الرئيسية » مقالات » وقفة مع آخر فتوى سعودية

وقفة مع آخر فتوى سعودية

صدرتْ أخيراً عن المفتي العام للسعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله , فتوى تحرّم على الشباب السعودي السفرخارج البلاد بنيّة ما وصفته الفتوى بـ ( الجهاد ) معتبرة هذا النوع من السفر الى خارج البلاد , هو خروج على طاعة أولي الأمر !! .
وبالرغم ممّا تضمنته الفتوى من إشارات غنية لا تخلو من جرأة , قياسا الى التوجه العام لخطاب المؤسسة الدينية في العربية السعودية خاصة في مثل هذا النوع من الفتاوى ذات الحساسية الخاصة , كونها محكومة بشكل أو بآخر بإطار الخطاب السياسي العام للدولة , فإنها جاءت متأخرة جدا , فضلا عن لهجة التعميم التي إتسمت بها , الأمر الذي يثير بعض التساؤلات بصددها . فمن المعروف أنّ رجال الدين في معظم البلدان الإسلامية , لهم بصماتهم الواضحة في بعض القضايا العامة , مما يستوجب منهم أحيانا ووفقا لهذا الفرض , أنْ يكونوا على تماس مباشر مع الجماهير ربما لا يقل في درجته عمّا هو عليه عند رجال السياسة , وبناء على هذا الفرض , فأنّ فتوى المفتي العام للعربية السعودية ونظرا لعلاقة مضمونها بالأوضاع الأمنية في المنطقة أو حتى في بعض مناطق العالم الإخرى , فأنها وكما أسلفنا جاءت متأخرة جدا , ولا نريد الدخول في تعليل هذا التأخير ولكن بالإمكان النظر الى هذا الجانب من وجهين : الأول , إمّا أنّ سماحة الشيخ لا يملك تصوّرا واضحا عن كيفية خروج الشباب السعودي من البلاد وذهابهم الى البلدان الإخرى لممارسة ما يعتقدونه نوعا من ( الجهاد ) فيحصدون الأرواح البريئة من الناس العزّل وخصوصا في العراق عبر ما يقومون به من عمليا ت إرهابية تجاوزت في وحشيتها وقسوتها كل المقاييس , وفي حال صحّ مثل هذا الإحتمال فهو يمثل مصيبة حقا . وأمّا الثاني فهو عكس إلإحتمال الأول , أيْ أنّ المفتي العام للسعودية ومعه الكثير من رجال الدين السعودييين , ليس لديهم الصورة الواضحة عن الآلية التي يتم وفقها تجنيد هذه العناصر من الشباب السعودي والتغرير بهم ومن ثمّ الزج بهم في أتون محرقة الإرهاب بعد إلباسه ثوبا شرعيا زائفا للـ ( الجهاد ) والذي يتم في الغالب بمباركة من فتاوى تكفيرية صادرة عن المؤسسة الدينية نفسها , وهنا أيضا إذا صحّ هذا الإحتمال فإن المصيبة ستكون أعظم . النقطة المهمة الإخرى التي تستحق الوقوف عندها أيضا بخصوص الفتوى المذكورة التي لا يمكن الإنكار بأنها تناولت أمورا مهمة لا زالت تتفاعل في الواقع الراهن وبوتائر متصاعدة , خاصة في الجانب الذي يتعلق منها بالوضع الأمني في العراق , هي أنّها تجنّبت الإشارة الواضحة المتعلقة بالشأن العراقي في حين أكدت أسفها على ما يلحق بشباب السعودية المعنيين بالفتوى من أذى دون النظر الى ما يلحقونه هم من أذى كبير بالناس الإبرياء من خلال التفجيرات وأعمال الذبح والقتل التي يمارسونها , حيث يقول المفتي عن هؤلاء الـ (شباب ) بأنّهم ” لديهم حماسة لدينهم وغيرة عليه ” فأصبحوا أدوات بأيدي قوى خارجية … ” تعبث بهم باسم الجهاد ” و ” ينفذون بهم مآربهم في عمليات قذرة هي أبعد ما تكون عن الدين ” أذن فاللوم يقع بالدرجة الأولى على القوى الخارجية كما جاء في الفتوى , أما الفتاوى التكفيرية الصادرة من رجال الدين السعودين فقد أخرجتها الفتوى عن إطار المسؤولية المباشرة التي يجب أنْ تتحملها قبل أيّ طرف آخر, وأكثر من ذلك فأنّ الفتوى لم تشر ولو بشكل ضمني الى العلاقة الصميمية بين المؤسسة الدينية والحكومة السعودية نظرا لتناغم الخطابين كما هو معروف , وغير بعيد عن الذاكرة ما صرّح به قبل سنتين تقريبا مستشار الأمن السعودي , الذي شاء أنْ ينتدب نفسه للدفاع عن السنة في العراق مبديا قلقه وخوفه عليهم من الشيعة , وواضح أنها محاولة منه لدس السم في العسل كما يقال , إذْ لا يُخفى الغرض من ورائها لأنها محاولة رخيصة وبائسة الغاية منها إشعال فتنة طائفية عمياء في العراق . ولكن بعد إنْ أرتفعت أصوات الإستنكار والرفض لهذه التصريحات , إضطرت الحكومة السعودية بأنْ تعلّق على تصريحات مستشارها الأمني معتبرة إيّاها رأيا شخصيا لا يمثل وجهة نظر الحكومة .
بقي لنا في الختام أنْ نطرح هذا التساؤل المهم : هل هناك فعلاً نيّة متوفرة سواء لدى المؤسسة الدينية أو الجهات الحكومية في السعودية لإدخال هذه الفتوى أو غيرها حيّز التطبيق العملي؟؟ ذلك ما ستجيب عنه الأحداث في القابل من الأيام .