الرئيسية » مقالات » الرحيل على جواد أدهم

الرحيل على جواد أدهم

رحلت في صمت مناضلة قديرة كانت ملء العين والبصر بما لعبت من أدوار رائعة في الحركة النسوية العراقية والعربية والعالمية،وتبوأت مكانة متميزة في صفوف أعرق الأحزاب العراقية الحزب الشيوعي العراقي،فقد انتمت إليه في سن مبكرة،وارتقت إلى عضوية لجنته المركزية لما لها من مواقف وقدرات نضالية ونشاط ملموس في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية،وكانت في صفوف الناشطات في الحركة النسوية إلى جانب زميلاتها ممن تمكن من تحقيق الكثير للمرأة العراقية عبر نضالهن المديد للمطالبة بحقوق المرأة،فكانت المواجهة حامية مع الفكر الرجعي المتخلف،وتمكن الرعيل الأول للناشطات النسويات من تحقيق الكثير من المنجزات رغم الهجمة الشرسة التي قوبلت بها الحركة النسوية،فكان ذلك دافعا للعمل بقابلية وجد للوصول بالمرأة العراقية إلى مدارج الرقي والتقدم،ولقدراتها الخلاقة وتميزها بالنضال اختيرت من بين ملايين النسوة لتكون وزيرة للبلديات في العهد الجمهوري الزاهر وهي أول امرأة استوزرت في العراق والمنطقة العربية،فكان أن قامت بواجبها خير قيام،وتمكنت من أنجاز الكثير من المشاريع العمرانية لما لوزارتها من علاقة مباشرة بحاجات المواطن،وكانت وزارة البلديات يومها مسئولة عن الكثير من الأعمال، ومديرياتها تتكون من مديرية مصلحة المجاري العامة،ومديرية مصلحة نقل الركاب،ومديرية مصلحة إسالة الماء،ومديرية الإنعاش الريفي،وأمانة العاصمة ومديريات بلديات الألوية،ومديرية الخدمات الريفية العامة،ومديرية الكهرباء،ومديرية التخطيط والتصميم،ومديرية المباني،ومديرية المياه الجوفية”خاصة بحفر الآبار” ومديرية المسح،ومديرية الطرق العامة،ولو أردنا بيان انجازات الوزارة خلال تلك الفترة لوجدنا أنها قامت بعشرات الآلاف من المشاريع العمرانية المهمة وقامت بتوسيع شوارع العاصمة والمدن وإنشاء الساحات والحدائق العامة والملاعب،وإنشاء الساحات ومدن الألعاب والعلاوي الشعبية وعلاوي الأسماك،ومدينة الحيوانات وأخرى للألعاب،ولو استنطقنا تاريخ تلك الفترة لوجدنا أن أكثر الشوارع التي لازالت من معالم بغداد أنشئت في تلك الفترة الذهبية،وجرى توسيعها بأستملاك االمنشاآت التي حولها،وكان تعبيد الطرق ومد المجاري وإيصال المياه وإنشاء الشبكة الكهربائية وبناء المحطات الحديثة قد أخذ مديات لم يصل إليها العراق في تاريخه الحديث قياسا للفترة الزمنية والإمكانيات المادية.

وفي مجال التشريع كان للرفيقة الراحلة الأثر الكبير في أقرار قانون الأحوال الشخصية الذي كان معلما بارزا في تاريخ العراق،وكان من أكثر القوانين تقدمية في المنطقة والعالم الثالث بشكل خاص،وقد أثار القانون في حينه ضجة من قبل المتضررين من أقراره والمتخلفين الذين لا يؤمنون بحقوق المرأة ويرون فيها سلعة رخيصة،وماكينة للتفريخ،ومتاع لإرضاء غرائزهم،ومواطنة من الدرجة صفر ليس لها حقوق بقدر ما عليها من واجبات في خروج على قوانين السماء التي جعلت المرأة مثيلا للرجل في كل شيء،وأعطاها واجبات لا يستطيع الرجال أدائها.

ولو قارنا بين أدائها في الوزارة وما عليه حال العراق الآن ،لرأينا ما للمبادئ التي أمنت بها من أثر في ما قدمت من أعمال،وما عجزت عنه صناديد الرجال في القرن الواحد والعشرين،عندما عجزوا عن القيام بأعباء وزارتهم وما وصل إليه حال الوزارة من تردي مريع هذه الأيام،حيث أصبحت بؤرة للفساد المالي والإداري وضيعت مليارات الدولارات على مشاريع تافهة لم ينتفع من ورائها المواطن،ولا زال العراقيون يعانون من فشلها الذريع وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

لقد كانت الراحلة الكريمة معلما من المعالم العراقية،وعلامة بارزة في تاريخه الحديث،وقدمت لوطنها الكثير ،وناضلت نضالا مجيدا من أجل المرأة وتبوأت أعلا المركز القيادية في المنظمات النسوية العالمية،عسى أن تلفت الحكومة العراقية ولو بعد فوات الأوان إلى تخليدها بنصب تذكاري يتصدر واجهة وزارة المرأة العراقية،رغم أنها خالدة في ضمير العراقيين بما قدمت عبر عمرها المديد من أعمال باهرة تستحق الحمد والتبجيل.