الرئيسية » مقالات » باب الحارة والمدخل للفيدرالية

باب الحارة والمدخل للفيدرالية

اعلامي وسياسي مستقل

أحد أهم وأقوى الأعمال التلفزيونية التي عرضت خلال شهر رمضان المبارك وحققت نجاحاً كبيراً هو مسلسل (باب الحارة) للمخرج المبدع بسام الملا، والمسلسل سوري يرصد حياة أهل حارة من حارات الشام القديمة من خلال حبكة فنية رائعة في دراما اجتماعية هي إلى الواقع أقرب منها إلى التمثيل، تدور أحداثه في العشرينيات من القرن الماضي ويسلط الضوء على مناخ الحياة الاجتماعية والإنسانية في تلك الحارة، حيث يؤكد على عناصر التعاون والتكافل والرأفة والرحمة والقيم النبيلة والعادات والتقاليد لسكانها، لتبعث من جديد أحاسيس النخوة والشهامة التي بدأنا نفقدها في مجتمعنا العربي المعاصر، إضافة إلى مفاصل حياتية أخرى كأهمية اللحمة الوطنية بين أبناء البلد الواحد، وتجاوز الخلافات الشخصية والصراعات المحلية والتسامي فوق الجراح التي خلفتها تلك الخلافات والصراعات في نفوس الأهالي عند تعرض أمن الحارة إلى مخاطر خارجية، وتغليب مصلحة الوطن (الكل) على مصلحة الحارة (الجزء – الأقليم)، والتقدم في الحياة انطلاقاً من الأصالة والحضارة العريقة، من دون إهمال للجانب السياسي والوطني في تلك الحقبة حيث كانت البلاد تحت وطأة الاحتلال الفرنسي.
إن ما شدّ انتباهي وأثار اهتمامي في هذا المسلسل هو تبنيه النظام الفيدرالي كأساس في حكم وإدارة شؤون الحارة (حارة الضبع)، فهذه الحارة لها زعيم (يمثل رئيس أو حاكم الإقليم) ومجلس للعضوات (يمثل مجلس النواب) والعكيد أو العقيد (ويمثل الوزارات الأمنية) ويكوّن الجميع كتلة واحدة هي بمثابة مجلس رئاسة الإقليم، ويمتلك هذا المجلس كل مقومات النزاهة السياسية والوطنية والمادية، كما يمثل النخبة الاجتماعية الحكيمة في الحارة.
يتمتع هذا المجلس بصلاحية اتخاذ قرارات أمنية كبيرة، فبسبب حساسية الوضع الأمني في بعض المراحل، قرر المجلس وضع كل غريب يدخل الحارة تحت المراقبة الشديدة، تحسباً من قيامه بعمل يمس أمن الحارة وسلامة أهلها، بل وطرد أشخاصاً ومنع دخولهم للحارة (الإقليم) بعد ثبوت ارتكابهم أفعالاً أخلت بأمن الحارة وارتكبوا ممارسات لا تناسب وبيئتها وعاداتها وتم إبلاغهم هذا القرار بشكل مباشر، وأرسلت نسخة منه إلى السلطات الأمنية المختصة التابعة للحكومة المركزية.
وقد اضـــطر الزعــــيم (حاكم الإقليم) إلى غلق الباب (الحدود) في النهار بشكل استـــثنائي، وأعلن (حالة الطوارئ) حيث أمر بمنع دخول أو خـــروج أي شخــــص، واعتقال كل المتحــاربين والغــــرباء في ساحة الحارة فوراً.
إن الاهتمام المباشر بتوفير الأمن للمواطن والحرص على سلامته، والحفاظ على اقتصاد وموارد وثروات الحارة لم يعن مطلقاً الانفصال عن البلد وما كان يعانيه من الاحتلال (الفرنسي) والفساد الإداري المتفشي في بعض دوائر الحكومة المركزية وموظفيها (رئيس المخفر مثلا) ولم يمنع الحارة من إقامة علاقات تجارية مع حارات ومحافظات أخرى، بل وبلدان مجاورة وصديقة (كصفقات تجارة الأقمشة والمنتجات الفضية والنحاسية)، واقامة مشاريع استثمارية يعود ريعها إلى خزينة الحارة ويصرف منها على فقرائها وذوي الدخل المحدود فيها، ودعم المقاومة ضد الاحتلال.
وقد حرص مجلس العضوات على متابعة آخر مستجدات القوانين الصادرة عن الحكومة المركزية ومناقشتها وإبداء الرأي فيها وتنفيذ ما يخص الحارة منها، حيث أصدر التعليمات الواضحة للأهالي بتسهيل المهمة الموكلة لموظفي المساحة والبلدية المتمثلة بتنفيذ قرار الحكومة المركزية بجرد وتخطيط أراضي وعقارات الحارة وتسجيلها بشكل قانوني لدى البلدية المركزية، ومصادرة ما ليس له سند قانوني، كالأرض الملحقة ببيت الأحد عشري التي فيها قبر جده والسكك الذهبية المسروقة وجثة الحارس أبو سمعو.
كما أكد المسلسل في التفاتة إنسانية وتصد مدروس لمحاولات زرع الطائفية في عالمنا العربي والاسلامي، على أهمية الوحدة بين كل مكونات الشعب بكافة طوائفه ومذاهبه وأقاليمه، حيث شاهدنا الشيخ السني والعالم الشيعي والقس المسيحي يفدون كتف على كتف لأداء واجب العزاء في ابن الزعيم، ومن بعد في الزعيم الذي اغتاله أحد عملاء الاحتلال.
أدخلتنا (باب الحارة) إلى الفيدرالية ونظام الأقاليم والحكومات المحلية بقصد أو من دونه، وفتحت الأذهان على أن نظرية الفيدرالية ليست معقدة إلى الحد الذي يصوره البعض على أنه انقسام وانفصال واستئصال، وهي الاتحادية في المفهوم الشعبي والواقع المعاش، وهو ما شرحته (الأوراق الفدرالية) التي كتبها ثلاثة أعلام من أعلام الفكر السياسي الأمريكي وهم جيمس مادسون، والكسندر هاملتون، وجان جي، ونشرت في الصحف المحلية في ولاية نيويورك لمخاطبة أهالي تلك الولاية منذ النصف الثاني من عام 1787 وحتى منتصف 1788 تقريباً، وبلغ عددها 85 ورقة.
وقد حدد السياسي الانكليزي ألبرت دايسي أحد المنظرين لنظرية الفيدرالية شرطان لتشكيل الدولة الفيدرالية، أولهما تبني “وثيقة الارتباط للأقاليم والدول التي تقرر اعتماد النظام الفيدرالي بعضها ببعض، محلياً وتاريخياًَ وعرقياً أو ما شابه، يجعلها قادرة على أن تحمل ــ في نظر سكانها ــ هوية وطنية مشتركة. والشرط الثاني هو «الرغبة الوطنية في الوحدة والتصميم على المحافظة على استقلال كل دولة في الإتحاد».
وليس ببعيد عن باب الحارة والشاشة الفضية، لو رفعنا أعيننا ونظرنا ما حولنا في أرض الواقع لشاهدنا الفدرالية نظاماً معتمداً في الحكم في دول متطورة وكبرى كأمريكا وألمانيا وغيرهما.
فالفيدرالية نظام سياسي راق، وشكل من أشكال الحكم تقسّم فيه السلطات حسب الدستور بين حكومة مركزية ووحدات حكومية أصغر هي حكومات الأقاليم أو الولايات، ويعتمد كل منهما على الآخر في تنظيم وإدارة أمور الدولة، وهي بلا شك تعني وحدة الشعب أرضاً وسماءً وماءً، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتؤكد وحدة الصف الشعبي في كل ألوانه الزاهية، وترسيخ مسألة المواطنة بحيث تعلو على أي انتماء ديني أو طائفي أو عرقي، وهذا يؤدي بالتأكيد إلى انتعاش الأوضاع في البلد على مختلف الأصعدة، وخاصة الوضع الاقتصادي وزيادة فرص الإبداع والعمل والتطور لأبناء الإقليم الواحد، وهذه طريقة حضارية في ممارسة واستخدام السلطة ويشارك فيها كل فرد وتستمد أسسها من قوة الدستور والتعددية الديمقراطية والعدالة القضائية التي تحد من الأعمال التعسفية للدولة وانتهاك القانون.
وهي من أفضل الوسائل السلمية لفصل القوميات والمذاهب والمدن المتناحرة مهما كانت أسباب هذا التناحر.