الرئيسية » بيستون » إهمال لغة الأم إهمال للهوية القومية

إهمال لغة الأم إهمال للهوية القومية

يقول الله عز وجل في كتابه العزيز سورة الحجرات الآية 13({ يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم } صدق الله العظيم . أي إن سنة الوجود اقتضت أن يكون وجود الناس على الأرض في شكل تجمعات بشرية ، وهي وإن اتفقت في ما يجمع بينها من وحدة الأصل والحاجة إلى التجمع والحرص على البقاء والرغبة في التمكن من مقومات الحياة والسعي في إقامة التمدن والعمران والتقدم فإنها قد تباينت في ما تنفرد به كل مجموعة من خصوصية عرقية ودينية وبيئية وثقافية . أي إن لكل شعب من شعوب الأرض مقومات خاصة تميزه عن غيره ويحرص أبنائه على المحافظة على هذه المقومات التي تعتبر اللغة المشتركة بين أبناء الشعب الواحد من أهمها . وتنطبق هذه البديهيات على جميع شعوب وقوميات العالم ومن بينها الشعب الكوردي المعروف بتمسكه واعتزازه بلغة الأم سواء إن كان الكورد يعيشون في داخل المناطق الكوردية أو خارجها وعلى مدى القرون المتمادية ، على الرغم من تعرضه للعدوان والقمع من قبل الحكومات المستبدة المهاجمة التي سعت للاستيلاء على أراضي كردستان وإبادة هذا الشعب وصهره في شعوبها .
ويحرص الآباء والأمهات الكورد عادة أشد الحرص على أن يتكلم أبنائهم باللغة الكوردية منذ نعومة أظفارهم ، وكانت الأعراس والمناسبات السعيدة لديهم ولا تزال تتميز بالغناء والرقص الكوردي ( الدبكة ) ، وحتى مجالس العزاء فإنها هي الأخرى تتميز سيما لدى الكورد الفيليين القاطنين في المناطق الكوردية وحتى الذين كانوا يعيشون في بغداد وغيرها من المدن العراقية وإلى قبل حوالي عقدين من الزمن بمراسم خاصة لا تتواجد لدى الشعوب الأخرى وعلى سبيل المثـال لا الحصـــــــر( الجمر ) وهي دبكة حزينة يشارك فيها الرجال والنساء عند موت عزيز لديهم ، وتردد النساء في مجالس العزاء الخاصة بهن أشعاراً بكائية موزونة وبشكل جماعــي ( المور ) حيث تنشد إحدى الموجدات المصراع الأول من بيت شعري حزين وتكمل أخرى المصراع الثاني منه ثم تردد كافة الحاضرات من النساء الأنشودة الحزينة معاً . إلا إن هذا

الشعب العريق بتاريخه وتراثه الغني تعرض خلال النصف الثاني من القرن الماضي سيما على مدى 35 عاماً الأخيرة إلى مؤامرة بشعة مخطط لها ومدروسة جيداً نفذت على مراحل زمنية معينة لإبادته ، وذلك من خلال إثارة الحروب المتواصلة ضده وتنفيذ عمليات الأنفال والترحيل والتهجير القسري لأبنائه ومحاولات تعريب المناطق الكوردية وتبني ممارسات قمعية ضدهم في كافة مجالات الحياة سيما القضاء على مقوماتهم القومية ومنها لغتهم الأم ، وزاد النظام المباد من تضييق حلقة القمع على الشعب الكوردي إلى تلك الدرجة التي دفعت ببعض الأمهات والآباء الكورد سيما في بغداد ومدن الوسط والجنوب إلى التكلم باللغة العربية مع أبناءهم حتى لا يتم ملاحقتهم في المدارس والجامعات ، حتى إن البعض منهم كانوا عندما يغيرون مناطق سكناهم لا يقولون إنهم كورد حتى لا يتم مراقبتهم وملاحقتهم من قبل بعض ضعاف النفوس . وكان الغرض من هذه الممارسات إرغام هؤلاء الكورد وعلى المدى البعيد على نسيان لغتهم الأم لتضعيف الارتباط القومي بينهم وبين شعبهم . والآن وبعد سقوط النظام المباد نرى العديد من الشباب الكوردي لا يجيد التكلم باللغة الكوردية ، وعندما تسألهم لماذا ؟ يقولون إن الذنب ليس ذنبهم لأن آبائهم وأمهاتهم كانوا يتكلمون معهم اللغة العربية . وعندما تستفسر من الوالدين لماذا لم تعلموا أولادكم اللغة الكوردية يقولون كنا نخاف من الحكومة وملاحقتها لنا وحتى تكون لغتهم العربية قوية بحيث لا يفهم أحد أنهم كورد. فهل رأت البشرية تمييز عنصري أشد من هذا النوع من القمع العنصري الذي مارسه النظام المباد ضد الشعب الكوردي ؟ وهل هذا الأسلوب من التعامل يتطابق مع الآية 13 من سورة الحجرات من القرآن الكريم . ومع إننا نحترم اللغة العربية ونعتز بها ونرى أنه كان ولا يزال من الضروري أن يتعلمها الشعب الكوردي في العراق كلغة رسمية وكذلك لأنها لغة القران الكريم لكننا نود أيضاً أن نهيب بالكورد القاطنين في وسط وجنوب البلاد ، سيما الكورد الفيليين في بغداد أن لا يهملوا تعليم لغة الأم لأبنائهم لأنها كارثة ستؤدي بهم إلى فقدان هويتهم القومية خاصة الآن ، وقد زالت تلك الممارسات القمعية ضد كافة القوميات التي يتشكل منها الشعب العراقي. وبالحقيقة ، من يدخل بعض البيوت الكوردية يأسف لهم فهم كورد بالاسم فقط ومن يحضر حفلات الزفاف التي تقيمها بعض العوائل الكوردية في بغداد يشهد أنها خالية من أي أغنية تراثية أو دبكة كوردية أو حتى عراقية أصيلة ، فالحاضرين في مثل


هذه الأعراس يرقصون من أول الحفلة إلى نهايتها على أنغــام أغانــي رخيصــة مثــل ( يمه كرصتني عكربة ) أو ( برتقالة ) أوتفاحة وغيرها من الأغاني التي سعى النظام المباد إلى ترويجها وأساء بها إلى الذوق الفني العراقي ، وهي في الحقيقة لا تمثل الطابع الأصيل للفن في العراق ، إنما هي أغاني خاصة بالغجر ( وباللهجة العراقية الدارجة < الكاولية> ) فأين هي الأغاني العراقية والكوردية الأصيلة من هذا النوع الرخيص من الغناء ؟ وإلى متى يجب إهمال مثل هذه الأمور المهمة، ولا تؤخذ مأخذ الجد ؟ وما هو موقف الجمعيات الثقافية الكردية بهذا الشأن وهي التي كانت في بداية السقوط تتحدث عن إقامة دورات تعليم اللغة الكوردية لكبار السن من الكورد أو السعي لبناء مدارس خاصة يتم فيها التدريس باللغة الكردية أسوة بالأرمن والكلدوآشورين وهو حق يقر به الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والدستور العراقي الدائم . فأين هي الآن من تلك الوعود التي قطعتها على نفسها بهذا الشأن ؟ والأهم من هذا وذاك ما هو رأي المجمع العلمي الكردي في هذا المجال ؟