الرئيسية » التاريخ » متاهة الجيش التركي وقضية الأمة الكوردية العادلة

متاهة الجيش التركي وقضية الأمة الكوردية العادلة








إن من المؤلم رؤية تلك الحشود العسكرية وحراب جيش تركيا موجهه الى صدور أبناء الأمة الكوردية اليوم بدوافع واهية غير واقعية. لقد ساد فترة نضال الشعب الكوردي من اجل نيل حقوقه العادلة العنف وفترات اخرى ساد فيها السلام ولم يكن الشعب الكوردي الا تواقا الى الحرية والتحرر وقد دافع عن حقوقه العادلة في كافة اجزاء وطنه كوردستان.
الأكراد ضمن دول تواجدهم اليوم في كوردستان حرموا تاريخيا من حق إنشاء دولتهم الوطنية على ارض أجدادهم. هذا الإرث التاريخي شارك فيه قوى عالمية ومحلية ونتيجة للصراعات الدولية على منطقة جغرافية غنية بثرواتها البشرية والطبيعية ناهيك عن غياب وحدة رأي عند الأكراد بصورة عامة والذي ساعد بدوره في عدم تكوين تصور عام لما ينادون به. أدى كل ذلك الى تفاقم الأمور وزاد عليه الخلاف الفكري بين مؤسسة الدولة التركية الرسمية والتي تعتمد على الأفكار العلمانية الحديثة والتي نادى بها مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال والذي ينعت عادة ب أتاتورك وبين قوى سياسية اخرى من تقدمية او إسلامية. تلك الأفكار التي تدعي اليوم المؤسسة العسكرية حمايتها وتخوض بذلك الحرب في كافة الجبهات من اجل حمايتها. هذا المسعى طبيعي جدا لمؤسسة عسكرية ذو تاريخ دموي قاد الحروب والمعارك خلال دهر من الزمان، مؤسسة لا تزال تعتمد على هيكلة الجيش وقوانين من العهد العثماني ولم تجري عليها رياح التطور الا ما يخص العدة والسلاح واستخدام أحدث تقنيات الأجهزة والمعدات الحربية.
ان هذه اللوحة غير غريبة على هيكلة مجمل أنظمة دول الشرق الأوسط والتي نراها في أنظمة حكم معظم دول المنطقة اليوم حيث القوى السياسية تنقسم الى قوى تعتمد على الفكر السياسي الإسلامي وبجميع توجهاته وفكر قومي بشقيها المتطرف والمعتدل الايجابي وآخر ليبرالي معتدل بينما هناك توجهات فكرية ماركسية تسمى بالتقدمية بينما نرى توجهات بين هذا وتلك ترى في العلمانية طريقا للإدارة شؤون الدولة والمواطن. لكن غياب المؤسسة السلطوية والكيان السياسي الكوردي المستقل زاد من الهوة بين السياسيين من جهة ومن جهة أخرى بين السياسيين وأبناء الشعب الكوردستاني.
ان تركيا اليوم تدق إسفين انهيارها كدولة موحدة في الشرق بتعنتها بالاعتراف بحق الطبيعي لشعوبها في العيش معا في وئام وسلام خاصة بعد فشل الذريع لمغامرة الجيش التركي العسكرية في جزيرة قبرص وتقسيمها كما فشل الدكتاتور العراقي السابق في غزوه للجارة دولة الكويت الذي كان من اهم نتائجه ذلك الفوضى العارم اليوم في العراق. ان البرلمان التركي أمام امتحان صعب خلال الايام القادمة وتواجه إشكالية صعبة بين الحلول السلمية الحكيمة لمشاكلها او الرضوخ و التنازل الى نزوات العنف والشدة عند قادة جيشها الذين يؤمنون بطبيعة الحال بالحلول العسكرية للنزاعات ورفع الحراب بدلا من مواجهة مخاطر المستقبل عن طريق الحوار الحضاري وبناء جسور الوئام الاجتماعي والتسامح بين مكونات نسيج السكاني الثقافي والعقائدي الغني والبديع لشعوب دولة تركيا الحديثة.
ان الحركة الوطنية التحررية الكوردية في تركيا لم تطالب اكثر من حقوق طبيعية لاي امة من امم الكون. لكن المتتبع لسياسة الدولة التركية منذ نهايات العهد العثماني وكافة مراحل تطور جمهورية تركيا الحديثة لاحقا و التي تأسست في الأساس على توحد وتمازج دماء شهداء الشعب الكوردي والتركي وأبناء القوميات والطوائف الاخرى في سوح القتال فيما يسمى ب حرب التحرير التركية التي قادها منطلقا من كوردستان مؤسس دولة تركيا الحديثة مصطفى كمال (راجع مؤتمر ارضروم الذي شارك فيه نواب من ولاية بتليس، وان، سيواس،الاغز وماردين وطرابزون عام 1919 حيث قال اتاتورك مقولته الشهيرة :الموت او النصر). وأرسى بذلك أسس دولة تركيا الحديثة على أساس الفصل بين الدين والدولة معتمدا على الأكراد بدرجة كبيرة ويمكن العودة الى خطاباته الموثقة لمعرفة نواياه خاصة في بداية حرب تحرير تركيا.
ان الحكومات التي تعاقبت على السلطة في تركيا اعتمدت مبدأ أساسيا للمحافظة على وحدة البلاد تعتمد على رفض وجود قوميات أثنية غير تركية في البلاد وبحماية مؤسسة عسكرية تربوا عدد منتسبيها على الملايين من قوات الجيش والأمن التركيين. هذا التوجه العسكري في المجتمع التركي ادى الى تأسيس مؤسسات فوقية سلطوية ليس للقادة السياسيين اي سلطة عليها خاصة ما يسمى بمجلس الامن القومي التركي. تلك المؤسسات العسكرية همها الوحيد البقاء في مركز القوة ببسط السلطة على الكيان السياسي الشرعي والمنتخب للدولة والمتمثلة بالبرلمان او المجلس الوطني التركي.
ان من المهم ان نعي الى حقيقة ان المؤسسة العسكرية التركية تعتمد اليوم في استراتيجية استمراريتها وجودها وبقائها على الساحة على وجود حيوية واستمرارية نشاط الحركة الكوردية بجميع اتجاهاتها السلمية والعسكرية. خاصة بعد غياب العدو الأساسي من الساحة واقصد ها هنا طبعا الاتحاد السوفيتي السابق.
للمتتبع للفكر العسكري المؤسساتي في اي دولة من دول العالم يرى بان تلك المؤسسة تبقى وتدوم فقط تحت ظل وجود عدو حقيقي او وهمي وبدافع الدفاع عن مبدء الذود والحفاظ على وحدة حدود الأوطان. هذا يدخل حتى ضمن سياساتها في تخريب الوطن نفسه وقتل إنسانه لمجرد ان ذلك الإنسان يطلب حقوقه الطبيعية السياسية والثقافية والاجتماعية ونماذج تلك الانظمة عديدة في المنطقة. لذا نرى ان تطور الفكر السياسي في تركيا لم يجاريها ابدا تطور في المؤسسة العسكرية التي بقت تعتمد على أسس بالية تعود مبادئها وهيكلتها الأساسية الى عهود متأخرة من أيام السلطنة العثمانية. الجدير بالذكر ان تسليح المؤسسة العسكرية قد شاهد تطورا كبيرا وجارات للتطور التقني والعسكري العالمي. اما أبناء الجيش التركي فهم يعكسون تركيبة الشعب التركي القومي والعقائدي ولكن المعروف عن القيادات التركية العسكرية بوفائهم لما يسمى بمبادئ مؤسس الدولة التركية أتاتورك اي العلمانية. لذا نرى ان بين منتسبي الجيش التركي اليوم مئات الألوف من الأكراد يحملون السلاح ليس دفاعا عن الوطن او ضد العدو الاجنبي بل لقتل إخوانهم من الأكراد والهجوم على قرى وجبال كوردستان.
ان مبدا الدفاع عن مبادئ العلمانية التي تنادي بها المؤسسة العسكرية التركية كانت دوما تتبع سياسة ثابته في تبوء المناصب القيادية في الجيش. استثنى حتى وصول القوى التقدمية والإسلامية الى دفة المؤسسة العسكرية حيث بقى الفكر القومي التركي أساسا للوصول الى تلك الدرجات القيادية في المؤسسة العسكرية لحد يومنا هذا. ان الحزب الحاكم اليوم لا يمثلها في أعلى الهرم العسكري اي قائد عسكري غير قومي لا بل والى فترة قصيرة كان العديد ممن يحملون الأفكار الإسلامية يفصلون من مناصبهم العسكرية او يحالون على التقاعد. ناهيك عن هذا وذاك نرى بان أبناء تركيا من الاكراد لا يصلون الى مواقع مهمة في المؤسسة العسكرية او الأمنية الا اذا كانوا قد تملصوا من انتمائهم القومي تماما اي باتوا اتراكا وقوميين.
هذا الانحصار الفكري والانغلاق التام للمؤسسة العسكرية أدى الى تقوقعها وعدم انفتاحها لمجريات الأمور التطورية في العالم. الجدير بالذكر ان جهود تركيا للانضمام الى الاتحاد الأوربي يعني تخفيض أعداد الجيش بصورة جذرية ليلائم السياسة العسكرية لدول الاتحاد الأوربي من ناحية ومن ناحية أخرى ان الاتحاد في الأساس تم على أسس نشر مبادئ السلام في أوربا وإبعاد شبح الحروب والنزاعات. الجدير بالذكر كذلك ان دولة مثل أسبانيا وهي دولة عضو في الاتحاد تمكنت من تجاوز أزمتها بعد تاريخها ضل الدكتاتورية العسكرية وحكم الاستبداد متوجهة بخطوات تطورية حثيثة نحو الديمقراطية وتأسيس دولة القانون والقضاء المستقل وازدهر كذلك اقتصادها الوطني. نرى ان القوى السياسية الديمقراطية اليوم باتوا يعملون بحرية الى درجة المنادات برفع وإزالة نصب وتماثيل الدكتاتور الأسبق من ساحات وميادين مدن أسبانيا إشارة الى بدا العهد الجديد والدولة الجديدة في ضل راية الاتحاد الأوربي وقوانينها العادلة والضامنة للحقوق الإنسان الأساسية في حرية الرأي، المبدأ، العقيدة ، الانتماء والاتجاه.
يبقى صدور شهداء أبناء الشعب الكوردي في كوردستان اليوم عرضة وهدفا لحراب الجيش التركي وأرضها مستباحة ما لم يأخذ المجتمع الدولي بزمام الأمور في بادرة دولية للحد من جنوح المؤسسة العسكرية التركية للعنف والشدة في تخريب الديار وقتل الأبرياء واجتياح أراضي العراق بدوافع واهية وباتفاقيات غير متوازنة. وبذلك ستدخل المنطقة بأكملها الى فترة من عدم الاستقرار ناشرين الخراب والقتل والفوضى في ربوع إقليم كوردستان والتي تعيش اليوم في مناخ يسوده الأمن والسلام وبات ملاذ لأرواح أبناء العراق جميعا وتطورا إنمائيا واقتصاديا واجتماعيا در على الجميع بالخير.
ان مستقبل المنطقة بأكملها تعتمد على نشر مبادئ الوئام والأمن الاجتماعي والحوار الحضاري السلمي بين مكونات العرقية والاثنية العقائدية بين شعوب المنطقة. تلك مهمة إنسانية تقع على عاتق الجميع.