تخدم مسيرة الحزب في هذه الفترة،وما فيها من أمور قد تثير الكثير من المواجع،أثرت أن أتركها،لأن الفقيد العزيز لو ظل إلى هذه الأيام لما فعل أكثر مما فعلت،لما جبل عليه من تضحية وإخلاص وتفان ونكران ذات،وحرص على سلامة الحزب وبنائه.
ولد الفقيد كأغلب العراقيين في 1/7/1934 ،وقد يزيد أو ينقص قليلا،فكان العراقيون في السابق لا يسجلون أبنائهم في سجلات النفوس لأسباب عديدة ليس هنا مجال ذكرها،فكانت الأعمار تقدر من قبل الأسرة والموظف المختص،استنادا لبنيته،والعلامات الدالة على حدوث حادث ما في سنة ولادته،فيقال فلان ولد في “دكة عاكف” أو سنة التموين،أو معركة سن الذبان،وهكذا يتماختيارالسنة لأن الأسر العراقية لم تكن مهتمة بتسجيل ولاداتها أو العناية بتاريخها،لكنه على كل حال ولد مع ولادة الحزب الشيوعي العراقي،لذلك كان الاحتفال بعيد الميلاد الميمون بمثابة احتفال بمولده،ولعل للأقدار أثرها في هذا التوارد فقد كان الراحل من الأوفياء النجباء لحزبهم وشعبهم،لقد ولد في أسرة فلاحيه،كان والده يمتلك أرضا في قرية “البو مصطفى” ويعمل في مهن مختلفة فهو القصاب والنجار،ويمتلك محالات توفي باحتياجات القرية،وكان يعتبر ميسور الحال في تلك الفترة قياسا إلى الآخرين،لذلك أهتم بتربية أبنائه وإرسالهم إلى المدارس،حيث أنشأت مدرسة في القرية بجهود مختارها،وكان يرعى الفقراء والمعوزين،فتكونت له مكانة اجتماعية خاصة ،فكان يحضا باحترام الناس،لما عرف عنه من التعامل الإنساني،وأثر بشكل أو آخر في أبنه الذي أخذ بعض شمائله فكانت خير عون له في محطات حياته المختلفة وهو ما سنشير إليه في محله من هذه المقالات. دخل المدرسة الابتدائية سنة 1941 وكان معلمي القرية من الحلة والنجف والمسيب والهندية،وكان أكثر المعلمين في تلك الفترة من حاملي الفكر الوطني اليساري والديمقراطي،فكان تأثيرهم واضحا على طلابهم بما يطرحون من آراء تتناسب ومستوى تفكيرهم،فيها الكثير من الأيحاآت الداعية لحب الوطن والشعب ،وما كانوا ينشدون من أناشيد وطنية تذكي في نفوس الطلاب معاني الوطنية،وتلهمهم الكثير مما ظهر تأثيره في الأجيال اللاحقة التي تربت على أيدي هؤلاء، والتعليم في الصغر كالنقش في الحجر،لذلك كان للأفكار أن ترسخ في نفوسهم،فقد حدثت في تلك السنة حركة مايس،وما رافقها من تحركات عسكرية جلبت أنظار الأطفال ودفعتهم للاستفسار ،فكان معلميهم يسترسلون في شرح ملابساتها،وكان الاستعمار والوطن والتحرر،كلمات تتهادى على الشفاه لتأخذ طريقها إلى عقول الطلاب،وأكمل دراسته ودخل امتحان البكاليوريا سنة 1947،فكان الأول في المحاويل،فأنتقل إلى دار المعلمين الريفية في المحاويل،وأكمل دراسته فيها. كان الحزب نشطا في تلك الفترة وله مرتكزاته في الأوساط الطلابية،فكان قطب الرحى في المظاهرات والمسيرات والإضرابات،وفي أحدى الإضرابات تساءل والده عن أسباب الإضراب،فقال له أحد الطلاب من رفاق معن،نريد السيادة للشعب والحرية والعدالة،فكانت هذه الكلمات تأخذ طريقها إلى تفكيره،وقد فصل شقيقه الأكبر سنة 1948 بسبب نشاطه الشيوعي ومشاركته في الوثبة المجيدة،فكان ينظر إلى أخيه نظرة تحمل الكثير من الإعجاب ومحاولة السير على خطاه،لذلك كانت له علاقاته الجانبية بالحزب وأن لم ترقى إلى مستوى التنظيم لفارق العمر والصفات المطلوبة في الشيوعي تلك الأيام،وبعد أكماله الدراسة في الدار،انتقل إلى إعدادية الحلة المركزية،فكان صدى المظاهرات والإضرابات والمصادمات مع الشرطة تدفعه للمشاركة فيها،فأرتبط بصلة مع أحد الطلبة الناشطين في الاتحاد،،وفي عام 1950 توطدت علاقته بابن قريته(وجيه عبد الله) الذي كان يزوده ببيانات الحزب ومنشوراته،وكان في قرية الصباغية صديقه مجيد الطعمة وهو على صلة بالحزب،وفي القرية مجموعة من الرفاق الذين تأثروا بشهيد الحزب(أحمد حسون)من أهالي المسيب،وقد أستشهد في مجزرة سجن الكوت،ومن خلال هذه العلاقة نظمت له صلة بالحزب.
وفي عام 1952 حدث انشقاق جماعة راية الشغيلة،فكان معن ضد هذا الانشقاق،رغم عدم معرفته بدواعيه وأسبابه،فكان مع زملائه الطلبة كثيرا ما اصطدموا بأنصار راية الشغيلة،وتحدث بينهم بعض المشادات التي تتحول إلى السب والشتم وليس الحوار والنقاش،وعندما تخرج في العام الدراسي1952- 1953 قدم طلبا للتعين معلم مستخدم براتب قدره(17)دينار،وعين في مدرسة البو مصطفى التي كان طالبا فيها،فكان مضطرا للعمل في العطلة الصيفية في أعمال مختلفة لانقطاع راتبه لكونه مستخدم وليس على الملاك الدائم،وظل معلما في هذه المدرسة وسجل طالبا في معهد المعلمين في الحلة،فكان يزاوج بين الدراسة والتعليم،وبعد أكماله المعهد ثبت على الملاك الدائم.
شارك في انتخابات عام 1954 إلى جانب قائمة الجبهة الوطنية ومرشحها الشيخ عبد الكريم الماشطة،مما سبب لهم مشاكل في القرية التي توالي نوري السعيد وصالح جبر،مما أضطر عائلته لترك القرية والانتقال إلى أراضيهم القريبة من المحاويل،وقد تطورت علاقته بالحزب عند دراسته في معهد المعلمين،وأصبح صديقا ثابتا للحزب،وانتقلت علاقته من مجيد الطعمة إلى الرفيق عزيز عبد اللطيف،فكان يقوم بنقل البريد الحزبي من الحلة إلى المحاويل رغم أنه لا يزال صديقا للحزب،وقد ترشح للحزب عام 1955 ،والتقى به أحد الرفاق وأبلغه بذلك،وكان الرفيق يرتدي زيا ريفيا عرف فيما بعد أنه الراحل صالح ألرازقي،وأعطي الاسم الحركي “مسرور”،فأزداد نشاطه في تلك الفترة،وكان يقوم بنقل الرفاق على دراجته إلى القرى والأرياف لمتابعة أمور التنظيم،وقد أطلق سراح أبن عمته(حسن علوان) في تلك السنة،وكان معتقلا في سجن بعقوبة،فأخبره ذات يوم بأن أحد الرفاق سيزوره في منزله،وأعلمه بكلمة السر وأعطاه أوصافه،وفعلا زاره الرفيق المذكور وقدم نفسه “أبو عباس” وأبلغه بإقرار عضويته في الحزب،وقد عرف فيما بعد أن أبو عباس هو الرفيق باقر إبراهيم الذي كان وقتها عضو لجنة الفرات الأوسط،ومسئول محلية بابل،وكان يزورهم في البيت ويحضا باحترام العائلة وتقديرها،فكلفه إضافة لنقل البريد مسئولية المحاويل،وكانت في وقتها تتكون من خلية في المحاويل وأخرى في الصباغية وثالثة في قرية الأمام،ورفاق في الريف،فقام بالمهمة خير قيام،وثمن عمله من قبل المشرف الفقيد صالح ألرازقي الذي زار الخلايا وأطلع على سير عملها،وفي عام 1956 شكلت منظمة حزبية لقيادة المحمودية التي كانت تابعة لبغداد أداريا وللواء الحلة حزبيا، والمسيب وسدة الهندية والمحاويل ،تولى مسئوليتها الرفيق صاحب الحميري وأشرف عليها تنظيميا الرفيق باقر إبراهيم،وفي هذه السنة تمت وحدة الحزب بعودة المنظمات المنشقة إليه،وصدرت جريدته المركزية اتحاد الشعب،فجاء الرفيق الموسوي لزيارته ومعه أعداد من الجريدة لتوزيعها على المنظمات،وكانوا جالسين في المضيف فجاء أخوه الأكبر وأخبرهم أن البيت مطوق،فطلب منه منعهم من الدخول إلا بعد جلب المختار،فأخبره أنهم أحضروا معهم مختار المحاويل،فطلب منه أخبارهم بأنه يرتبطون بمختار البو مصطفى وليس مختار المحاويل،ولكن مختار المحاويل قال لهم أن المسألة بسيطة فقد سرق منزل مدير الناحية من قبل الحارس،ويخشون أن السارق أودع المسروقات في قلعتهم بدون علمهم،عندها سمح لهم بالدخول بعد أن وزع أعداد الجريدة على النساء لإخفائها،ودثر الرفيق الموسوي بأيزار حتى لا يروه،وفعلا قاموا بالتفتيش بشكل سريع وخرجوا دون أن يعثروا على شيء،وقام بعدها بتوزيع الجريدة حسب الأصول. وبعد انعقاد الكونفرنس الثاني سنة 1956 الذي أوصى بتنشيط العمل الديمقراطي،وبدء العمل في الجيش،فكان أن تحرك الرفاق لبناء المنظمات الجماهيرية،فشكلت جمعية الملاكين الأحرار،وقد تولى قيادتها الرفيق المناضل خليف العبد علي شيخ عشيرة البو طيف،والطالب في كلية الحقوق آنذاك،وبدء بتشكيل الجمعيات الفلاحية ،فيما قام الرفيق أبو حاتم بتشكيل فرق رياضية للشباب تولى مسئولية فريق النجدة عبد الرزاق جاسم الخفاجي،وشكل فريق آخر باسم الطليعة،ولكن الضغوط المتواصلة التي استعملت من قبل الأمن على اللاعبين جعلت الكثيرين ينسحبون منها بسبب الحشية من اجراآت الدولة التي أخذت بتحذير أهالي اللاعبين من مغبة اشتراك أبناءهم في هذه الفرق. وفي سنة 1957 كبس بيت المطبعة،والقي القبض على الرفاق باقر إبراهيم الموسوي عدنان عباس ومحمد الحياوي وعبد الرزاق حياوي بوشاية أحد الرفاق الذي أنهار أثناء التعذيب،ثم القي القبض على الراحل صالح ألرازقي،والفقيد حسين سلطان الذي علم بالأمر وحاول السفر إلى النجف فعرفه أحد رجال الأمن وهو في باص المصلحة والقي القبض عليه،وقد أصيب والد ألراحل معن بجلطة دماغية في ذلك اليوم لذلك عندما جاءه الرفاق وأخبروه بما حدث وضرورة أبلاغ الرفاق الآخرين بالحادث أضطر لترك والده وهو في هذه الحالة والذهاب لإكمال المهمة،وفعلا أكملها بنجاح ،وأخبر الجميع حتى لا يقعوا في الكمين الذي نصبه رجال الأمن للقبض على الآخرين عند حضورهم إلى دار المطبعة. وفي يوم 12 تموز 1958 صدر بحقه أمر إلقاء القبض،فأضطر للابتعاد عن الأنظار،فذهب إلى قرية البو مصطفى،ومن جميل الصدف أن يكون في القرية ذلك اليوم حفل زفاف أبن مختار القرية،فكان ذهابه بمثابة مشاركة في الحفل لأنه معروف لديهم،وكان بينه وبين المختار علاقة قوية ومزاح فقال له المختار مازحا(أين تذهبون أنتم الشيوعيون سنسحلكم قريبا) فرد عليه ضاحكا (ولماذا تسحلونا نحن أخوان، والأمور في تغير مستمر ولا شيء ثابت)،ونام هناك تلك الليلة،وفي صباح اليوم التالي(14 تموز)جاءه المختار مسرعا وأخبره بنشوب الثورة فقال له أبو حاتم مازحا(ها هسه ياهو اليسحل صاحبه)وكان المختار يعتقد أن أبو حاتم على علم بالثورة،وفعلا كان الحزب على علم بها ويتوقع التغيير بين يوم وآخر.