الرئيسية » مقالات » وداعاً، حبيبتي بغداد

وداعاً، حبيبتي بغداد

ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد
المواطن العراقي- الصحفي والمهندس آرا أشجيان- يودع بغداد!!
أكتب هذه الكلمات في اللحظة التي أقول لكِ، وداعاً حبيبتي بغداد. أقول وداعاً والألم والحزن يُمزّق قلبي ويملأ مشاعري. أنتِِ المدينة التي احتضنتْ أبي وغيره من الأرمن الناجين من مذبحة العام 1915، ووفّرتِ لهم الملجأ ووسائل الحياة والراحة. في أحضانكِ ولِدتُ وترعرعتُ، وأنهيتُ، بتفوق، دراستي الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدرسة أرمنية خاصة.
كذلك في أحضانكِ حلمتُ وعشتُ طفولتي في المدرسة وتخرجتُ، وفي كلية الهندسة دخلتُ لأتخرج مهندساً معمارياً وأساهم في إعادة بنائكِ. عندئذٍ أديتُ الخدمة العسكرية الإجبارية أثناء الحرب العراقية- الإيرانية، وتخرجتُ من الجامعة العام 1988. وأثناء دراستي الجامعية أحببتُ طالبة أرمنية في نفس القسم، لكني أنهيت علاقتي معها بعد سنوات لأنها رحلتْ عنكِ وهاجرتْ إلى عالم غير معروف. وبعد غزو الكويت (1990) خدمتُ في الجيش كاحتياط وخرجتُ منه بعد انتهاء حرب الخليج الثانية (1991).
في أحضانكِ، حبيبتي بغداد، مارستُ نشاطي في الأسقفية الأرمنية Armenian Diocese وروابط ونوادي ثقافية عراقية بإلقاء المحاضرات عن تاريخ الشعب الأرمني والكنيسة والقضية الأرمنية Armenian Cause، وفسرتُ الإنجيل Bible. كذلك كتبتُ المقالات وعملتُ صحفياً في بعض من صحفكِ، واشتغلتُ في السفارة الأرمينية عندكِ لغاية بدء الحملة الأمريكية- البريطانية بغزوكِ ورحيل أعضاء السفارة عنكِِِ، وساهمتُ كمحاضر في الجامعة. وهكذا صنعتُ تاريخي في أحضانكِ، وبجهود عظيمة محل فخري. وحلمتُ أن أخبر أطفالي في المستقبل وأنا موجود فيكِ.
على أي حال، كل شيء فيكِ قد تغير، حبيبتي بغداد، بعد أن أصابتكِ الخيانة من كل جانب وأثقلوكِ جروحاً. أنتِ تنزفين.. الموت ينتشر في كل مكان بداخلكِ ولا يستثني أحداً، والحياة أصبحتْ غير محتملة أمام هذا الجنون والانتحار. فقدتِ وسائل الحياة وكل أنواع عامة الخدمات.
رغم الصعوبات الضخمة التي واجهتُها فيكِ واستمرتْ أكثر من ربع قرن، منذ بداية الحرب العراقية- الإيرانية، مروراً بالمقاطعة الاقتصادية الأممية الظالمة والغزو، فقد بقيتُ مخلصاً لكِ ومتعلقاً بكِ مثل الطفل المحب المتعلق بأمه. لكني، ربما فقدتُ صبري وقدرتي على التحمل بعد أن رحلَ عنكِ كل أفراد عائلتي وأقربائي وبقيتُ وحدي مع أمي المريضة وأخي. وفي ظلّ هذه الظروف، لم أجد أي شخص يُساعدني لرعاية أمي وأخي، كما أن البيئة المحيطة بي أصبحتْ كئيبة ومحزنة. من هنا أُجبرتُ على أن أُفكّر ما لم أُفكّر به من قبل… فكّرتُ في الانفصال عنكِ، أن أتركْ ورائي تاريخي الذي صنعتهُ في أحضانكِ على مدى سنوات طويلة، وأن أبدأ تاريخاً جديداً بعيداً عنكِ.
على أي حال، لم ترغب أمي المريضة الرحيل عنكِ. أخبرتْ جميع من حولها: أُمنيتي أن يدفنني ابني في بغداد قبل أن يُغادر المدينة. أرادتْ أن تُدفن إلى جانب قبر أبي لتستمر في إخلاصها له حتى بعد الموت. كما شعرتْ أيضاً أن جسمها المريض لن يتحمل مشاق الطريق الطويل بعيداً عنكِ. تحققتْ أُمنيتها وتوفتْ قبل خمسين يوماً من رحيلي عنكِ. واجهتْ أمي المريضة نهايتها دون وَجل، بل وحتى كانت قد جهّزت ملابس جديدة لكفنِها وقبل سنوات!
تُرابكِ. يا حبيبتي بغداد، تحتضن الآن رفات أمي الحبيبة الغالية إلى جانب رفات أبي وأختي، وهذا ما يزيد ألمي في البعاد عنكِ. لقد حرصتُ على رعاية أبي وأختي وأخيراً أمي أثناء حياتهم الطيبة ومرضهم وكلهم توفوا وهم راضين عني.
المهم، ما يخفف ألمي أني أترككِ لأرحل إلى الحبيبة يرفان Yerevan (أرمينيا) التي هي حلمي منذ طفولتي، لكنكِ المدينة الحبيبة التي عشتُ فيكِ وأنتِ في داخلي. ومع ذلك، ومنذ الآن، سينقلب الحال، ستكون يرفان مدينتي الحبيبة التي أعيش فيها، أما أنتِِِِ فستبقين المدينة الحبيبة في أحلامي. ستشفين من جراحكِ. ستُعيدين جمالكِ. وستظلين في قلبي إلى الأبد.
آخر مكان زرته، حبيبتي بغداد، هو موقع البيت الذي ولدتُ فيه في شارع زعيمكِِِِ عبدالكريم قاسم. إنه أطلق من داخلكِ ثورة 14 تموز 1958 ضد النظام الملكي، وأعلن النظام الجمهوري، وقاد العراق أقلّ من خمس سنوات (1958-1963).
نظرتُ طويلاً لموقع البيت الذي هو حالياً مستشفى خاص ومقابله مطعم. أكلت غدائي هناك لأقضي وقتاً أطول بالنظر إلى الموقع- مكان ولادتي، رغم أن المطعم لم يوفر وجباتي المفضلة!!
هنا تذكرتُ، حبيبتي بغداد، ما أخبرني والدي ووالدتي في حياتهما بخصوص الظروف التي أحاطت بولادتي في هذا البيت. تاريخ ولادتي (8 نوفمبر 1960) ترافق مع قانون إعلان الطوارئ بسبب عدم استقرار الحياة السياسية التي سادت العراق عندئذ. كان والدي يقف في الشارع في وقت متأخر من الليل، ينتظر تاكسي لنقل والدتي إلى المستشفى لوضع طفلها. وفي هذه الأثناء مرّ الزعيم عبدالكريم قاسم بسيارته والذي اعتاد العودة لمنزله، المقابل لمنزلنا وفي الشارع الذي لا يزال يحمل اسمه، مع انتهاء مقابلاته في الوزارة بعد منتصف الليل. سأل والدي- الذي عرفه جاراً له- عن سبب انتظاره في الشارع في هذا الوقت المتأخر من الليل. وبعد معرفته للسبب، أمر الزعيم حرسه نقل والدي ووالدتي بسيارته إلى المستشفى، وولدتُ الساعة السادسة صباحاً!
ومع النظر لموقع بيتنا، تذكرتُ أيضاً طفولتي وشبابي، حيث قضيت في هذا المنزل أكثر من ربع قرن. باعتْ عائلتي منزلنا إلى مجموعة أطباء وجراحين معروفين وشيدوا في الموقع مستشفاً خاصاً..
وداعاً، حبيبتي بغداد. هذه أصعب لحظاتٍ تمرّ بحياة ابنكِ المطيع: لحظات الفراق عنكِ. سأفتقدكِ، سأفتقد دجلتكِِ الخالدة، سأفتقد أهلكِ الطيبين. سأظل أدعو لكِ من أجل أن تستعيدي شفاءكِِِِ.. لقد برهنتِِ في تاريخكِ الطويل أن الفواجع والصعاب لم تؤثر فيكِ، وكنتِ دوماً تنهضين منها سريعاً لتعودي إلى شموخكِ وبهاءكِ.
وداعاً، حبيبتي بغداد، أنتِ في داخلي إلى الأبد، رغم البعاد الذي يفصل بيننا. الانفصال عنكِ قاسٍ ومرّ. أرجو الله أن يساعدني على تحمله.. وداعاً، حبيبي بغداد..
..Ara S. Ashjian..
ممممممممممممممممممممممـ
Good-bye My Beloved Baghdad, (Healing Iraq) uruknet.info- October 11, 2007.