الرئيسية » مقالات » معاناة المثقفين حين تنهار المعايير والقيم!

معاناة المثقفين حين تنهار المعايير والقيم!

 
“الحقيقة لا تكون صرفة أبداً , وهي قل ما تكون مجردة”
أوسكار وايلد

التقيت بالأستاذ الدكتور سعد الدين إبراهيم لأول وآخر مرة في ندوة فكرية وسياسية دعيت لها ناقشت جملة من قضايا الحرية والديمقراطية ومشكلات الشرق الأوسط. عقدت هذه الندوة في أمستردام /هولندا, قبل أكثر من عقد من السنين. وكان مشاركاً فيها الأستاذ الدكتور برهان غليون أيضاً. نظمت هذه الندوة من قبل مجموعة من منظمات المجتمع المدني الهولندية والأجنبية , ومنها منظمات أفريقية وعربية.
في عرض وتحليل إشكاليات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا فلسطين وإسرائيل كانت الموضوعات التي طرحناها نحن الثلاثة متماثلة إلى ابعد الحدود. كان الزميل سعد الدين إبراهيم واضحاً متواضعاً في عرضه للمشكلات صريحاً في معالجتها وعبَّر عن رؤية موضوعية وعلمية هادئة في سبل معالجتها.
وحين اعتقل في مصر بعد عدة سنوات , وكنت متابعاً لنشاطه في مركز ابن خلدون والمجلة التي كانت تصدر عن هذا المركز بشأن المجتمع المدني , وقعت على مذكرة تطالب بإطلاق سراحه وساهمت مع آخرين في إرسال التحية له لشد أزره وهو في المعتقل. وهنأته برسالة الكترونية حين خرج من المعتقل بعد نقض الحكم الذي صدر بحبسه سبع سنوات عجاف , اكتوى فيها بعشرة شهور حبس. وهي فترة طويلة وعقوبة غير إنسانية وظالمة في آن.
المثقف الديمقراطي الحر في الدول العربية محاصر ومحارب من أكثر من جهة , محارب من الحكومات وأجهزة الأمن والقمع , محارب من بعض القوى السياسية السلفية المتشددة , ومحارب من قوى إسلامية سياسية إرهابية , ومحارب أحياناً بسبب التقاليد البالية التي لا تزال سائدة وتروج لها الحكومات وقوى سياسية بعينها لا تريد لشعوب هذه البلدان الانطلاق صوب آفاق جديدة من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والحياة الثقافية الحرة.
الدكتور سعد الدين إبراهيم مثقف مصري رفيع المستوى ومناضل حقيقي من اجل الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني ومن أجل حقوق القوميات الأخرى والأديان والمذاهب الدينية ومن أجل حقوق المرأة ومساواتها بالرجل , ومن أجل أن تسود في مصر المعايير والقيم الإنسانية وحكم القانون الديمقراطي. فهل من أجل هذه القضايا المشروعة والعادلة يواجه الزميل سعد الدين إبراهيم هذه المعاناة من تقييد للحرية ومن غلق المركز ومن اعتقال وحبس ومحاربة ومن اتهامات باطلة بالعمالة والخيانة وما شاكل ذلك؟
من المؤسف حقاً أن نقول , ونحن نتحدث عن مصر , حيث فيها بعض الحريات أفضل من غيرها من الدول العربية , رغم أنها تلتقي مع جميع الدول العربية في ذات العلل السياسية والاقتصادية والاجتماعية , نعم أنه يعاني , وأن معاناته ناتجة عن الفكر الذي يحمله ويبشر به وبسبب نشاطه ولقاءاته الدولية , وبسبب صراحته وجرأته في طرح المعضلات وسبل المعالجة.
وأخيراً وجد الكاتب والباحث والأستاذ الجامعي والمناضل في سبيل مجتمع مدني ديمقراطي حديث نفسه مشرداً ومهاجراً قسراً إلى خارج مصر نتيجة اتهام البعض له بالخيانة لأنه التقى بالرئيس الأمريكي وربط قضية المساعدات الاقتصادية لكل الدول النامية بالموقف من الحريات الديمقراطية , ولأنه قال بصراحة ما لم يتطرق له آخرون. فهو يخشى , وحسب تصريحاته الأخيرة , من العودة إلى مصر , إذ أن ذلك يعني حبسه على ذمة التحقيق و يخشى الاغتيال السياسي وهو في حبسه.
يبدو لي أن الدول العربية التي لا تزال اقتصادياتها ومجتمعاتها , وكذلك طبيعة حكوماتها والكثير من نخبها السياسية وأحزابها الحاكمة وغير الحاكمة , تعيش في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من النواحي الاقتصادية والاجتماعية وغياب التنوير الاجتماعي والديني وتخلف الوعي الثقافي العام وطبيعة الممارسات السياسية القمعية الفعلية , تواجه تناقضاً وصراعا حاداً بين المعايير البالية التي تتبناها وتلك التي يفرضها العصر الجديد , عصر القرن الحادي والعشرين وعصر الثورة الأنفوميديا والعولمة. وبين هذين الحدين المتناقضين يعصر الحاكمون وقوى سياسية بعينها المثقفين الديمقراطيين والتقدميين واللبراليين والعلمانيين ويدفعون بهم إلى المعاناة الفعلية. وإذا كانت معاناة المثقفات والمثقفين الديمقراطيين في مصر على غرار ما تعانيه الدكتورة نوال السعداوي والدكتور سعد الدين إبراهيم والدكتور نصر حامد أبو زيد أو قتل الدكتور فؤاد فودة , ثم الاعتداء الأثيم على نجيب محفوظ .. الخ كارثة فعلية على الحياة السياسية والثقافية المصرية , فأن دولاً عربية أخرى يقتل فيها المثقفون بالجملة أو يزجون في السجون أو يجبرون على مغادرة البلاد خشية الموت على أيدي الإرهابيين التكفيريين أو المليشيات الطائفية المسلحة أو الفتاوى المختلة والمشوهة. ويمكن لكل منا أن يلقي نظرة سريعة على ما يجري في وسط وجنوب العراق وبغداد , أو في سوريا ولبنان أو في السعودية والسودان أو في ليبيا ليتيقن بأن المثقفات والمثقفين , وكذلك شعوبنا العربية وغير العربية وأتباع الأديان والمذاهب المختلفة يعانون من مصاعب جمة وحياة حزينة ويواجهون مخاطر جمة.
علينا أن نرفع صوت الاحتجاج ضد ما يجري في هذه الدول من تجاوزات فظة على حقوق الإنسان , علينا أن نعبئ الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ضد ما تعانيه المثقفات ويعانيه المثقفون في الدول العربية.
وأخيراً أشد على أيدي الزميل سعد الدين إبراهيم ونوال السعداوي ونصر حامد أبو زيد وغيرهم من مثقفاتنا ومثقفينا الأوفياء لوطنهم والمخلصين لمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والعلمانية وانتصر لقضيتهم وأدعو الجميع للتضامن والعمل المشترك لصالح الثقافة الإنسانية الديمقراطية والمثقف الديمقراطي الحر.
13/10/2007 كاظم حبيب