الرئيسية » مقالات » رئيـس كردسـتان إنها حتميـة تاريخيـة

رئيـس كردسـتان إنها حتميـة تاريخيـة

( دايكي نشتمان ) وطننا الأم :
كان هذا عنوان لمسرحية درامية غنائية ( اوبرا ) مؤثرة ، وهي باللهجة الكردية المهابادية عرضت على خشبة مسرح في مهاباد في أوائل عام 1945 ، كان طاقم التمثيل يتألف من مجموعة من الأعضاء الحزبيين .. الوطن الأم في خطر ..
المتفرجون الدموع تفيض من مآقيهم ..
إنه الوطن المكبل بالأغلال والقيود .. والنظارة يتأوهون ويطلقون الحسرات .. أخيراً يتقدم لأنقاذ الوطن الأم أبناؤه الشجعان .. تصفيق عام . ( وليم أيغلتن الأبن : جمهورية مهاباد 81 ) .
خلاصة القصة ان امرأة تدعى ” دايكي نشتمان اغتصبها ثلاثة شقاة ( عراق ، أيران ، تركيا ) وبعد الأهوال والمصاعب انقذت الأم على يد ابنائها الشجعان …
بات الجو مشحوناً بالوطنية فالتجربة المسرحية كانت صادقة في تجسيد الآمهم فشاهدوها بشكل تمثيلي وكان لها اثراً عميقاً في نفوسهم . هذه وغيرها بذور غرست في مشاتل القومية والوطنية للشعب الكردي .
وإذا انطلقنا من تلك اللحظة المؤثرة الطافحة بالمشاعر القومية فإننا سنصادف تاريخاً زاخراً بصور مختلفة للدراما التي تواصلت فصولها على مر العقود المتلاحقة والمسرح بات عاجزاً عن تمثيلها لضخامتها ولجسامة احداثها .
المتابع للمعضلة الكردية يلاحظ انها تصدرت الأجندة الرئيسية للدول الثلاث عراق ، تركيا ، أيران ، إضافة الى اهتمامات دول مؤثرة في المنطقة وهي بريطانيا والأتحاد السوفياتي السابق وأميركا .
أفلحت الدول الثلاث ” عراق تركيا ايران ” وبمساعدة بريطانيا في تقسيم كردستان الى اجزاء تحدها الحدود السياسية لهذه الدول ، وكل جزء من هذه الأجزاء طُلب منه ان يكون موالياً وخاضعاً للدولة المركزية التي امسى جزءاً من كيانها وكان المتشددون في هذه الدول يدعون الى صهر الشعب الكردي في بودقات القوميات الثلاث العربية والتركية والفارسية .
في هذه المعضلة غُيبت الدوافع الأخلاقية ، وشُرع في إذلال هذا الشعب وانتهاك حقوقه وانسانيته وأصبحت القضية الكردية والمجازر التي ارتكبت بحق الشعب الكردي من القضايا المشهورة المسكوت عنها من قبل الأجندة الأخلاقية العربية والعالمية .
كان منفذي القرار في هذه الدول مهمتهم تذكير الشعب الكردي بأن عليه ان يختار بين الخضوع لما قدّر له من العيش في ظل الدول التي تحتويه وفق اجندتها وبين ان يتعرض للهجمات العسكرية بما فيها قصف الطائرات والمدفعية الثقيلة وشتى صنوف العمليات العسكرية . كانت الدول هذه ” تركيا عراق أيران ” تعمل على تغييب الوعي القومي لدى الأكراد ومع غياب الوعي يمكن حجب الحقيقة وبعدها كل محاولة ستتحول الى عبثية . لكن مهما طال الزمن وامتد الأوان فالحقيقة لا بد ان تظهر .


كانت الحكومات العراقية التي تعتلي العرش عبر الأنقلابات العسكرية تسوق لبروبغندا مفادها الترويج للأحتمالات الوردية للشعب الكردي بإن مطالبهم باتت قاب قوسين او أدنى وما عليهم سوى قطافها ، وبعد ان يشتد ساعد الحكومة وتستقر لها الأوضاع تنكث بتعهداتها وتباشر اولاً بشراء الذمم ثم يعلن المذيع العراقي قائلاً : قررنا ما يلي .. فيبدأ الهجوم العسكري على المنطقة الكردية ، وهكذا يبدأ فصل جديد من دوامة قمعية مستمرة متعاقبة .
كان الشعب الكردي مختلفاً في رؤاه للأمور منهم من يرى ان الحرية لا تساوي الثمن الذي يدفع من أجلها ، وآخرون كانوا مع المضئ في الدروب الوعرة لكنها في الأخر تؤول الى نيل الحرية .
استطاع القائد التاريخي للأكراد ملا مصطفى البارزاني من توحيد خطاب الشعب الكردي ومن قيادة ثورة ايلول 1961 بتصميم عالي وإرادة قوية وكان ميدانها يمتد عبر فضاء كردستان ، واستطاع ان يوحد كلمة الأكراد وأن يرفع لواء القومية الكردية عالياً ، واصبح في حكم المؤكد ان حقوق شعبه لا تُمنح وإنما تؤخذ بالقوة . لكن تبقى المصالح تغيّب الأخلاقيات فتجرف مصالح الشعوب مع التيارات التي لا تؤمن بالمبادئ والأخلاقيات ، وفي هذا الفصل من المسيرة الكردية ايضاً كانت القوى الأقليمية قد تعاقدت فيما بينها للأجهاز على ثورة الشعب الكردي والوقوف بوجه تطلعاته .
لقد اثمرت تلك الأرادة والتضحيات والأعمال والمعارك البطولية عن قيام اقليم كردستان في العراق ، وفي هذه الأقليم ثمة برلمان منتخب وحكومة منتخبة ومؤسسات وعمليات تعمير وبناء ، وفي الأقليم نظام وقانون يسريان على الجميع ، وثمة اتصالات دبلوماسية وتجارية اقليمية ودولية .
وانسجاماً مع مكانة كردستان الدولية وتعاطفاً مع إرادة الشعب الكردي ومع الحقيقة التاريخية فإن الأستاذ مسعود البارزاني رئيس أقليم كردستان صرح لصحيفة أكشام التركية : أنه لن يزور أي بلد ما لم يكن مدعواً بصفة رئيس أقليم كردستان ، وفي حواره مع صحيفة الخليج الأماراتية قال :
لن أزور أية دولة لا تعترف بأقليم كردستان .
إنها الحتمية التاريخية فلكل مرحلة تاريخية في حياة الشعوب لها دلالاتها وحتمياتها تقررها الظروف الموضوعية للشعب والأوضاع الأقليمية والدولية المحيطة . إن أقليم كردستان اليوم فيه من العناصر المفاهيمية التي تكمل بعضها البعض والتي تساعد على صياغة النموذج الواقعي للدولة والتي يأتي في مقدمتها ، استتباب الأمن والسيادة والمصلحة القومية ، والقوة اللازمة لحفظ الكيان من الغزو الخارجي ، والحفاظ على الأستقرار والأمن في الداخل .
إن الحقوق المدنية والسياسية للشعوب تقرها المادة ( 1) من العهد الصادر من عن الجمعية العامة للأم المتحدة والذي ينص
1 ـ لكافة الشعوب الحق في تقرير المصير ، ولها استناداً الى هذا الحق ، ان تقرر بحرية كيانها السياسي وأن تواصل بحرية نموها الأقتصادي والأجتماعي والثقافي ..
إن الأكراد لهم حق تأسيس دولة اسوة بباقي الشعوب ومنها الشعوب العربية ولهم الحق في اختيار نمط الحكم الذي يختاروه إن كان شكل الأتحاد الفيدرالي الأختياري او تأسيس دولة كردية مستقلة ” إن كانت الظروف الأقليمية والدولية تسمح بذلك ” .
إن المستجدات السياسية بعد سقوط النظام في نيسان 2003 وضعت اقليم كردستان في دائرة الفيدرالية ، وأثبت هذا الأقليم الكفاءة والأمكانات المتطورة في إبعاد شبح الفوضى والأرهاب عن الأقليم والشروع في بناء مؤسساتي على نطاق الأقليم وبناء جسور العلاقات مع مختلف المؤسسات والمنظمات الأقليمية والدولية إضافة الى بناء علاقات تجارية وسياسية مع مختلف الدول . ومن حق الشعب الكردي ان يبني علاقات ندية ومتكافئة مع مختلف الدول والشعوب وهو يعيش ضمن عراق فيدرالي .
إن الراصد للمشهد السائد في فيدرالية أقليم كردستان يلاحظ وجود أكثرية كردية ولكنه يلمس غياب الطابع الديني او القومي او المذهبي . فأقليم كردستان منطقة جغرافية يتآخى فيها السني والشيعي والعربي والكردي والكلداني والسرياني والأرمني والشبكي والتركماني والآثوري والمسيحي والمسلم والصابئي المندائي واليزيدي .
إن هذه الأطياف الجميلة مجتمعة تشكل النسيج الأجتماعي لأقليم كردستان والذي يرأسـه :
الرئيـس مسـعود البـارزاني .
حبيب تومي / اوسلو