الرئيسية » مقالات » تشي جيفارا . . الأسطورة الحية !

تشي جيفارا . . الأسطورة الحية !

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية االأربعون لأستشهاد المناضل الأرجنتيني والقائد الأممي البارز
” ارنستو تشي جيفارا ” ، اثناء قيادته مفرزة للأنصار في جبال بوليفيا، بعد ان تصدّت للمفرزة كتيبتان من القوات الخاصة العائدة للحكم العسكري الدكتاتوري البوليفي الحاكم آنذاك، وفرضت على المفرزة الصغيرة معركة غير متكافئة قاومت فيها حتى الرمق الأخير . . حيث نفّذ حكم الأعدام بالقائد الأنصاري بعد ان اسر جريحاً، بعد صمود اسطوري هزّ القارة اللاتينية والعالم آنذاك .
ويرى مؤرخون سياسيون واجتماعيون ان ” الجيفارية ” ( كفكرة لحرب الأنصار وللبؤر الثورية ) كانت سبباً ونتيجة هامة لـ . . حركة التجديد الستينية التي اجتاحت حركات التغيير والتحرر والثورة والأصلاح في عالم عقد الستينات من القرن الماضي، والتي كانت صرخة هائلة لتحسين بُنى وسائل التغيير . . عبّرعنها صعود الحركات الطلابية وفعاليات المثقفين وشرائح تقدمية من البرجوازية . . التي عبّرت باضراباتها واحتجاجاتها ونشاطاتها التي عمّت اوروبا الغربية وخاصة في فرنسا والمانيا الغربية، لتؤكّد دورها الهام كتفاً لكتف مع احزاب الطبقة العاملة وحركاتها المطلبية، في الثورة الأجتماعية.

وشكّلت النذير الأول الذي حذّر من عواقب الجمود والأنغلاق الذي بدأت ملامحه تظهر في العالم الأشتراكي القائم مذذاك، والذي ظهر في حركة الأصلاحات التي عبّرت عنها فعاليات ربيع براغ عام 1968 ، اضافة الى ابرازها لمخاطر الروح العدمية واللاأبالية كما في حركات الهيبيز . . وابرزت الأهمية الكبرى لأستيعاب تنوع الفكر الأشتراكي واليساري، وللسير على طريق يحقق قدرته الهائلة ان اتحد وتكاتف على تحقيق اهداف ملموسة كبرى على طريق الرفاه والسلم والتقدم الأجتماعي والحضاري، اضافة الى ظهور تيارات فكرية انتصرت لقضية الأنسان ولقضية الفرد في المجموع، كتيار الوجودية ورائداهما ” روجيه غارودي” و” فرانسواز ساغان”، اضافة الى تيار ” اللامنتمي ” وبروز ادوار فاعلة مؤثرة لشخصيات مستقلة كـ ” برتراند راسل “، اضافة الى تيارات كثيرة التنوع والتعقيد لليسار، ومفاهيم غاية التنوع عن يسار جديد، دُعي اليها لأسباب متعددة لم تكن كلّها بسبب اجتهادات فكرية، بعد ان تداخلت في عدد منها ارادات كثيرة لم تخلُ من تضاد او منافسة او محاولات الغاء .
في ظروف اتسمت بتزايد ضحايا رأس المال وتزايد تمركز الأحتكارات، وشمولها لأوساط تزايدت اتساعاً، لم تقتصر على العمال وانما شملت اوساطاً كادحة وفقيرة اوسع واخرى ازدادت فقرا من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة في المدينة والريف، وشملت اوساطاً واسعة من رجال الدين . . واتسمت بتزايد ضحايا سياسة اشعال الحروب الأمبريالية، كالحرب الكورية والصراع العربي ـ الأسرائيلي وقضية الشعب الفلسطيني العادلة وحروب القارة الأفريقية . . الى تصاعد الضحايا وتصاعد السخط على الحرب الفيتنامية، وتزايد منظمات داعمي رافضي الحرب والفاريّن العسكريين منها في عموم اوروبا بشكل خاص .
وفي ظروف ادّت الى تزايد دور حركات التحرر الوطني في العملية الثورية العالمية من جهة، وظهور و بروز دور كتلة ” دول عدم الأنحياز ” في النضال ضد الأحتكارات والحروب وضد سياسات الغزو الأمبريالي، بزعمائها ناصر، تيتو، نهرو، سوكارنو اضافة الى هوشي منه وكاسترو، والى انخراط اوساط اوسع من الشبيبة في النضال ضد الأمبريالية والحروب اللصوصية، شملت اوساط الشبيبة من ابناء الطبقات الغنية اضافة الى المتدينة وخاصة المسيحية في اميركا اللاتينية، والمسلمة والبوذية في شرق آسيا وجنوبها وفي المنطقة العربية . .
بعد ان اثبتت الحركات النضالية التقدمية المتنوعة التي منها حركات التحرير الشعبية والكفاح المسلح في العالم النامي، قدرتها على تحقيق مطالب الطبقات والفئات الفقيرة في صراعها مع قوى الثروة والمال والرأسمال والحرب والقهر الأجتماعي، وفق طريقها الوطني الخاص بها، بالأهتداء بالفكر التقدمي العلمي المتفتح وليس بالأنغلاق والجمود عليه .
لقد عرفت القارة الأميركية اللاتينية الصراعات من اجل الأصلاح والتنمية والعدالة الأجتماعية، في خضم صراعاتها ضد انظمة الرق والعبودية والهيمنة الأسبانية البرتغالية عليها، التي تكللت بانتصار ” الثورة البوليفارية ” (1) قبل اكثر من قرن والتي دعت الى التحرر والأستقلال ومحاربة الأستغلال والجشع والفساد وتحسين قوانين العمل . .
لتواجه مبدأ الرئيس الأميركي ” مونرو ” الذي اعتبر القارة اللاتينية، ” حديقة خلفية للولايات المتحدة ” وقام باسناد القبضات الحديدية والجزم العسكرية للأوليغارشية المحلية، مقابل الصفقات المالية والتجارية العملاقة، بوجود برلمانات وآليات برلمانية، لم تقاطعها الحركة الشعبية بل استفادت منها ومن مشاركتها في الأنتخابات للدعوة لبرامجها والتعبئة لها، ولتحقيقها نجاحات من خلالها . . للمشاركة او لتشكيل حكومات وانجاب زعماء وطنيين، في طريق محفوف بانواع المخاطر، الذي احدث رغم كل الخسائر، وعياً اكبر بحقيقة اللعبة البرلمانية وحقيقة الأوضاع المأساوية التي تعيشها اوسع الأوساط . . في زمن ساده التعتيم على ابسط الحقائق، واضطرها الى فرض اصلاح البرلمانات ومؤسسات الحكم واعادة تأهيلها، امام مخاطر انكشاف حقيقة ادوارها.
في وقت نشأ النظام البرلماني فيه بوقت مبكر، ولاقى تشجيعاً من المؤسسات الستراتيجية للأدارات الأميركية التي انصب اهتمام دوائرها المتنفذة على بناء القوات المسلحة المضمونة الولاء لها، كقوة تصون مصالح شركاتها العملاقة بعد ان لم يعد السكوت عنها ممكنا اثر ظهور طبقة المليارديرية والبارونات من ابناء فئات وعوائل الأوليغارشية المالية العسكرية، امام التزايد المريع لأعداد الملايين الجائعة.
وفيما شقّّت الحركات والقوى التقدمية اللاتينية طريقاً متعرجاً وليس جاهزاً، وظّف فيه السبل المتاحة نحو الأصلاح وتحقيق الرفاه، بانطلاقها من الواقع اللاتيني وتقاليده، وحكمة شعوبه القديمة من الهنود القدماء والإنكا، ومن تقاليد الحركة البوليفارية المستقاة من المبادئ التحررية الأوربية الناشئة قبل حدود القرنين، الداعية الى الأستقلال السياسي والتكامل القاري، ومن الحركة السوداء في هاييتي . . التي اخذت شعبيتها تزداد بين شعوبها، في قارة امتازت بثرواتها : المعدنية والنفطية، الطبيعية، اضافة لكونها سوقاً ومصدراً كبيراً للأيدي العاملة الرخيصة .
حققت الثورة الكوبية المعتمدة على ذات التراث اللاتيني بنهج حركات الأنصار بين الفلاحين في جبال ” السيرامايسترا ” نجاحاً هائلاً بتلاحمها مع نضالات المدن، واسقطت حكم الدكتاتور باتيستا، معلنة قيام اول دولة اشتراكية في نصف الكرة الغربي، بقيادة الرئيس ” فيدل كاسترو” بدعم ساعده الأيمن ” ارنستو تشي جيفارا”، الذي تسلّم مناصب وزير التخطيط وامانة البنك الوطني، والذي لعب بكاريزميته الدور الأكبر في الدعوة الى دعم حكومة الثورة الكوبية، والى توسيع النضال ضد الأمبريالية و ضد انواع القهر الأجتماعي بشعار ” النصر الحتمي لنا “، بزياراته التي قوبلت باستقبالات حاشدة في العديد من دول العالم المتحررة حديثاً، ضمنها بلداننا العربية، حين التقى بالرؤساء ناصر وبن بيلا، اضافة الى لقاءاته بالقادة الوطنيين عبد الفتاح اسماعيل، ابو جهاد، جورج حاوي وغيرهم .
ولابد من الأشارة هنا الى الدور الكبير الذي لعبه تشي جيفارا في تهيئة وانجاح المؤتمر الأول للقارات الثلاث آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية الذي عقد في الجزائر بحضور ابرز قادة الدول المتحررة حديثاً وابرز الزعماء الوطنيين فيها، الذي نجح رغم محاولات الدول الأمبريالية الكبرى لأعاقة عقده وتخريبه التي تسببت باختطاف وتضييع الزعيم الوطني المغربي الكبير ” المهدي بن بركة ” زعيم اتحاد القوات الشعبية المغربي، عضو هيئة رئاسة المؤتمر ممثل القارة الأفريقية .
لقد قرر ارنستو تشي جيفارا ان يترك مكتبه الوزاري المريح، لأسباب متنوعة وصفها قسم لشعوره بان مهمته في كوبا انتهت بانتصار ثورتها وعليه مواصلة الدعوة والعمل لخلق بؤر ثورية جديدة في دول اخرى ـ كما سيأتي ـ ، ووصفها آخر لشعوره بان المسيرة الصائبة للحكم في كوبا لاتسمح بمواصلة زعيمين لها ، فيما وصفها قسم ثالث بأن خلقه الثوري وشعوره العالي بالمسؤولية والحنين لمواصلة الثورة في كل مكان هو الذي دفعه الى تلبية نداء الواجب، الذي بدأه في الكونغو اثر انقلاب العسكري تشومي الذي نفذ حكم الأعدام بالقائد الكونغولي الوطني ” بياتريس لومومبا ” عام 1961 والذي ادىّ الى اشتعال الحرب الأهلية هناك وظهور فصائل الأنصار اليسارية الكونغولية . .
لقد كان دور تشي في الكونغو دوراً اساسياً، شكّل البداية التي فتحت الباب على مصراعيه للدور الكوبي الرائد في تشكيل وتثبيت جمهورية الكونغو برازافيل وجمهوريات افريقية اخرى تحررت حديثاً، ثم في انتصار حركة الأنصار في غينيا بيساو بقيادة المناضل المهندس ” اميركال كابرال ” . . وفق التكتيك بعيد النظر الذي وضعه ” تشي، فانون، كابرال ” الداعي الى تركيز حركة الأنصار هناك على ” ايقاع اكبر الخسائر بالجيش الأستعماري البرتغالي دون الأسراع باعلان الأستقلال ” وعلى ” كسب العسكريين البرتغاليين وتشجيعهم على النضال ضد الحكم الدكتاتوري في البرتغال ذاتها ” . . لأجبار البرتغاليين على الأنسحاب بتأثير خساراتهم الفادحة مرة واحدة من كل مستعمراتهم، غينيا بيساو، انغولا، موزانبيق .
الأمر الذي تحقق فعلاً باتباع ذلك التكتيك وانتشاره، حين اعلن الجيش البرتغالي العصيان على دكتاتورية سالازار واسقط بالتحالف مع نقابات العمال والطلبة والنساء خليفته كايتانو في ثورة القرنفل في نيسان 1974 ، التي ادّت الى انسحاب القوات البرتغالية من القارة الأفريقية والى اعلان استقلال المستعمرات البرتغالية آنفة الذكر كدول متحررة، والتي اكدت من جديد على الدور الهام لنضالات شعوب المحيط على في تغيير تركيب دول المراكز الأحتكارية ذاتها، بعد الدور الكبير الذي لعبه انتصار الثورة الجزائرية وانسحاب قوات الأحتلال الفرنسي منها، الذي شكّل احد الأسباب الهامة في صعود موجة اليسار الستينية فيها كما مرّ.
في ظروف متنوعة متتالية ادى فيها الدور الكوبي بقيادة فيدل كاسترو في افريقيا، الى انسحاب الجيوش الكولونيالية من عموم القارة اثر معاهدة القاهرة عام 1988، والى اطلاق سراح القائد الأفريقي
” نيلسون مانديلا ” وانهاء الحكم العنصري وسياسة الأبارتيد في جمهورية جنوب افريقيا . . في مسيرة شاقة عرقلت مطامع الدول الأمبريالية من جهة وثبتت نهجاً احرج القيادة السوفيتية التي لم تكن مستعدة لأستمرار دعمها للدور الكوبي في افريقيا في عقد الثمانينات . . في اصرار على المواصلة حتى النهاية الظافرة لأنهاء الأنظمة الكولونيالية في القارة ، من جهة اخرى .
ولما كانت المقالة لاتتسع لتفاصيل اكثر عن مآثر ذلك القائد الأممي البارز، لابد من ذكر الأهمية الكبرى التي كشفت عنها وثائق قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي ووثائق القسم الأممي فيها للفترة قبل انحلال الأتحاد السوفيتي ، التي ذكرت القائد جيفارا بكونه احد قادة الحركة الشيوعية العالمية المكلف بمهام وصفتها بكونها من نوع خاص، وانه كان متصلاً مباشرة بقيادة الحزب الشيوعي السوفيتي، اضافة الى مانصت عليه من ذكر الجهود التي بذلها القادة السوفيت آنذاك، لتذليل الصعوبات التي كان يواجهها تشي بالتعامل مع قيادتي الحزب الشيوعي الأرجنتيني والشيوعي البوليفي اللتين كانتا ترفضان التعاون معه آنذاك، لأسباب وصفت باعتبارها نشاطه يهدد بكشف منظماتهما وبالتالي يعرضها الى مخاطر ضربات الدكتاتوريات العسكرية في ظروف غير صالحة لنشاطات انصارية مسلحة، على حد تعبيرهما . اضافة الى جهودهم الى حل مشاكله مع الحزب الشيوعي الأسباني، الذي اعتبرت قائدته ” ايباروري” ان نشاط جيفارا يثير الليبرالية والفوضى، رغم اعتزاز الشيوعيين الأسبان وخاصة الشبيبة منهم بالقائد الأممي جيفارا لدوره الأممي الكبير خاصة وانه من الناطقين بالأسبانية (2).
وفيما يعبّر كثيرون عن الرفض والأسف تجاه محاولات التشبيه بين الثائر الأنساني الأممي جيفارا وبين زعيم منظمة القاعدة الأرهابية من اوساط تقول انها يسارية، فأن اوسع الأوساط تعبّر عن احترامها ووفائها للذكر الخالد للثائر الأرجنتيني الأممي الباسل، القائد الطلابي، الطبيب والنصير، العسكري والأقتصادي البارع ارنستو تشي جيفارا . . الأبن البار لكل الفقراء والمحرومين، الذي يعيش عميقاً في افئدة وتطلعات الشباب رمزاً حيّاً خالداً داعياً الى رفض الظلم والأستغلال في كل مكان !

9 / 10 / 2007 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. نسبة الى الزعيم الثوري ” سيمون بوليفار ” .
2. راجع الوثائق المنشورة في ملف الذكرى الثلاثين لأستشهاد تشي جيفارا عام 1997 وبمناسبة نقل
رفاته الى مثواه الأخير في كوبا، نقلاً عن نوفوستي، المنشورة في صحيفة ” برلينر تسايتونغ ”
الألمانية، في وثائق قنوات : أي أر تي إي بالفرنسية والألمانية ، فوينكس بالألمانية لنفس المناسبة . وفي وثائق والصفحات الألكترونية للقناتين الأخيرتين في مناسبة الذكرى الأربعين لأستشهاده،
الجارية .