الرئيسية » مقالات » محطات مع تـــومــا تــــــومــاس

محطات مع تـــومــا تــــــومــاس

توما توماس ، أسم ذو رنين خاص ٍ ومتميز ٍ سمعتُ به في مرحلة الطفولة ، كان َ يترددُ في أحاديث أبي والمسلحين الآتين معه بين الحين والآخر ، كانوا مدججين بالسلاح ومنتبهين لا ينامون من دون حراسة ، يقف أحدهم في الباب .

أما البقية فتتهامس أحيانا ً بصوت غير مسموع ، فيما بينها ، ويكون فيما يكون من بين تلك الكلمات التي كنت التقطها ، اسم توما توماس ، وبقيت صورته الخيالية تترافق مع معطيات تلك الأحاديث ، بالرجل الذي لا يهاب ُ الموت ولا يعرفُ معنى ً للخوف طالما كان معه أولئك الرجال الأشداء ممن كانوا يوصفون بالبيشمركة …

كان توما توماس واحدا ً من هؤلاء الرجال الذين يصنعون الأحداث التي يترددُ صداها فنسمعها ونرددها ولكن لا نفقه معناها …

وهكذا عرفت ُ أيضا ً أسماء ، القوش ، وبوزان ، وبيرموس ، وكلي رمان ، وبالطة وسيدكي ، والقيصرية ، وبسقين ، وبرسلين ، وغلبوك ، وبراش ، والعشرات من اسماء المدن والقرى الكردية التي إختزنتها ذاكرتي .

جميعها أصبحت مقرات للأنصار في فترات مختلفة ، لذلك إكتسبت شهرتها ، حيث تحولت إلى مقرات للشيوعيين ، الملتحقين في صفوف الثورة الكردية ، الذين كانوا لا يكتفون بالقتال والدفاع عن الجماهير، بل يقدمون خدماتهم للناس ، من خلال الأطباء الذين إلتقحوا بهم ..

في أوائل السبعينات شاهدتُ ، الرجل الأسطورة ،لأول مرة حينما جاءَ إلى مدينة بحزاني برفقة عدد من رفاقه ، هبَّ العشرات من الناس لأستقباله ، حينها ضاق بيتُ جدي بعدد الضيوف الذين كانوا يترددون على عجل ٍ لتحيته ، قبل أن ينزوي مع عدد من الكوادر في قبو دارنا ، المخصص لأجتماعات اللجنة المحلية ..

لم يتوفر لي حينها ، الوقت للجلوس معه أو سماع أحاديثه … لكن بعد سنتين من هذا الحدث ومع مطلع عام 1973 وجدت نفسي في دار ٍ في موصل الجديدة ،يسكن إحدى غرفها أبو جوزيف ، وفي الغرفة الثانية السيد يوخنا (ابو غائب) مع زوجته ، وأبو عمشة وزوجته في غرفة ثالثة … كان بيتا ً حزبيا ً ، أقحمت ُ فيه .

يتردد عليه ، بين الحين والآخر، أفراد عائلته تباعا ً ، كنت أشاهد أم جوزيف و منير وصادق وسمير ومنى أمّا جوزيف فلا اذكر إني شاهدته ذات يوم في هذه الدار الحزبية ..

في الموصل ، حيث يقود أبو جوزيف المحلية ، توفرت الفرصة للقاء به من خلال الندوات التي كانت تعقد في المقر ، أو في فترة المساء والليل أثناء تجمع المتطوعين لحراسة المقر ، كان يجلس معنا ، ويستمع لأحاديثنا وآراؤنا ، وعندما يعقب أو يجيب كنت تحس عمق تحليله للوضع ، من خلال المعلومات التي يدرجها في ثنايا حديثه من دون تزويق ، وبطبعه يميل للحديث الصريح والمباشر ، لا يتردد في الكشف عن مواقفه وميوله … مما أكسبه المزيد من الحب و الأحترام ، وزاد من شعبيته ، وأضيفت هذه الخصال إلى شجاعته ، فكان بحق نموذجا ً للسياسي الناجح .
ممن يعتمد عليهم في المنعطفات والمحن ، وهذا ما جسده مع رفاقة في مرحلة التحولات الخطيرة ، التي رافقت مسيرة التحالف ،التي إنزلقت إليها قيادة الحزب الشيوعي العراقي .

كانوا من أوائل المبادرين لطرح فكرة اللجوء للكفاح المسلح ، ومقاومة سلطة البعث . منذ منتصف السبعينات .
وقد طرحت هذه الأفكار في إجتماع للمحلية بحضور إِشراف حزبي شارك فيه السكرتير العام للحزب عزيز محمد وكريم أحمد عضو المكتب السياسي ….

لكن الحزب لم يتبنى هذه الآراء في حينها ، وعندما شنت أجهزة الأمن حملتها الدموية الشرسة ، ضد تنظيمات الحزب الشيوعي و أتباعه ، بادر توما توماس ورفاقه في المحلية أبو عمشة وأبو ماجد وأبو داؤد و أبو فؤاد ، مع عدد من الكوادر من القوش وبعشيقة وبحزاني و دوغات و ختارة و عينكاوة ، بشق طريقهم إلى كردستان، للبدء بتأسيس أولى المقرات الأنصارية ، بعد فترة إختفاء في بغداد ، كان الغرض منها تدارك أجهزة القمع وتأمين طريق الوصول إلى كردستان …

بادرتُ للوصول إلى السليمانية في تشرين الثاني ، من عام 1978 ، في محاولة لأيجاد طريق ، لكننا فشلنا بسبب الموقف الخاطيء للشيخ سعيد البرزنجي ، الذي لم يستوعب الموقف في حينها ، كان عضوا ً في لجنة الجبهة ( إعتذر فيما بعد) ، حال دون نجاح المهمة ، وبعد عودتي إلى بغداد ، تمكن أبو جوزيف من ترتيب طريقة لأيصالنا إلى أربيل والتوجه نحو كويسنجق ، ومن ثم الأنطلاق من هناك لتكوين أولى المفارز الأنصارية .

ومع حلول ربيع عام 1979 ، تمكنا من إنشاء مقر( ناو زنك ) و ( توجلة ) و(كاني بوق ) كان أبو جوزيف هو المسؤول العسكري لهذه المجاميع والمقرات ، التي كانت تبحث عن الطعام والسلاح والملبس و الأفرشة ، في الشريط الحدودي مع إيران .

وبجهوده تمكنت قيادة القوة من تنظيم المجاميع على شكل فصائل تعود للمحافظات ، مع تشكيل إدارة ناجحة ، زجَّ فيها عدد من كوادر الحزب المجربين ، بقيادة عبد الرحمن القصاب – أبو أحمد ، الذي لعب دورا ً مهما ً وأساسيا ً ، في وضع أسس الأدارة الصحيحة ، وضبط حدود صرف المواد الغذائية والمحروقات ، التي كنا نحصل عليها بصعوبة بالغة ، في ذلك الشتاء القاسي ..

بعدها خطط الراحل توما توماس للتوجه إلى بهدينان ، فأرسل أول مجموعة أنصارية بقيادة علي خليل ( أبو ماجد ) ، إنطلقت من مقر كاني بوق، في 15/11/1979 ،وتوجهت إلى مجمع زيوه في إيران ، حيث إنظمت إليها مفرزة من الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة سلو خدر وخالد شلي ومصطفى المزوري .

في بهدينان ، حيث وصلها توماس توماس ، في ربيع عام 1980 بدأ التخطيط الفعلي في تكوين المفارز القتالية ،وقد ساهم بقيادة أول مفرزة كبيرة ، تجاوزعددها الأربعين نصيرا ً في آب 1980 .
كلفت ُ أنْ أكون الدليل لهذه المفرزة ، التي تعرضت إلى إشكالات في طريق العبور بالقرب من قرية ( كيلكا ) ، بسبب عدم المقدرة على ضبط الطريق الذي تسلكه الحيوانات المرافقة للمفرزة ، وبالقرب من الربية سقط أحد البغال في حفرة ، فأخذ ابو جوزيف يتحدث بصوت عال ٍ ، قلت له هذه ربية ونحن تحت مرمى حراسهم ، لكنه لم يأبه للأمر، تجاوزنا الخطورة ودخلنا القرية ، و الجنود يشاهدون حركتنا بين البيوت ، لكنهم لزموا الصمت …

في كلي رمان إشتبك أبو جوزيف مع قوة من الجيش ، كانت تتقدم لتطويق المفرزة من طرقين ، رتل يتقدم عبر خط بالطة كلي رمان ، ورتل آخر من أتروش نحو كلي رمان، وبعد أن أصبحت قوة الجيش في مرمى الرمي ، أمر المفرزة ألأنصارية بأطلاق النار ،تمت محاصرة الجنود الذين كانوا يصيحون:
– ( أبخت الله .. أبخت محمد ) … فصاح عليهم أحد الضابط :
– ولكم هذولة شيوعيين فأخذوا يصيحون :
– ( إ بْختْ لينين .. إبخت فهد .. دخيلكم ْ نحن أولاد الفقراء لا تطلقوا النار علينا…
مما حدا بأبو جوزيف لأيقاف القتال كي ينسحب الجنود ..

كانت أول معركة في وضح النهار مع قوة كبيرة إندحر فيها الجيش وحوصر.. لكن القائد الشيوعي أبو جوزيف ترك لهم الفرصة للأنسحاب .. وكان للعملية صدى ً كبيرا ً بين الناس …

وخلال سنوات الكفاح المسلح قاد وخطط واشرف على المئات من العمليات الخاصة والمشتركة ، من أهمها و أبرزها التخطيط لأحتلال فوج بامرني وعمليات سودكي و ضرب قوة لواء كلي أسماوة وتحرير مانكيش والعشرات من العمليات في العمق .

كان مثلا ً للجميع في الشجاعة والصبر وتحمل الجوع ، والمثال للقائد الشيوعي الذي يسير في مقدمة رفاقه و أنصاره ، منه تعلم جيل الشيوعيين الشجاعة والصراحة والجرأة وحب و إحترام الجماهير ، كان بالأضافة إلى مسؤلياته ، لا يتوانى حيثما يسمح له الوقت بمزاولة بقية المهام ، بما فيها إعداد الطعام لمجموعته ، أو المساهمة في الصيد ، وأحيانا كان يقوم بلف السكائر للأنصار، ورغم صرامته ، يميل للمرح والنكته ، يفرح حينما يعلق الأنصار على كبار المسؤولين ، ويحرضنا نحن جيل الشباب للتحارش برفاقه القدامى من جيل عام 1963 من بينهم أبو باز وأبو ماجد والفقيد أبو مكسيم ورمضان إيمنكي ..
كان يشخص الأنصار بدقة ، يعرف خصال جميع من حوله ، يوزع المسؤوليات على أساس الكفاءة ، نادرا ًما كان يغبن نصير مؤهل لقيادة المجاميع العسكرية ، حيث كانت الشجاعة من أولى الصفات التي يتمسك بها ، ويقدر من تبرز لديه القدرة على القيادة ،ولا يفرط به ، وأحيانا ً (يزاغل ) على القيادة من أجل الدفاع عن رفيق أو نصير، ويصطف معهم ، وقد شهدت ُحالات مماحكات مع القادة العسكريين ، كنتُ أحسُ إنه يقف إلى جانبي في أكثر من مرة ، ولا يكترث لمواقف مكتب القوة أو القاطع ومن بينها ..

إستدعائي للتحقيق ، على خلفية ورود معلومات عني ، إني أهمل الحراسة في الأماكن الخطرة في الدشت ، وأكتفي بحرس ٍ واحد ٍ ، بينما في القرى الآمنة ، أخرج حَرسَين وأرهق ُ الأنصار ، و أعضاء مكتب القاطع قد “حددوا أسنانهم ” ، كما يقول المثل ، للنيل مني ، نبهني للموضوع ، حال وصولي ، وطلب مني أن لا أكون منفعلا ً أو حادا ً في النقاش ، قال لي أنا لن أحضر ، فدافع عن نفسك ..

ضحكت ُ من المسألة وقلت له :
– كان من المفترض الأستفسار مني برسالة وعدم إستدعائي لأنها لا تستحق كل هذا الأهتمام..
قال الربع يدورون لزْمَة عليك …إنتبه …

وفي اللقاء ، حينما طلبوا مني تفسير لهذا السلوك ، في التعامل مع مسألة الحراسة .. أجبتهم بهدوء :
– ليس في الموضوع أي إلتباس أو وهم ، كل ما في الأمر ، إنني أراقب أنصار المفرزة لاحظت ، عند ذهابنا لقرى الدشت الخطرة ، وجود عدد من الأنصار الذين لايستطيعون النوم ، بسبب القلق والخوف ، ويبقون ساهرين لغاية مغادرتنا هذه القرى ، فيصبحون حراس دائمين مع الحرس الوحيد، وعددت ُ لهم أسماء البعض ، قائلا ً:هؤلاء أيضا ً يضافون للحرس ( الوحيد ) فيصبح عدد حُراسنا خمسة أو ستة ، بينما في القرى الآمنة ، قد يغفل الحرس الوحيد ، وينام ونصبح بلا حرس ، لذلك نحن بحاجة للمزيد من اليقظة ..
وإنتهى اللقاء بصمت ..

وبعد دقائق قلت : هل لكم شيئا ً آخر ؟ قالوا : لا .. فقط إنتبه على نفسك و المفرزة …

وجدت ُ أبو جوزيف بالقرب من المستشفى ،إستفسر عن النتيجة ؟ ..أجبته بما قلته لهم … أخذ يضحك… قال :
– كنت متأكدا ً من أنك تستطيع أنْ ( تبلفْ ) مكتب القاطع ، لكن ماذا افعل ؟ قلت لهم لا ترسلوا عليه.. وإكتفوا برسالة… كانوا يريدوها فرصة ً للنيل منك … ها قد ضاعت… إنتبه للمستقبل …
أبو جوزيف ، رغم وجودة في هيئات قيادية ، كان الأقرب إلى قاعدة الحزب وكوادره ، وحينما يحتدم الصراع ، لا يتوانى من كشف أرائه أمام الجميع ، لذلك كانت علاقاته متوترة مع من يحاول إجهاض التجربة أو يسعى لفرض من هو غير مؤهل لقيادة العمل في الأنصار والهيئات الحزبية ، وقد ذكر الكثير من تفاصيل هذا الصراع في مذكراته .

بعد المؤتمر الخامس للحزب سافر إلى سوريا ،حاول البعض الأساءة إليه ، خاصة بعد زيارته لعدد من المدن في أمريكا وما رافقها من إستقبال جماهيري كبير له ، من قبل الجالية العراقية في المدن التي زارها .
كان يعتقد أن بريده الحزبي الخاص يفتح ، قبل أن يتسلمه ، في القامشلي أو دمشق ، وكان أول من نبه وشخص ضعف العمل القيادي ووجود عناصر غير كفوءة في قوام اللجنة المركزية الجديدة ، وسَمعته ُ أكثر من مرة يؤنب نفسه على عدم الترشيح وقد كتب رسالة بهذا الخصوص إلى رفيقه ابوعمشة وعدد من رفاقه المقربين ، ذكر فيها الكثير من معاناته النفسية بعد المؤتمر و قلقه على مصير حزبه ورفاقه .

حينما إشتدّ به المرض في القامشلي ، قرر أن يبدأ ، بكتابة مذكراته حال خروجه من المستشفى ، وهذا ما حدث ، حيث أبى أبو جوزيف أن يودعنا قبل أن يترك لنا دفاترمذكراته ، التي ما زال رفاقه ومحبيه ينتظرون طبعها بفارغ الصبر..

تحية لذكرى الجبل الشامخ، توما توماس – أبو جوزيف ، والمجد لكل من سارَ في درب ِالحرية ، وقدم العطاء ، من أجل الغد الأفضل ، و سعادة الآخرين ، والمساواة بين البشر.