الرئيسية » مقالات » الملك فاروق من حارة الضبع ولکن..!

الملك فاروق من حارة الضبع ولکن..!

يقال أن مسلسل الملك فاروق قد حاز على المرکز الاول کأفضل عمل درامي تعرضه القنوات العربية بمناسبة شهر رمضان، و يقال إنه يثير لغطا حول موضوع النظم السياسية العربية حيث يثير الشکوك و الإنتقادات الضمنية بخصوص شرعية‌ النظم”الجمهورية”العربية في حقبة زمنية حساسة جدا من عمر المنطقة حيث نزعت معظم هذه النظم الى سياقات تفضي في نهاياتها الى مفترق توريث الحکم مع تزويق”ظاهري”للدساتير و زوابع”غير رعدية”لإصلاحات(على الأنماط الوطنية)، ومع أن ضخامة العمل من حيث الاموال التي بذخت عليه “من دون حساب”قد تثير حفيظة نظم محددة في المنطقة من غاية إنتاج و عرض المسلسل في هکذا فترة حرجة، إلا أنه و الحق يقال، أن مسلسل الملك فاروق قد شق طريقا يبدو إنه يميل للإنصاف أکثر منه للإجحاف بحق”الحقائق التأريخية” وهذا الامر بحد ذاته أساس القوة في هذا العمل و مصدر إثارته للإهتمام البالغ به، خصوصا وإنه حين يعرض فاروق في شبابه وقد أخذ من الطيش و النزاقة مأخذا لا يخفى على الصديق قبل العدو، وکذلك عندما يتصدى و بکل جرأة لموضوع العلاقة التي بين حسنين باشا و الملکة نازلي، فکإنه ينقل ثمة حقيقتين مهمتين إتسم بهما النظام الملکي المصري، ذلك أن فاروق يظهره العمل الدرامي على سجيته الواقعية وليس على طريقة النظم التي خلفت الانظمة الملکية العربية حيث ذهبت معظمها لتأليه و تمجيد الرؤساء الى الحد الذي باتت الجماهير تتصورهم و کأنهم”نخب”منتقاة قدمت الى هذه البلدان کهبة خاصة من السماء! أما موضوع علاقة الملکة نازلي بحسنين باشا، فهو الاخر يمثل جانبا مهما من الوضع الفکري ـ الاجتماعي في تلك الفترة و أنه ومع کل ذلك الرکام و الصروح القوية للقيم و التقاليد الاجتماعية فإنه قد کان هناك نزوع للتحرر و ميل لإثبات الذات بعيدا عن القوالب و الانماط الاجتماعية الحديدية. وقطعا فإن هکذا مسألة حتى لو کان لها وجود في أي نظام”جمهوري ثوري ديمقراطي شعبي جماهيري…الخ!!”فإن نهاية العاشقين لن تکون حتى بمستوى نهاية حسين کامل و صدام کامل، بل سوف تکون النهاية أبشع و بکثير في داخل أقبية يموت فيها کل شئ بدءا من الاوراق و المستندات وإنتهاءا بالسجانين أنفسهم .
باب الحارة، ذلك المسلسل السوري الذي يجب أن نتوقف طويلا و بإجلال أمام قوة الاداء لمعظم الممثلين السوريين الذي يبدو أنهم قد باتوا يظهرون منافسين أقوياء للمصريين الذين إحتکروا الشاشة الصغيرة لعقود طويلة، کما يجب أن نؤکد و بقوة على حنکة و دراية المخرج”بسام الملا”حين تمکن و بحذاقة مفرطة من توظيف”الاکشن” و بإمتياز في مشاهد محددة ألقت بظلالها على الخط العام للمسلسل مما منحته روحا و ديناميکية غير عاديتين، إضافة الى ان الملا کان موفقا في تحريك الکاميرات و تحديد الزوايا و الابعاد و إدافة ذلك بقوة الاداء مضافا إليه موسيقى تصويرية رائعة مما جعل المشاهد أمام ملحمة درامية متکاملة الابعاد، لکن الامر الذي يجب التوقف عنده مليا في حارة المؤلف محمد قاووق، هو المضمون الذي سعى لنقله بإمانة الى المشاهد، مضمون ليس هنالك أي عائق لکي يفهمه أو يستوعبه أي مشاهد مهما کان حجم أو مستوى وعيه السياسي و الثقافي. والحق أن باب الحارة بقدر ماکان بابا لحارة”الضبع”فقد کان بابا لبيوت غالبية المشاهدين، أما العکيد أبو شهاب و قبضاياته في حارة الضبع فهم يمثلون”العمق”الروحي لهؤلاء النظارة الذين ذابوا هياما و وجدا بالعکيد وهو ينزل القصاص بالجاسوس”سطيف”. وهنا لا أقصد بالمشاهد المشاهد العربي فقط وإنما المشاهد الشرقي بشکل عام و لا سيما من أبناء المنطقة، ذلك أن باب الحارة لم يکن في الشام العربي فقط، وإنما کان في آفاق ترکية و فارسية و کوردية و بلوشية و هلم جرا.. لقد قرع بسام الملا بابا هو في الواقع يمثل العمق الحقيقي لمعظم أبناء الشرق إن لم يکن کلهم على وجه الإطلاق وهو توفق أيما توفيق في وضع کل مشاهد أمام حقيقة نفسه من دون رتوش ومع ذلك السيل من الکتابات النقدية التي طالت باب الحارة و مخرجه بوجه خاص، لکن الامر الذي فات معظم النقاد، إن الجمهور قد إنبهر بحارة الضبع و شخصياتها المختلفة و شدد الجمهور مرة أخرى على حقيقة أن کل الذي جاءت به رياح”الشرق الشيوعي الملحد”و”الغرب الليبرالي المنغمس في اللذات”لم تغير من أعماق الشرقي قيد أنملة بل وهو لا يزال”بکريسه”(أي بشحمه)کما يقول العراقي، وباب الحارة جاء ليلفت أنظار کل شرقي الى ان علمانية مصطفى کمال أتاتورك لم تغير شيئا من واقع أمر سدنة آخر خلافة إسلامية حتى جاء السيد رجب طيب أردوغان و کان عنده النبأ اليقين! و سوف لن أقارن بين التجارب العربية”السياسية”الفجة و بين التجربة الترکية التي تعتبر نموذجية قياسا للأخيرة، ذلك إن النظام العربي ظل يموه على العالم(ولکن ليس على نفسه)بأنه يسعى لبناء مجتعات متحضرة تؤمن بقيم و مبادئ حقوق الانسان و منظمات المجتمع المدني، حتى جاء بسام الملا بباب حارته الذي فضح الجماهير قبل حکامها على رؤوس الاشهاد.
الملك فاروق وهو يصرخ بأمه من دون أن يغير الذي يجول بخاطرها، هو غير رجال حارة الضبع الذين ليس هناك من أنثى تجرؤ على مجرد مناقشتهم وحتى إن “سعاد خانم”التي سعت لمد قدميها أبعد من بساطها(بالاتکاء على أخويها العکيد أبو شهاب و أبو کاسم)، لکن ذلك لم يشفع لها و صارت مجرد مطلقة بائسة بحيث أجبر أبو إبراهيم إبنه على تطليق إبنتها دلال وبدم بارد أمام طليقها أبو عصام لأن أم زوجة أبنه مطلقة.
عالمان وإن کان يجمعهما أس واحد، لکن هناك ثمة إختلاف قد يکون کبيرا بينهما، ذلك أن عالم الملك فاروق هو سرد مستقى من التأريخ القريب، أما باب الحارة فهو مجرد فکرة ما إبتدعتها ذهنية المؤلف محمد قاووق، لکن المشاهد مع ذلك إندمج و تفاعل مع الاخير فيما بقي مع الاول يشعر بتغريبة برتولد بريشت رغم ان الدکتورة لميس جابر کانت أکثر من موفقة في بث الروح الدرامية في ثنايا الاحداث التأريخية وعملت کل ما في وسعها لإيصال النبض الدرامي متوازيا و مرادفا مع البعد التأريخي، إلا أن المشاهد مع ذلك وجد نفسه في”العکيد أبو شهاب” أکثر مما وجد نفسه في فاروق و سعد زغلول و مصطفى باشا النحاس. ويبقى هناك سؤال حيوي مهم يطرح نفسه بقوة وهو: ماعلاقة الملك فاروق بباب الحارة؟ فاروق کان يتمنى في قرارة نفسه لو أذعنت نازلي لموقفه و صرفت النظر عن الزواج إکراما لعرشه مثلما کان يتمنى لو أن الملکة ناريمان تکرمه بسکوتها عن کل ما يبدر عنه من تصرفات تطعن ناريمان في الصميم، وبهذا نکتشف ثمة خيط رفيع ما يوصل بين فاروق و بين حارة الضبع، ذلك ان فاروق هو نموذج معدنه الاصلي مسبوك في حارة الضبع لکنه و لأسباب و ظروف شتى صار غريبا عنها نوعا ما، لذلك فهو يمر من أمام باب الحارة بحذر لکن من دون أن يدخلها!