الرئيسية » مقالات » فيدرالية أَم تقسيم؟

فيدرالية أَم تقسيم؟










هناك حملة واسعة شنها العديد من الكتاب العراقيين والعرب أدانوا فيها قرار مجلس الشيوخ الأمريكي (غير الملزم) حول توزيع الحكم في العراق إلى ثلاث فيدراليات. وربما تأخرتُ بعض الشيء في المشاركة في هذه الحملة وعذري هو أني نشرت عن هذا الموضوع وأبديت رأيي فيه وعارضته في مقال لي بعنوان (خطة بايدن لحل المعضلة العراقية) في شهر آذار/ مايس من العام الماضي وعندما كان القرار مازال مجرد مقترح قدمه مؤلفاه الشيخان الديمقراطيان، جوزيف بايدون (Joseph R. Biden Jr) ولزلي غليب (Leslie H. Gelb ) في صحيفة نيويورك تايمس في عددها الصادر يوم 1 أيار/مايس 2007، بعنوان: (الوحدة من خلال الحكم الذاتي في العراق Unity Through Autonomy in Iraq)). ولكن بقيت أستلم رسائل من الأخوة القراء يسألونني عن موقفي من هذا القرار، لذا أرى من المفيد أن أدلي بدلوي بهذا الشأن.

والجديد في الأمر الآن هو أن المقترح تحول من مقال إلى قرار صوتت عليه غالبية أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بنسبة 75%. والقرار كما أعلن عنه أنه غير ملزم، وقد عارضته إدارة الرئيس بوش فوراً وأنأت بنفسها عنه وأعلنت أنها لن تتخذ به. كما وأصدرت السفارة الأمريكية في بغداد توضيحاً أعلنت فيه عدم الالتزام بالقرار. والأهم من كل ذلك أن جميع الجهات، الذين كتبوا القرار وقدموه إلى المجلس للتصويت، والذين صوتوا عليه، والذين عارضوه، اتفقوا بالإجماع على نقطة واحدة مهمة جداً وهي: أن تنفيذ القرار أو عدمه ومستقبل نوع الحكم في العراق يعود أولاً وأخيراً إلى الشعب العراقي وقيادته السياسية، وأنه لا يمكن لأية قوة خارجية فرض نوع الحكم عليه. ولكن رغم كل هذه التأكيدات فمازالت حملة الإدانة مستمرة، بل واستغلها فلول البعث والمتعاطفين معهم من العربان فاعتبروا هذا القرار هو مخطط أمريكي لتفتيت العراق ليس غير!!!

مسبقاً أود التأكيد على موقفي من القرار، وكما أوضحت في مقالي الذي أشرت إليه أعلاه، أني ضد فيدرالية المناطق العربية من العراق في الوقت الحاضر على الأقل، بل وحتى ضد طرحه الآن، لأنه مسألة خلافية، ولأن الوضع العراقي هش ومتأزم جداً لا يتحمل المزيد من طرح مثل هذه المشاريع المثيرة للجدل والاختلاف والتفرقة. ولكن الذي حصل من ردود أفعال من قبل بعض المثقفين العراقيين والعرب أقل ما يقال عنه أنه كان خارجاً عن السياق والعقلانية، وتتصف بالكثير من المبالغة والنفاق والهستريا وذرف دموع التماسيح على الوحدة العراقية، وبالأخص من قبل الذين يعملون ليل نهار على تفتيت الشعب العراقي عملياً وبدوافع طائفية مقيتة وتكريسها، ولاسيما من قبل أيتام البعث الساقط والمتعاطفين معهم من أعداء عراق ما بعد صدام.

لقد راح معارضو القرار يستخدمون أبشع مفردات ما أنزل الله بها من سلطان في وصفه من أجل التضليل ليس غير. فاللغة العربية، كما نعرف، غنية بالمفردات، إذ بإمكان الفرد تجميل أو تقبيح أي شيء يريد حسب موقفه من هذا الشيء بمجرد أن يختار المفردات التي يمكن أن تخدم أغراضه. إذ ليس في العالم لغة تسمي النجاسة طهارة والأعمى بصيراً غير اللغة العربية. وليس هناك لغة تبريرية غنية بمفردات إلقاء اللوم على الآخرين في حالة الفشل أكثر من اللغة العربية، وليس هناك شعب مصاب بداء (نظرية المؤامرة) أكثر من الشعوب العربية. فالعرب يرون الدنيا كلها تتآمر ضدهم، وهم دائماً ضحايا الأجانب الكفار وخاصة أمريكا!!!

وبهذا الأسلوب يمكن تضليل الرأي العام العربي الذي هو مضلل أصلاً منذ أيام الإعلامي المصري المعروف، أحمد سعيد، في صوت العرب في عهد عبدالناصر، وليس انتهاءً بمحمد سعيد الصحاف (أبو العلوج) وزير الإعلام في عهد صدام حسين. وعليه، ووفق ما تقدم، فمساهمة مختلف مكونات الشعب العراقي في حكم العراق هي (محاصصة طائفية وعرقية بغيضة) إذا كنا ضدها، و(مشاركة عادلة للجميع) إذا كنا معها. كذلك طرح مشروع الحكم الذاتي للأقاليم العراقية، فهو (فيدرالية) وتوصف بأنها أرقى نظام حكم ديمقراطي إذا كنا معها، وهي تقسيم وتفتيت ومقدمة لإلغاء العراق وابتلاعه من قبل إيران إذا كنا ضدها. أعتقد من واجب المثقفين وخاصة الليبراليين منهم، تجنب إثارة الجماهير وتضليلهم بالعزف على الوتر العاطفي، فتاريخ العراق حافل بهذا النوع من تضليل الجماهير وقيادتها إلى التهلكة.

وهنا أضم صوتي إلى الصديق الروائي العراقي إبراهيم أحمد في مقاله القيم (الشيوخ الأمريكيون يلعبون فريقنا الوطني!) أننا يجب تقديم الشكر لأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي على إصدارهم مثل هذا القرار الذي وحدوا به الشعب العراقي. فنحن نعرف أن هذا الشعب غير متصالح مع نفسه، والوحدة الوطنية التي يتغنون بها كانت مفروضة عليهم بالقوة عن طريق القمع وليس بالإرادة الحرة، فما أن أزيل نظام القمع يوم 9 نيسان 2003 حتى انفجرت الدمامل تقذف القيح العفن الذي أزكم الأنوف وفضح الجميع. وقرار مجلس الشيوخ الأمريكي من المناسبات النادرة التي توحد فيها العراقيون. فالمرة الأولى التي أعلن العراقيون وحدتهم كانت بمناسبة فوز المغنية العراقية شذى حسون في مسابقة الأغنية العربية، والثانية فوز الفريق العراقي لكرة القدم في دورة آسيا، وهذه هي المرة الثالثة يعلن العراقيون وحدتهم بفضل قرار مجلس الشيوخ الأمريكي، فشكراً للمجلس وشكراً لله الذي لا يحمد على مكروه سواه والذي كشف النفاق.

أجل، لقد وحد القرار شمل العراقيين في كيل الشتائم ليس على مجلس الشيوخ الأمريكي وحده، بل واتخذ أعداء العراق الجديد هذه المناسبة فرصة لهم لكيل الشتائم على أمريكا كلها وإدارة الرئيس بوش خاصة، واعتبار هذا القرار هو مشروع أمريكي مخطط مسبقاً من أجل تفتيت العراق وبالتالي إلغائه من الخريطة. الأمر الذي دفع كاتبي مشروع القرار إلى نشر مقال توضيحي بعنوان (فيدرالية وليس تقسيم) أكدا فيه وحلفا أغلظ الإيمان أن القرار غير ملزم وأنه جاء متماشياً مع مواد الدستور العراقي، وأنه غير مفروض على الشعب، بل القرار النهائي هو بيد الشعب العراقي وقيادته السياسية.

كما “هاج وماج” آخرون أنه ليس من حق الأمريكان إصدار مثل هذه القرارات والتدخل بالشأن العراقي، مما جعل بايدن وغليب يردا على هذا الاعتراض في مقالهم التوضيحي بالقول: ” أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤوليات في العراق لا يمكن أن نهرب منها. العراقيون يحتاجون مساعدتنا في الحل الفيدرالي. فهناك 160 ألف جندي أمريكي يخاطرون بحياتهم في العراق، مع مئات المليارات الدولارات صرفت، وأكثر من 3800 قتيل ونحو 28000 جريح، لذا فنحن أيضاً يحق لنا أن يسمع رأينا”
(Joseph R. Biden Jr. and Leslie H. Gelb Federalism, Not Partition , Washington Post, 3/10/2007)

يبدو أن العراقيين في حالة تشويش فكري لا يعرفون ماذا يريدون. إذ تراهم أدمنوا على معارضة الحكومة بحيث صاروا معارضين حتى لحكومة هم أعضاء مشاركون فيها لأنهم فقدوا فن الحكم ولم يعرفوا أي شيء في السياسة غير المعارضة التي صارت مهنتهم المفضلة ولا يجيدون غيرها. وإلا ماذا نسمي هذه المليشيات الطائفية التابعة لأحزاب مشاركة في الحكومة والتي تنقض بين حين وآخر على وزارة من الوزارات وتقوم باختطاف وقتل الموظفين والزائرين؟ وماذا نسمي انسحاب ما يقارب نحو نصف عدد الوزراء بحجة احتجاجهم على عجز الحكومة في تنفيذ قراراتها وبرامجها؟ وهل حقاً عجز الحكومة هو سبب الانسحاب، أم فشل المنسحبين أنفسهم في تنفيذ واجباتهم الوزارية، فانسحبوا من أجل تبرئة أنفسهم من هذا العجز والفشل وإلقاء اللوم والمسؤولية على غيرهم؟

والجدير بالذكر أن هذا التشويش لا يتوقف على المواطن العادي الذي لا حول له ولا قوة، بل نراه حتى عند أولئك الذين يقودون منظمات المجتمع المدني، إذ نقرأ في وسائل الإعلام (بيان صحفي لمؤتمر منظمات المجتمع المدني) والذي وقع عليه ممثلون لما يقارب (100) منظمة وجمعية محلية، كما يقول الخبر، يدينون فيه قرار مجلس الشيوخ. والغريب أنهم في نفس الوقت يصدرون بيانهم هذا تحت شعار (نعـم للعــراق الفيدرالــي لا للتقسـيم الطائفـي). وهذا يعني أن المقعين على البيان من ممثلي منظمات المجتمع المدني هم مع الفيدرالية التي دعا لها قرار مجلس الشيوخ. وهنا التلاعب بالمفردات اللغوية، وسؤالنا لهؤلاء الأخوة سامحهم الله تعالى، هو: هل أكد القرار على الفيدرالية أم التقسيم الطائفي؟ ألا يدل هذا البيان على أنه هو الآخر ناتج عن التشويش في الفكر العراقي؟ فكيف يمكن إقناع هؤلاء أن القرار مجلس الشيوخ يعني الفيدرالية وليس تقسيماً؟ تعالوا يا أهل الخير والعقل حلوا لنا هذه المعضلة؟ وماذا يجب على مجلس الشيوخ الأمريكي أن يقول ليقنع هؤلاء السادة أنهم ليسوا مع التقسيم بل مع الفيدرالية؟ في الحقيقة أرى أننا أمام معضلة لا حل لها!!!

أرجو أن لا يفهم من كل هذا أني مع قرار مجلس الشيوخ بل أني ضد الهرج والمرج والهياج العنيف واستغلال المناسبة لذرف دموع التماسيح على الوحدة العراقية البائسة والتي هي مشروخة وعليلة في قسم الإنعاش، إن لم نقل ميتة أصلاً. وما قيمة وحدة الأرض إذا كان الشعب متحامل بعضه على بعض وهناك تطهير طائفي بغيض حتى في داخل المدينة الواحدة ونحو مليونين من المشردين داخل العراق بسبب التطهير الطائفي؟ كما وهناك أحياء في بغداد مغلقة للسنة وأخرى مغلقة للشيعة. كذلك نسمع أخباراً مخجلة إلى حد الكارثة أن هناك مستشفيات في بغداد يتم فيها سؤال المريض المراجع عن طائفته، وإذا ظهر أنه من غير الطائفة التي تستقبل منها تلك المستشفى فلا يقبل معالجة هذا المريض. أيها السادة، هذه الأخبار صحيحة وهناك أسوأ منها. وهذا دليل على أن العراق مقسم عملياً ليس بقرار مجلس الشيوخ الأمريكي، بل بسلوك العراقيين أنفسهم الذين أصابهم مس من الجنون الطائفي، وسوف يبقى هذا السلوك صفحة سوداء في تاريخ العراق يندى لها الجبين وتخجل منها الأجيال القادمة.

أما لماذا أعارض قرار فيدرالية الجنوب فذلك لما يلي:
يعتقد أصحاب القرار خطأً أن التمرد المسلح ضد الوضع الجديد، هو صراع طائفي ومن أجل الحكم الذاتي على أسس طائفية. وهذا غير صحيح، رغم أن التمرد أخذ طابعاً طائفياً، وتفشى الاعتقاد بأن القائمين به هم العرب السنة فقط وبدوافع الاستقلال بمناطقهم. بينما الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. فهناك جهات مختلفة حملت السلاح ضد الوضع الجديد ولأغراض مختلفة، لم تكن الفيدرالية هدفاً من بينها لأي من جماعات وعصابات التمرد. فهدف المسلحين البعثيين هو إعادة حكم البعث البائد وإجهاض العملية الديمقراطية. وهدف السلفيين والتكفيريين من أتباع القاعدة هو إقامة إمارة إسلامية في العراق على غرار إمارة طالبان في أفغانستان سابقاً. و(مليشيات جيش المهدي) أتباع مقتدى الصدر هم (فدائيو صدام) وغيرهم من فلول البعث الشيعة، غير اسم تنظيمهم فقط. أما الرافضون للفيدرالية في المناطق العربية فهم الأغلبية، منها: جميع القيادات العربية السنية المتمثلة في جبهة التوافق والحوار الوطني والحزب الإسلامي..الخ، كذلك رفضها التيار الصدري وحزب الفضيلة وقائمة العراقية وغيرهم، بل وسمعنا أنه حتى السيد السيستاني هو ضد فيدرالية الوسط والجنوب.

كذلك التوزيع الجغرافي لسكان العراق في الوسط والجنوب لا يسمح بفيدراليات على أسس طائفية لأن هناك حواضر وأحياء وجيوب كثيرة في العراق وبالأخص العاصمة بغداد حيث يسكنها خليط من السنة والشيعة إضافة إلى أقليات أخرى. فكيف يمكن حل هذه المشكلة؟

ومعنى هذا أن توزيع الحكم في القسم العربي من العراق على شكل فيدراليات وفي هذا المنعطف التاريخي العاصف، يعني ظهور مأساة بشرية أخرى ألا وهي التطهير العرقي والديني والطائفي في المناطق المختلطة. وهذه المأساة لا يمكن إيقافها حتى مع وجود شرطة متعددة الطوائف والشرطة الدولية في هذه المناطق المختلطة. والأهم من كل ما تقدم، أعتقد أن الصراع الطائفي الطافح على السطح الآن هو أزمة عابرة، والفيدرالية ليست الحل الأمثل لهذه الأزمة في الوقت الحاضر، وإذا اتخذنا بالفيدرالية في هذا الوقت يعني أننا عملنا على تكريس الطائفية إلى الأبد، وتأسيس كانتونات على أسس طائفية تستفيد منها فقط عائلات استغلت الدين لأغراضها وهي على رأس العملية السياسية الطائفية المستفحلة الآن. وإذا تشكلت فيدرالية الوسط والجنوب، فستحصل المذابح بين جماعة الصدر وجماعة الحكيم. فهاتان العائلتان، آل الصدر وآل الحكيم، تتنافسان على قيادة الشيعة والاستحواذ على الثروة والنفوذ في المناطق الشيعية، أشبه بالصراع الذي كنا نشاهده في أفلام الكاوبويز الأمريكية بين آل ستيوارت وأل كوبون من رعاة البقر.
وبناءً على ما تقدم، أعتقد أن الوقت الراهن غير ملائم لطرح موضوعة فيدرالية الوسط والجنوب ويجب التركيز على حل المشاكل الأخرى الأكثر أهمية والتي لها الأولية مثل الأمن والخدمات وإلحاق الهزيمة بالإرهاب والبدء بإعمار العراق وترك مشروع الفيدرالية في المناطق العربية للمستقبل بعد أن يستقر الوضع ويستتب الأمن.