الرئيسية » مقالات » ظاهرة تحريم الكتب والروايات

ظاهرة تحريم الكتب والروايات

لقد فتحت بغداد العصر العباسي ــــ منذ ظهورها كعاصمة ثانية بعد دمشق ـــ أبوابها المشرعة لترجمة كتب الحضارت الاخرى الى اللغة العربية فضلا عن تأليف الكتب في شتى ميادين الثقافة حتى ضربت اليها آباط الابل طمعا في سكناها والتمتع بحرية التعبير عن الرأي فيها وكتابة مايشاء العلماء بين طيات كتبهم حتى استحالت عصيرا رقراقا ممزوجا بمسك الحرية الفكرية والرأي والرأي الاخر وكافورا للتأليف والنسخ والوراقة وإن وقعت بعض الهنات هنا وهناك والمهاترات بين علماء اجلاء وفقهاء فلم تصل المرحلة الى (التحريم ) وثمة كتابان رائعان جدا اسوقهما مثالا لطيفا على تقبل الاخر وعدم شطب فكره الا ان كل انسان له وجهة نظر وهما الامام الغزالي الذي الف كتابا اسماه ( تهافت الفلاسفة) الذي يبوح فيه برأي بناه واعتمده في حياته وارتضاه لنفسه بالبحث العلمي وهو تجنب الفلسفة والفلاسفة لكن لابأس بالاطلاع عليهما وله موقف من الفلاسفة بالرغم من ضلوعه بالفلسفة ولذلك اسماه ( تهافت الفلاسفة) أي ان الفلاسفة متهافتون بنظره الشخصي وهذا رأيه اما ابن رشد الفيلسوف فقد اجاب برأي آخر حول هذا الكتاب بكتاب آخر اسماه ( تهافت التهافت ) رأى فيه بما معناه ان الفلسفة هي ام العلوم وابنة الدين بناءا على مايراه كفيلسوف هكذا كان العلماء والفلاسفة مناقشون محاورون وكل يرى الحقيقة من جانب وربما يصح هنا قول الامام الشافعي(رض) ( كلامي صواب يحتمل الخطأ وكلامك خطأ يحتمل الصواب ) ومن المفترض في عصرنا الحالي ان لا تطفوا على السطح ظاهرة خطيرة جدا وهي ظاهرة تحريم الكتب والروايات ومصطلح (التحريم ) ينشطر الى قسمين التحريم السياسي او مايسمى بالكتب والرويات الممنوعة(قانونا) والتحريم الديني او مايسمى بالكتب والروايات المحرمة (شرعا) وقد يجتمع التحريم بنوعيه السياسي والديني على كتاب او رواية ومع اننا لسنا نعيش في عصر الرومانسية والايدلوجيات كما في العقود السابقة لذلك قلما تجد شابا او شابة يقرأ كتابا او رواية محرمة أو محللة (شرعا وقانونا ) لأن العصر الذي نعيشه هو عصر الماديات (جني الاموال) وتصفح الانترنت ومشاهدة الفضائيات ولذلك تجد الشباب على بكرة ابيهم متهالكون للحصول على فرصة عمل او وظيفة كي يؤمنوا لهم مستقبل مضمون ويستمتعون بالدردشة والتصفح على الانترنت ومشاهدة الفضائيات ولذلك تجد محور حديثهم حول هذه الاشياء لكن الطامة الكبرى ان المؤسسة السياسية والدينية لازالت متمسكة بالفتاوى السياسية (ان صح التعبير) والفتاوى الدينية التي صدرت منذ عقود طويلة حول بعض الكتب والروايات والادهى والامر ان التحريم (القانوني) و(الشرعي) مازال مستمرا الى اليوم على مايصدر حديثا من اصدارات وهنالك نوع اخر من التحريم السياسي ليس بسبب النص بل بسبب الشخص بمعنى ان الشخص قد يكون له مشاكل مع الدولة ويؤلف كتابا في الطب او الهندسة الخ فتجد ان هذا الكتاب يحرم ايضا !!! وقديما اصدر الفاتيكان فتوى بتحريم الكوميديا الالهية لدانتي لأنه رأى معظم رجال الدين في الجحيم وأولهم البابا وبعد النهضة الفكرية التي حدثت وما صاحبها من الثورة الصناعية زالت هذه المؤثرات الا انها عادت بأصدار الفاتيكان فتوى تحريم لرواية حديثة ( شيفرة دانفشي ) للمؤلف الاميركي دان براون وقد مثلت فيلما سينمائيا بنفس العنوان وفكرة هذه الرواية ان السيد المسيح (ع) لم يعش حياة بتولية بل تزوج من مريم المجدلية وانجب منها ثم رفع الى السماء ومازال نسله موجودا يعيش بين ظهرانينا الا ان التحريم السياسي لم يصدر بحق الرواية مما اتاح لمعظم الناس قراءتها واغلبهم شاهدوا الفيلم واحدهم كاتب هذه السطورالا انني رايته كأي فيلم آخر اراه اما على مستوى الدول العربية فحدث عن البحر ولاحرج فمعظم النصوص اندمج فيها التحريم السياسي والديني معا نظرا للتداخل بين المؤسسة الدينية والسياسية فيحدث بينهم دائما تبادل منفعة لأن زوال احدهم يؤدي الى زوال الاخر فالحاكم يغدق الاموال على المؤسسة الدينية كي يستمد شرعيته المطلقة منهم والمؤسسة الدينية تسند الحاكم كي يستمر هذا الاغداق والكرم الحاتمي فعلى سبيل المثال لا الحصر من الروايات التي حرمت سياسيا ودينيا ( مدن الملح ) رواية ذات خمسة مجلدات للكاتب عبد الرحمن منيف رواية ( وليمة لأعشاب البحر) للكاتب حيدر حيدر رواية ( اولاد حارتنا ) للكاتب نجيب محفوظ رواية (الخبز الحافي) للكاتب محمد شكري ورواية (ريح الجنة) للكاتب تركي الحمد ورواية (سقوط الامام ) لنوال السعداوي والقائمة تطول جدا اما الكتب المحرمة فمعظم كتب السحر والكتب الدينية الراديكالية والفلسفية والماركسية وكذلك تندرج تحت طائلة التحريم قصائد ودوواين بعض الشعراء ولكننا لم نذكرها كامثلة لأننا لسنا بصدد دراسة ببلوغرافية احصائية لجميع النتاجات والنصوص ولكننا احببنا ان ننوه وننبه الى هذه الظاهرة التي تفشت بشكل (هزلي) في المجتمع العربي خصوصا وربما من حسن حظ الكاتب ان تمنع كتاباته فكل ممنوع مرغوب لأن ثمة رغبة مكبوتة في المجتمع العربي بممارسة نوع من المعارضة للسلطة السياسية والسلطة الدينية بعدم التمسك بتلابيبها فيجد متنفسه الوحيد هو قراءة مالاترضى عنه السلطة السياسية والمؤسسة الدينية ولذلك تجد ان الكتب والروايات الممنوعة هن الاكثر مبيعا وانتشارا وتداولا وذكرا بين الناس فهي بمثابة حلوى يأكلونها بالخفية وثمة رأي شخصي لي ليس كل ممنوع من كتاب ورواية تميز بجودة الطرح ورفعة النص واستخدام الكاتب لأدوات الكتابة فكثيرا ماتعبنا للحصول على كتاب ممنوع او رواية ممنوعة لنستمتع بقرائتهما الا اننا نصدم بركاكة اسلوب وهشاشة مضمون أو فكر مستهلك طبعا البعض وليس الكل لكنني انصح المؤسسة السياسية والدينية بالتحليل وليس التحريم لأن التحليل سوف يضعف مبيعاتها في السوق وربما يمر القاريء عليها مرور الكرام وليس مرور اللئام كما يفعل بالممنوع فضلا عن ان العصر قد تغير واعتقد ان فعل القراءة قد ضعف كما ضعفت الثقافة العربية وان كنتم في ريب مما اطرح فاذهبوا الى الجامعات فستجدون طلبة اليوم لايرتادون المكتبات كطلبة العقود الماضية كل همهم ان يمشوا جنب الحائط ويحصلون على وظيفة وان تصبح لهم زوجات حسناوات فيكفي هذا الخوف المتبادل بين الشعوب العربية والمؤسسات الحاكمة والمشرعة وبالعكس.