الرئيسية » مقالات » اقتصاديات العراق والتنمية المستدامة (7 )

اقتصاديات العراق والتنمية المستدامة (7 )



قدرت حاجة العراق بعد الاحتلال مباشرة وقبل استفحال الاعمال الارهابية والاقتتال الطائفي الى اكثر من 5 ملايين وحدة سكنية ، الا ان الفترة المنصرمة شهدت اهدار الزمن وضياع حق الاجيال بالتمتع بالسكن اللائق. وفق تقرير اعده الجهاز المركزي للاحصاء في وزارة التخطيط والتعاون الانمائي ان 20% من الاسر العراقية تعاني من الحرمان في مجال السكن عام 2007.ان 75% من الدور يسكنها مالكوها لكن 25 % تعرضت للدمار في حقبة مابعد التاسع من نيسان ، لا سيما في المناطق الساخنة من البلاد.وحسب تصريحات بعض المسؤولين في وزارة الاسكان العراقية فان هناك اكثر من 450,000 عائلة بدون سكن في العراق.وانخفصت اجازات البناء من معدلات تجاوزت ال 100 الف عام 1987 الى آلاف قلائل اليوم،حيث تظهر في شوارع المدن الاسر الكاملة المشردة بلا مأوى..وساء الوضع تأزما مع ارتفاع بدلات عقود الايجار الى مئات المرات وعمليات التهجير القسرية ! في الوقت الذي تزداد فيه نسب البناء غير الشرعي وما يرافقها من تجاوزات في توريد الخدمات.


انتعشت تجارة العقارات والبناء في الأردن بشكل مذهل مما جعل الأسعار ترتفع بنسبة اكثر من 50% بجهود المجرمين من سراق المال العراقي في الوقت الذي يتضور فيه الكثيرون من مواطنينا جوعا أو يفتقرون الى أبسط المقومات الحياتية من سكن وملبس ومعيشة. وانتعش الغنى الفاحش أستنادا الى السحت الحرام الذي يمتصه!


تواجه الاستراتيجية السكانية في بلادنا صعوبات جمة تتمحور حول التقادم الانشائي وتآكل المواد الانشائية مع تقدم الزمن وبغياب الادامة والصيانة والتحديث،فوضى التوسع العمراني وظاهرة البناء على السطوح والتقادم العمراني، النمو السكاني الكبير في بلادنا، آثار القادسيات الكارثية والانفاليات الكردستانية والتغييرات الديموغرافية،التغير الديموغرافي نتيجة الاعمال الارهابية والتهجير القسري ،تواصل الهجرة التقليدية من الريف الى المدن طلبا للرزق نتيجة تدهور الزراعة المستمر.لقد ارتفعت اسعار المواد الانشائية عام 2007 الى عشرة اضعاف اسعار عام 2003 بسبب ارتفاع اسعار المشتقات النفطية وارتفاع اجور النقل والوضع الامني المتردي وفوضى الاستيراد وضعف مراقبة تدفق السلع من السوق المحلية وإليها والمراقبة على المنافذ الحدودية الامر الذي ادى الى دخول السلع التي لا تستوفي شروط ومعايير السلامة والنوعية!ودخول السلع التي تنافس المواد الانشائية ذات المنشأ المحلي،وتحول العراق الى بلد للطمر الصناعي.


ساد المدينة العراقية الاغتراب المعماري وضياع الهوية المعمارية الوطنية والقومية ، وفوضى الفضاء الحضري الذي افرغه الحكام من القيم الجمالية وخصوصياتها المعمارية بسبب النمط الواحد في زرع الابنية وانعدام قيم التنوع ، وقطع الطرق العشوائي وغلق الجسور المفاجئ الذي تقوم به القوات الاميركية والحرس الوطني والشرطة اثناء تأديتها الواجبات الموكلة لها ، وفوضى نصب الحواجز امام مداخل المؤسسات الحيوية و مقرات الاحزاب ، وافتراش الاهالي طرق رئيسية اخرى لتغلق ، وتكسرات الطرق وتآكلها وتدني خدمات الطرق واستهتار الدوريات العسكرية المدرعة … الامر الذي ولد و يولد الاستياء الشعبي والازدحام المروري غير المبرر !. تشغل مشاريع الاسكان 20% من قوة العمل العراقية و تكون ثلثي التكوين الرأسمالي للثروة الوطنية في البلاد، وهي تمثل حافزا قويا لكل النشاطات مثل الصناعات الانشائية وغيرها، كما تولد نشاطات تشغيلية غير مباشرة للصناعات الاخرى.


§ الصناعة


وفق اتحاد الصناعات العراقي تسبب الحظر الاقتصادي في إغلاق العديد من المصانع والمعامل والورش التي قدر عددها عام 1990 ب( 59413) وحدة صناعية ليصبح العدد الإجمالي (30) ألف عام 1994 و( 17500) سنة 2002 من ضمنها (1500) منشأة كبيرة يعمل فيها 10 اشخاص فاكثر.. تزامن ذلك مع سياسة الخصخصة الموجهة للقطاع العام والنتائج السلبية المباشرة على مستلزمات وشروط العمل وعرقلة وتخريب الدورة الإنتاجية- الدورة الاقتصادية السلمية. ان نسبة المنشآت الصناعية المتوقفة عن العمل بلغت 90% عام 2003 ،وهي نسبة مرتفعة جدا، بعد عجزها عن تشغيل خطوطها الإنتاجية بسبب مجموعة من العوائق منها الفشل في منافسة أسعار المنتجات المستوردة حين عرضت غالبيتها في الأسواق بأقل من كلف مثيلاتها المحلية، إرهاق مداخيل أصحاب تلك المشاريع بالضرائب المختلفة مقابل الغاء الرسوم الكمركية عن المستوردات الأجنبية.لقد وجدت الصناعة العراقية نفسها بعد الاحتلال امام تدفق هائل لسلع قادمة من الخارج ، تتمتع بميزات تنافسية افضل من السلع المحلية وتباع باسعار ارخص ، الامر الذي ادى الى تهميش وتعطيل الكثير من الصناعات المحلية.الاستيراد التجاري المشوه او سياسة الباب المفتوح للاستيراد .. هدر لثروات شعبنا والهم في ايراد السلع البخسة والرخيصة من مناشئ حديثة تعوزها الدراية والخبرة الصناعية بهدف تحقيق الارباح الطائلة برؤوس الاموال المتواضعة وبكلف نقل يسيرة. 


لازالت الصناعة الاستخراجية تحتل حصة الاسد في الناتج المحلي الإجمالي اذ بلغت 81.7 % سنة 2005 ، وتشمل الصناعة الاستخراجية في بلادنا صناعة استخراج النفط والغاز والكبريت والفوسفات وغيرها من الخامات غير المعدنية!بلغت القيمة المضافة للصناعة الاستخراجية (بالأسعار الجارية)في العراق عام 2005(25.899.5) مليون دولار اي 16% من القيمة المضافة للصناعات الاستخراجية لمجموع الدول العربية. إن العراق يعتبر البلد الوحيد خارج الولايات المتحدة وروسيا الذي فيه جميع المواد الأولية لصناعة الأسمدة الكيمياوية إذ يحوي الخامـات الفوسفـاتية بإحتياطي يعادل (3500) مليون طن بنوعية متوسطة، والكبريت الحر بإحتياطي يتجاوز الـ (150) مليون طن بالإضافة لما ينتج من الكبريت في الصناعة النفطية، وفيه الغاز الطبيعي والنفط كأكبر إحتياطي في العالم، بالإضافة إلى إمتلاكه حصة في شركة البوتاس العربية في الأردن لإنتاج البوتاس، وكان من المفروض أن يكون أكبر مصدر للإسمدة الكيمياوية في العالم في أوائل التسعينات لولا سياسة صدام الرعناء.


كانت القيمة السوقية للشركات الداخلة في السوق المالية العراقية (البورصة) في سنوات الحصار وحتى تأريخ غلق السوق المالية قبل الحرب مباشرة، متدنية جدا مقارنة بقيمتها الفعلية .. واليوم لازالت هذه القيمة متدنية تصل الى العشر كما هو الحال لشركات الصناعـات الكيمياويـة والبلاستيكية و الألكترونية والخفيفة والأصباغ والهـلال والدراجات ، وتصل الى الخمس احيانا كما هو الحال لشركات الخياطة والكحولية . إن القيمة السوقية لجميع معامل القطاع الصناعي الموجودة في البورصة لا تتجاوز الـ (150) مليون دولار، وهو مبلغ تافه جدا لأي مستثمر أجنبي يريد الدخول إلى هذه السوق. إن تسهيل دخول الرأسمال الأجنبي يجب أن يكون في المشاريع الجديدة وليس لشراء أصول موجودة أصلا ،وهناك مشاريع عديدة وتقدر بالمئات من الممكن الدخول بها إلى العراق.


بعد قرار تعديل عقود تأسيس الشركات سجلت دائرة تسجيل الشركات في وزارة التجارة 299 شركة عراقية خلال تموز 2007 ، 289 شركة محدودة و8 شركات مشروع فردي وشركتين مساهمتين ..ودققت الدائرة معلومات اكثر من 500 شركة مسجلة لديها قبل التاسع من نيسان 2003 وتم اعتماد اضبارات بديلة لها وتدقيق حساباتها .. واحالت 14 شركة عراقية الى المحقق العدلي في الدائرة لمخالفتها احكام قانون الشركات.


هناك 192 منشآة مملوكة للدولة مجموع عامليها نصف مليون عامل ، إلا أن أغلبها غير مجدية إقتصاديا وفق خطة التنمية الإستراتيجية التي أعدتها وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي للسنوات الثلاث المقبلة.. معظمها تعرض للسلب والنهب والتدمير وبات دعم مثل هذه المشاريع يشكل عبئا على الميزانية يقدر بـ (900) مليون دولار..من هذه المنشآت 65 شركة عامة في المجال الصناعي الهندسي والانشائي والغذائي والنسيجي والكيميائي والاستخراجي .لكن الخطة أرجعت هذه الأرقام والمؤشرات الخطيرة إلى ما اسمته “عقود العزلة الطويلة التي فرضها النظام السابق،وتسببت في إتساع الهوة بين العراق والعالم الخارجي.. واشارت خطة التنمية الإستراتيجية المستقبلية في العراق أنه تم إنشاء أكثر من (2300) مشروع ضمن حملة الإعمار ،إشتغل فيها أكثر من (1.550) مليون مواطن.بدأت حملة الإعمار بداية بطيئة سنة ( 2003 – 2004 ) بنحو 200 مشروع فقط لإعادة الإعمار،وبعد مرور سنة.. كان هناك أكثر من 2500 مشروع بكلفة 5.7 مليار دولار تحت الإنجاز ،ومنذ شهر حزيران يونيو 2004.. كان هناك أكثر من 2300 مشروع أنجز بالفعل، وإشتغل فيها أكثر من 1.550 مليون مواطن عراقي.


يرجع الخبراء الاقتصاديين في بلادنا المعوقات الصناعية عام 2007 وانحسار مساهمة القطاع الصناعي في اجمالي الدخل الوطني الى عدم وجود خطة لتنمية القطاع الصناعي ، الوضع الامني الخطير ، عدم توفر البنى التحتية لسد احتياجات الصناعة، التعرض للنهب والاتلاف ، تكليف العناصر غير الكفوءة لأدارة القطاعات الاقتصادية ، سرطنة الروتين والبرقرطة ، الفساد الاقتصادي والمالي والاداري ، القوانين والمراسيم والانظمة السائدة البالية ، التضخم ،الاستيراد المنفلت وفقدان الرقابة النوعية. لقد انخفضت مساهمة القطاع الصناعي في اجمالي الناتج المحلي الى (1- 2)% عام 2007 ، رغم توزيع وزارة الصناعة العراقية قروضا صغيرة بقيمة اجمالية قدرها 20 مليار دينار على 1600 معمل لتوفير 17000 فرصة عمل!،وتستهدف وزارة الصناعة العراقية عبر مشروع القروض الصغيرة اقامة 100000 مشروع لامتصاص اعداد العاطلين .


تناقصت مساهمة الزراعة في اجمالي الناتج المحلي عام 2005 وتدهور القطاع الصناعي وكذلك قطاع الكهرباء بسبب تدهور الامني .لقد احالت وزارة الصناعة العراقية 19 مشروعا لصناعة الاسمنت و58 مشروعا لصناعة الطابوق ومشروعين لصناعة الجص الى القطاع الخاص ، ومن المزمع ان تطرح الوزارة للاستثمار قريبا مصانع حيوية هامة منها الشركة العامة للزجاج والسيراميك في الانبار وشركة البتروكيمياويات في البصرة والشركة العامة للحديد والصلب في البصرة ومعمل الورق في ميسان.. وتتراوح مدد الاستثمارات بين 10 و 20 عاما.


جدول يبين دور القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الاجمالي عام 2005


























































العام


الزراعة والغابات والصيد


التعدين والتصنيع



الصناعة



التشييد والبناء


الكهرباء والماء



النقل والمواصلات



البنوك والتأمين



تجارة الجملة والمفرد


ملكية دور السكن


الخدمات الاجتماعية



المجموع


1988


13.8


17.7


12.8


7.4


1.5


6.3


6.3


12.2


3.3


18.4


100


2004


7.3


62.9


1.6


2.9


0.5


7.6


1.4


6.3


0.7


10.7


100


2005


7.1


63.2


1.5


0.9


0.4


7.4


1.3


6.3


0.4


11.8


100


§ الصيرفة


بلغ عدد المصارف الاهلية اواسط عام 2001 حوالي 20 مصرفا تقل رؤوس اموال اغلبها عن مليار دولار واحد باستثناء اثنين منها ! وبلغت نسبة الودائع لديها بحدود 6% من اجمالي رصيد الودائع لدى الجهاز المصرفي في وقت بلغ الائتمان النقدي من قبلها نسبة 20% من اجمالي رصيد الائتمان . وبعد سقوط الدكتاتورية بلغ عدد المصارف الاهلية 27 مصرفا يقابلها 7 مصارف مملوكة للدولة تجارية ومتخصصة ، ونشأت هذه المصارف نتيجة السياسات الائتمانية الهادفة للربح فقط والخاضعة للمؤثرات عير المهنية ، وتوسعت اعمال المضاربة على غرار شركات الاموال الوهمية ولكن تحت طائلة القانون هذه المرة! لا يوجد الزام حكومي على المصارف الالتزام بمعايير العمل المالي والمصرفي الدولي، مثل معايير بازل 2 والمعايير المحاسبية الدولية، ومعايير مكافحة تبييض الأموال وتمويل “الإرهاب”.


يشهد العراق مسلسلات عمليات السطو المسلح على المصارف العراقية الحكومية والاهلية وعمليات سرقة ناقلات الاموال من البنك المركزي الى المصارف بهدف اجبار اصحاب رؤوس الاموال العراقية تحويلها الى دول الجوار واستثمارها في بورصات الاوراق المالية واعمال البناء والعقارات خارج العراق،وبالتالي انخفاض تداول الاسهم المالية في بلادنا. في سوق العراق للاوراق المالية تواجدت عام 2007 (93) شركة مساهمة ولازالت حصة القطاع المصرفي من المجموع الكلي لعدد الاسهم المتداولة والمجموع الكلي لحجم التداول هي الاكبر اذ تستقر بحدود 80% تقريبا للمؤشرين!.


تأسست الشركة العراقية للقروض عام 2006 باتفاق 11 مصرفا عراقيا، وبدعم مباشر من قبل البنك المركزي العراقي والوكالة الاميركية للتنمية، وبهدف توفير السيولة المالية للراغبين بانشاء مشاريع صغيرة . وتعد هذه الشركة مكملة للشركة العراقية للكفالات المصرفية التي اعلن عن تأسيسها في وقت مماثل بهدف تعزيز حصول المشاريع الصغيرة والمتوسطة المؤهلة والمؤسسات الجزئية في العراق على القروض من المصارف الخاصة، اضافة الى دعم استخدام الممارسات الحديثة للائتمان والمعايير المصرفية الدولية في منح القروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.


§ الفساد


يتجاوز حجم الفساد في العراق اليوم اكثر من 10 % من اجمالي الناتج الوطني العراقي ، بعد ان تراجعت مؤشرات المحاسبة،الإستقرار السياسي ، فعالية الحكومة ، الجودة النظامية ، سيادة القانون والسيطرة على الفساد خلال الفترة 1996- 2007 لتصل الى المعدلات الدنيا في السلم العالمي ،وتكشف الاحصائيات عن تردٍ خطير وتراجع أخطر في فعالية أداء الحكومات المتعاقبة رغم انهيار الدكتاتورية البعثية في 9/4/2003 . وبات الفساد اليوم وباء مستشريا ينخر في جوانب المجتمع كافة وبشكل خاص في مؤسسات الدولة ودوائرها كما تؤكد مفوضية النزاهة في العراق ان نسبته في الحكومة العراقية بلغت 80% وفق تقارير وتصنيفات هيئة الشفافية الدولية والتي اكدت احتلال العراق المرتبة الاولى عالميا الى جانب الصومال وميانمار في مؤشر الفساد وفق الدليل السنوي لعام 2007 .. وساعدت اجراءات سلطة الاحتلال وسياساتها في ان يتخذ الفساد هذه المديّات الخطيرة بحكم تدفق الأموال من دون إجراءات صرف وفق الأصول، وعدم وجود نظام بسيط لحصر ما تم العثور عليه في الوزارات والمصالح الحكومية بعد انهيار نظام صدام حسين، إضافة إلى ميراث العراق من الفساد، بسبب طبيعة النظام السابق والسياسات المعتمدة أنذاك، وكذلك ضغوطات نادي باريس والثالوث الرأسمالي العولمياتي (منظمة التجارة الدولية (WTO) وصندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي(WB)) ، من ضرورة دفع العراق سريعا على طريق اقتصاد السوق المنفلت عبر إزالة الضوابط وحجب الصلاحيات عن مؤسسات الدولة وفتح الاقتصاد العراقي على مصراعيه وتهيئة الأجواء للخصخصة الواسعة بدون اية ضوابط مما يفتح المجال ويخلق الشروط لاتساع ظاهرة الفساد.


تنوعت اصناف المرتشين ليصيب الغلاء الرشوة قبل ان يصيب الاسعار ،وانتشرت المفاتيح – المناصب السرية غير المدونة داخل المؤسساتية الحكومية والاهلية اي الوسطاء لكبار المرتشين الذين لا تسمح هيبتهم الوظيفية بالقبض مباشرة من الراشي!وتنوعت اساليب غسيل الاموال ” الايداع والتحويل ،الصفقات النقدية ،اعادة الاقراض ، الفواتير المزورة ، النقود البلاستيكية ، استبدال الاوراق النقدية الصغيرة بأخرى كبيرة او بصكوك مصرفية ،شراء الاصول الثابتة كالعقارات والاراضي الزراعية والذهب ،ايداع المبالغ في الحسابات السرية في البنوك عبر الوسطاء… التهرب الضريبي … الفساد الاداري .. الفساد الانتخابي .. “.


كانت هيئة الشفافية الدولية قد حذرت في تقريرها الصادر يوم 16/3/2005 من ان عملية اعادة اعمار العراق يمكن ان تتحول الى اكبر فضيحة فساد في التاريخ الحديث. لقد بلغت كلفة الحرب حتى اواسط تموز 2007 (444) مليار دولار ، وكلفة الفساد المالي والاداري زادت على 80 مليار دولار..حيث تمثل الوزارات الامنية المرتبة الاولى في ممارسة الفساد تليها الوزارات الخدمية ، وحيث توجه اتهامات بتورط مسؤولين كبار في فضائح الفساد ، وتوجه تهديدات الى كاشفي الفضائح!. شكل البيت الابيض لجنة خاصة للتحقيق مع ستيوارت بوين ، المفتش الاميركي الخاص بمشاريع اعادة الاعمار ،الذي اكدت لجنته ان قسما كبيرا من مشاريع اعادة الاعمار التي تفوق قيمتها 37 مليار دولار مهدد بالفشل بسبب انعدام الصيانة وضعف الانشاءات واستخدام التصاميم ومواد البناء غير المناسبة.احال مكتب مراجعة حسابات اعادة البناء في العراقوالذي بدأ اعماله في آذار 2004 (25)قضية جنائية الى وزارة العمل الاميركية ومنهن 4 تم توجيه الاتهامات فيها، ومن ضمن ماوجده المكتب فقدان 14000 قطعة سلاح كانت مخصصة لاستعمالات الجيش العراقي.ضرب الفساد أكثر الميادين الاقتصادية في العراق وهو قطاع النفط وتقدر مجمل الخسائر التي تسبب فيها بنحو 18 مليار دولار.ان كثيرا من المشاكل التي تواجه مشاريع اعادة الاعمار غير مرتبطة بعمليات التخريب التي يقوم بها الارهابيون.لقد تحولت عملية اعادة الاعمار الى سلسلة من الاخطاء المتعاقبة الفادحة فضلا عما نحن مقبلون عليه من عمليات نهب اجنبي كبرى في مجالات النفط والاستثمار ، مترافقة مع ضغوطات صندوق النقد الدولي.


تؤكد هيئة النزاهة ان عدد القضايا التي صدرت فيها الاحكام لا يتناسب مع عدد القضايا المحالة من قبل الهيئة الى القضاء العراقي ، ومنذ حزيران 2004 وحتى يومنا هذا بلغ عدد القضايا التي تم احالتها 3000 قضية وما صدر الحكم فيها 200 قضية فقط اي بنسبة 6.7% ، وهناك قضايا حكم فيها بالافراج او الغلق واعداد هذه القضايا كبير بالمئات ، وقد تم محاكمة وزراء ومدراء عامين ووكلاء وزراء وموظفين اعتياديين .ووقفت المادة 136 من قانون اصول المحاكمات الجنائية والتي تشترط موافقة الوزير المعني على احالة المتهم الى المحكمة .. وقفت عقبة امام سير الدعاوى بسبب عدم موافقة الكثير من الوزراء الامر الذي اغلق الدعاوى ، والمبالغ التي اغلقت الدعاوى فيها بلغت اكثر من 70 مليار دينار عراقي . وحملت هيئة النزاهة بشخص رئيسها السابق راضي الراضي في شهادته امام مجلس النواب الاميركي رئيس الحكومة الحالية السيد نوري المالكي مسؤولية حماية الفساد في اجهزة الدولة عير حماية اقاربه وحلفاءه السياسيين ضمن تحقيقات كانت تطولهم مما أدى إلى خسارة البلاد مليارات الدولارات ،والسماح لوزراءه بحماية موظفيهم- في الوقت الذي يؤكد فيه مسؤولو العهد الحالي ،ومن بينهم المالكي نفسه مرارا وتكرارا ، ان المسلحين والفساد ينخران جسد الدولة العراقية. ووفق احد تقارير منظمة الشفافية الدولية صدر مؤخرا ان عدد من المسؤولين في مستويات مختلفة يمارسون النهب المنظم للدولة وثرواتها ليتكامل مع اقدام المحتلين على تبديد مليارات الدولارات من الاموال العراقية.


يبلغ متوسط حجم غسيل الاموال عالميا (10)% من قيمة التجارة العالمية !…. في الوقت الذي يتراوح فيه فيه حجم عمليات غسيل الاموال مابين (2- 5 )% من اجمالي الناتج الاجمالي المحلي في الاقتصاديات الوطنية الراسخة ! .. وفي بلادنا تبلغ اليوم ال 25 %. لقد تمكن اغنياء البلاد والدوائر المحيطة بالنخب الحاكمة ان يهربوا اموالهم الى خارج البلاد .. وازدادت جنايات تهريب النقد من العراق اضعافا مضاعفة عن اعوام العقود المنصرمة! كما ازدادت جنايات تهريب القطع الاثرية والدعارة رغم ادعاءات التبرقع بالدين !… وتفيد المعلومات المتوفرة لدى هيئة النزاهة وجود 150000 شهادة مزورة اليوم في العراق اصحابها حصلوا على وظائف مختلفة في دوائر ووزارات الدولة، بينما اكد المفتش العام في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي انه تم اكتشاف 905 حالة تزوير في الوثائق المدرسية تم ابلاغ هيئة النزاهة العامة عنها.


ارتفعت جنايات المخدرات حيث يشرف على التجارة بها متنفذون من الدوائر الحاكمة بالتنسيق مع ايران ! ان وجود العراق بين البلدان المنتجة والزارعة والمصدرة لجميع انواع المخدرات جعل منه ساحة ومحطة عبور ترانسيت لهذه المواد المخدرة ، وقد تنامى وتزايد عدد المتعاطين بالمنشطات والمنبهات قبل المخدرات …. وبالمخدرات وفق تقارير وزارة الصحة العراقية تنامى التعاطي من 7000 حالة ادمان عام 2004 الى 24000 حالة ادمان عام 2005 اي بنسبة تعادل 3 اضعاف ، وتتنوع المخدرات المتوفرة في متناول الشباب من المهدئات او مايسمى بالكبسلة كالوردي والسمائي وابو الحاجب والعقاقير المهلوسة والمنومات مثل الباربيتيولت واتيفان والفاليوم وحقن البثدين واحراق القناني البلاستيكية والمواد اللاصقة كالسيكوتين التي تبعث الغازات المخدرة .. واستنشاق البنزين وشرب الكولونيا ! …الى المخدرات الاقوى التي تسوقها العصابات المتخصصة كالهرويين والمورفين والكوكائين والافيون والحشيشة. ينتعش اللجوء المتزايد للشبيبة الى المخدرات هروبا من الواقع الاجتماعي والاقتصادي السئ وحالات الاحباط واليأس وبسبب سهولة الحصول على المخدرات التي تاجرت بها عصابات النظام البائد ومافياته وتتاجر بها اليوم العصابات الايرانية والقاعدة..غسيل الاموال الناتجة عن المخدرات جريمة منظمة عابرة للحدود ومشكلة عالمية ! .


يتجاوز عدد منظمات المجتمع المدني في بلادنا عام 2007 (7000) منظمة لا يعرف المواطن العراقي عنها الا النزر القليل ، وقسما منها متخصصة بالنصب والاحتيال والمتاجرة بدماء ودموع وآلام العراقيين . تعد مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية السلطة الخامسة بعد السلطات الثلاثةالتشريعية، التنفيذية، القضائية وسلطة الصحافة الموسومة بالسلطة الرابعة وهي تقوم على فكرة مفادها أن المجتمعات بحاجة إلى مؤسسات مستقلة بعيدة عن سلطة الحكومة،وهذه المؤسسات المستقلة عن سلطة الدولة والسوق والتي تعنى بحقوق الإنسان وشؤون المجتمع المدني الأخرى والمنظمات الخيرية وغيرها ،هي المؤسسات التي نصطلح عليها اليوم بمؤسسات المجتمع المدني. أهم سمات النظام الشمولي هو إفراغ منظمات المجتمع المدني من محتواها الأساسي المتمثل بالدفاع عن أعضائها، لتتحول إلى مؤسسات تدافع عن السلطات العليا حتى لو كان ذلك على حساب أعضائها، وذلك وفق “مفهوم النقابية” الذي ينافي مفهوم عمل النقابة الحرة التي تعمل من حيث الأساس على الدفاع عن مصالح أعضائها وليس السلطة أو الحزب الحاكم او الائتلاف الحاكم او الكارتيل الاحتكاري السائد.


اصبح العمل في اكثر من وظيفة منتشرا في اغلب الوزارات مادام تزوير المستمسكات سهلا و رخيصا و دون عقاب.التزوير فساد مع سبق الاصرار ، تفاقمت حالاته حتى غدت ظاهرة ادت الى تغيير الآلاف من مواقع الاشخاص.. فالامي صار ضابطا في الجيش او الشرطة وحامل الشهادة الجامعية او الثانوية يبحث عن وظيفة!.التسول ، هو ايضا فساد مع سبق الاصرار بعد ان باتت تجارة التسول رائجة في بغداد والمدن العراقية ، وتدير العصابات – الشبكات المتخصصة شؤون المتسولين بمختلف اعمارهم!.


كشف تقرير احصائي صادر عن دائرة مراقبة الشركات الاردنية عن تصدر المستثمرين العراقيين قائمة الاستثمارات في الشركات الاردنية المسجلة في دائرة مراقبة الشركات منذ بداية عام 2006 حيث بلغت 8.307 مليار دينار اردني بعد ان كان 7.907 مليار دينار اردني في عام 2005 ما ادى الى تراجع الشركات الكويتية والاماراتية. ان القسم الاكبر من هذه الاموال هو مال مسروق تم تبييضه عن طريق سرقة المال العام في زمن الدكتاتورية.بينما يتجلى الفساد الاداري والحكومي في استحواذ هذا الطرف او ذاك على المناصب الحكومية، والفساد الواضح في عمليات التوظيف، ولم يعد سرا دفع الرشاوى الكبيرة نظير التعيين في دوائر الدولة. كما مورست الطائفية للتضييق على الكفاءات وإبعادها من مواقعها الوظيفية، واستخدمت في ذلك أبشع أشكال العزل والإقصاء، مما خلف تداعيات خطيرة ليس بخسارة الكفاءات فحسب بل بإضعاف روح المواطنة والانتماء للوطن. الممارسات الطائفية المقيتة، وزرع النعرات والفتن لا يمكن أن تكون مبررا لتمرير تشريعات تؤكد المحاصصة والانقسام، وكأن العراق تركة وغنائم جيش مهزوم.


اصبحت عائلات كثيرة ثرية جدا ليس بسبب استغلالها لوسائل الانتاج وتطويرها لتلك الوسائل بل لانهم خدموا في القصور الملكية سابقا والجمهورية لاحقا ، وبسبب انهم من كبار رجال البلاط والدولة وحاشية قادتها وكبار رجال ضباط الجيش العراقي ومن كبار رجال الامن والمخابرات ومن بعض شيوخ العشائر الذين وهبتهم الحكومات العراقية الكثير من الاراضي الزراعية ليوالوها، بينما تتعامل الراسمالية الجديدة مع الانشطة الطفيلية وخاصة التجارة وتهريب المحروقات وغيرها وتمارس قطاعات عريضة منها الفساد والافساد، وتنظر الى العراق باعتباره حقلا لاعمال المضاربة، تنشر فيه اقتصاد الصفقات والعمولات، وتقيم مجتمع الرشاوي والارتزاق، وتدمر منظومة القيم الاجتماعية. لثقافة الفساد ابعد الاثر على عملية الاعمار ، وذلك عبر الاستيلاء غير المشروع على اموال كان الواجب تخصيصها لاعمار البلاد ، وبالتالي تكون الموارد البشرية في بلادنا هي الخاسر الاكبر في هذه العملية.ولنضيع في دوامة فساد الاعمار ام اعمار الفساد .. فالفساد في الادارات الرسمية والمؤسسات الخاصة يلغي المنافسة المشروعة، ويزيد من اسعار كلف المـــشاريع والتجهيزات، ويبعد الكفاءات المهنية من سوق العمل والتنافس.. ويعرقل خلق المجتمع المتكامل، الذي لمواطنيه حقوق في العمل وفرص متكافئة للابداع في مناخ ديموقراطي وحر، وعليهم واجبات يمليها عليهم شرف الانتماء والمواطنة.


§ الفقر والبطالة


تزداد الفجوة في بنية الاقتصاد العراقي بين التوسع في الأنشـــطة المالية والتجارية من ناحية، والركود في مجال الأنشـــطة الإنتاجية والتصديرية، من ناحية أخرى. وأنعكس ذلك بدوره على مستوى توزيع الدخول والثروات، ليزداد الفقراء فقرا، نتيجة ضعف فرص التوظيف المنتج وخفض مستويات الدخل والادخار للغالبية العـظمى من السكان وليزداد ثراء ورفاهية الطبقة المرتبطة بأنشطة التجارة والمقاولات والمضاربات العقارية ، والخدمات المالية والوكالات التجارية والحصرية والأنشطة الفندقية واقتصاد الصفقاتالسمسرة في الصفقات وعقود التوريد – ( الكومبرادور ) والتهريب ، والمرتبطة بالرأسمال التجاري والمضارب ذي الطابع الطفيلي المرتبط بوشائج مختلفة بالرأسمال الاجنبي وهي تقبع على قمة توزيع الدخول والثروات في بلادنا ، وليقذف التهميش بالاحياء الكاملة خارج اطار المدن . وتكافح الطبقة المتوسطة للحفاظ على مستوى معيشي محترم والتمتع بالحد الأدنى من الحياة الكريمة، بينما تستجد ظاهرة الاستقطاب الحاد بين الأغنياء والفقراء لأن الفقر المدقع هو الوجه الآخر للعملة، أي الثراء الفاحش.


العراق السابح فوق بحيرات النفط والمفتون بالثورة والمشاكسة والتائه بين بساتين النخيل والغابات والمتعمد بنهري دجلة والفرات وشط العرب يتحول الى اكثر بلدان الخليج والبلدان العربية فقرا و بؤسا .. احزمة الفقر تطوق مدنه ، انقاض وخرائب و وجوه كالحة ذائبة.انتقل العراق من رابع أسوء دولة في العالم عام 2006 الى ثاني أسوء دولة في العالم عام 2007 من حيث عدم الاستقرار والفقر ، ولا يسبقه اليوم بحسب دراسة مؤسسة ” فايلد ستايتس اندكس”سوى السودان ويتقدم على الصومال والتشاد وزيمبابوي. واشارت نتائج المسح الاجتماعي الذي اجراه الجهاز المركزي للاحصاء التابع لوزارة التخطيط والتعاون الإنمائي الى ان اكثر من 9 ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر..حيث تبلغ نسبة الفقر في بلادنا 35% من اجمالي عدد السكان بينما يعيش 5% من ابناء الشعب في فقر مدقع!،وان حوالي مليوني عائلة تعيش دون مستوى خط الفقر وفق الاسس التي تحددت بدولار للفرد الواحد على أساس  تعادل القوة الشرائية لعام 1985!، وحسب وكالات الامم المتحدة فان النسبة المئوية للعراقيين الذين يعيشون بأقل من دولار امريكي واحد / اليوم يتجاوز ال 54% من المواطنين . وبينت المؤشرات ان متوسط دخل العائلة الشهري في العراق لم يتجاوز 613.96 دينار مما يعني ان العوائل تعيش وضعا اقتصاديا مترديا .


انخفض متوسط دخل الفرد من 29659.6 دينار سنة 1980 الى 14067.7 دينار سنة 2003 بالاسعار الثابتة لسنة 1993 وبمعدل تدهور مركب  بلغ 3.19%.وقدرت وزارة التخطيط نسبة البطالة المطلقة ب(30.2%)  بين الذكور و(16%) بين الاناث، وبشكل اجمالي بلغت(28.1%) سنة 2003 في بغداد والمحافظات،ولم يطرأ تغييرا ملموسا على هذه المعدلات حتى عام 2007.ان نسبة عمالة الاطفال قد تجاوز 7% عبلا استخدام الاطفال دون سن الخامسة عشرة في العمالة الرخيصة … لقد كشفت احصائية اعدتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 2007 ان نسبة الذكور في عدد العاطلين عن العمل قياسا للنساء بلغت 90% وتجاوز عدد العاطلين عن العمل المليون عاطل في بلادنا حيث تشكل شريحة الشباب وخاصة الخريجين نسبة كبيرة فيها. واكد تقرير منظمة اوكسفام ولجنة تنسيق المنظمات غير الحكومية في العراق المعنون ” الارتقاء لمواجهة التحديات الانسانية في العراق” ان 34% من العراقيين يعانون من الفقر المدقع ، كما ان نصف السكان هم بلا عمل !.لا توجد احصائيات عن نسب البطالة المقنعة المرتفعة اصلا بسبب العمالة غير المنتجة في سبيل الحصول على الرواتب فقط ، والعمل في وظيفتين فاكثر واغتصاب رواتبهم!


العراق يقع ضمن الدول الأسوأ في “دليل نوعية الحياة” الذي يعتمد على ثلاث مؤشرات فرعية هي نقص التغذية ووزن ولادي متدن وسوء التغذية .ومع ارتفاع معدلات الفقر ازدادت معدلات عمل الأطفال وتورطهم بالجرائم،خاصة الجرائم المنظمة والأعمال اللااخلاقية(Juvenile Delinguency )، وتتفكك الحياة العائلية ويتهشم النسيج الاجتماعي… بينما بلغ عدد الاطفال الذين احيلوا الى الطب العدلي في بغداد وحدها من قبل المحاكم في العقد التسعيني حوالي 34 الف طفل.


جدول يبين نسب الفقر في العراق


























السنة


نسبة الفقر دون مستوى خط الفقر%


1979


19


1988


28


1993


72.1 في المناطق الحضرية


1993


81.8 في المناطق الريفية


2007


70 في المناطق الحضرية


2007


80 في المناطق الريفية


ان حوالي( 10%)من الاطفال الذين تترواح اعمارهم بين( 5 – 14 ) هم من الايدي العاملة ، ويجري تشغيلهم وفق شروط مجحفة للعمل وبأجور زهيدة جدا ، وازدادات بينهم حالات الجنوح وممارسة الجريمة والتسول بما يتنافى واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (38) لعام 1973 واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (182) لعام 1998 للقضاء على اسوء اشكال عمل الاطفال!.فيالق التسول تزدحم بها ازقة المدن لأنها مهنة رابحة!في العقد الاخير انتشر الخجل عند الاطفال مفرملا للنشاط الاجتماعي والجماعي ومؤديا الى الخوف والانطواء والجبن العام ونمو مشاعر النقص عندهم ! ليس الاطفال هم الذين يختارون ذلك بل آبائهم!..تعكس هذه المعدلات المرعبة انعدام حقوق الطفل في العراق والاضطهاد النفسي والجسدي الذي يعاني منه و استمرار مأساته، وطحن عظامه وطعن شخصيته…وقد اسهم الاحتلال وتسلط العقلية البطريركية الطائفية والعشائرية في تكبيله ومضاعفة همومه داخل العائلة والمدرسة والمجتمع، أسوة بما كان يعانيه ابان سطوة النظام البعثي عندما كانوا يجرونه للسياسة ويربونه على الأناشيد اللاوطنية وعندما كانوا يسوقونه إلى المعسكرات التدريبية تحت أسم ( أشبال صدام ). ويحجم الآباء الذين يشعرون بقلق إزاء الحالة الأمنية العامة عن إرسال أطفالهم، ولا سيما الفتيات إلى المدارس.ان مناظر الاطفال في المناسبات الاسلامية والشيعية وهم يجبرون على حمل الخناجر ويجرحون رؤوسهم بالامواس لتسيل منها الدماء وتلك المناظر السادية التي تفرض على طفولتهم المنتهكة وصفهم بطوابير طويلة وهم يؤدون الشعائر الدموية في عاشوراء وغيرها ارضاءا لآيات الله العظمى والصغرى هي وصمة عار على جبين البشرية . سيظل الأطفال بانتظارنا نحن الكبار حتى يتم إقامة مجتمع متمدن وعلماني يقر بحقوقهم، حتى يزاح طغيان السياسة والدين والشعوذة عن حياتهم. وينتشر اليوم في بلادنا التنجيم والغيب وقراءة الطالع ،ومهنة العرافون والعرافات،وقراءة الفنجان والكف والاحجار والمرايا،والسحر والشعوذة ! ان نسبة 90% من الاطفال المتسولين شرعوا بالتسول بعد الاحتلال وان 70% منهم هم من تاركي المدارس. واستنادا الى تقارير الامم المتحدة فان ما يقارب (4) ملايين مواطن لازالوا يعيشون دون المستوى المحدد عالميا.


يعيش اليوم حوالي (70- 80) % من ابناء الشعب دون مستوى الفقر المحدد عالميا، بينما يمتلك العراق احد اكبر معدلات النمو السكاني 3.2%رغم الوضع الاقتصادي المتدهور للشعب. يعيش في العراق اليوم اكثر من 20% من ابناء الشعب ( اي ما يزيد على خمسة ملايين نسمة ) دون مستوى الفقر أو حد الكفاف ، وان اكثر من نصف الشعب العراقي(حوالي 16 مليون نسمة ) يعيشون بدولار واحد يوميا .ارتفعت معدلات البطالة الى مستويات مرتفعة خاصة بين الذكور. لقد بلغت نسبة البطالة لدى الفئة العمرية 15 سنة فما فوق 28 % ، لكن هذه النسبة تصل إلى  50 % حسب تقارير بعض المنظمات الدولية مما يؤشر الأبعاد المقلقة للمشكلة ويفرض وضعها في أولويات اهتمام الحكومة وسياستها وإجراءاتها الإقتصادية والاجتماعية ، ان معدل البطالة بين الشباب الحاصلين على التعليم الاعدادي والجامعي يصل الـى حوالي  40 % .ومع الوضع الامني المتدهور يترك العديد من العراقيين أعمالهم الأصلية لينخرطوا في النشاط الواسع غير الإنتاجي بينما يدفع المتخصصين والمتعلمين للهجرة.


اصدر بول بريمر اوامره بتقسيم الموظفين الى 11 درجة وظيفية بامره المرقم 30 لسنة 2003 ، واستمر الموظفون مدة نصف عقد دون علاوة سنوية او مخصصات زوجية واطفال او نقل كما هو معمول به في كل بقاع العالم ..وارتباطا بالمعدلات العالية للبطالة، والتضخم الواسع المفرط ( أكثر من 6000%) وانعدام السياسة الحكومية اللازمة لمعالجة الفقر يتأكد يوما بعد يوم بلوغ معدلات الفقر في بلادنا مستويات كارثية لقطاعات عريضة من الشعب العراقي. وتعتمد الغالبية العظمى من أبناء الشعب على الحصة التموينية الشهرية لبرنامج النفط مقابل الغذاء. يتلقى أفقر 20 % من السكان أقل من 7 % من اجمالي دخل الاسر العراقية ، في حين يتلقى أغنى 20 % ما نسبته 44 % من الدخل، أي  ستة أضعاف ما تتلقاه الاسر الفقيرة.لقد باتت البطالة من أخطر المشكلات التي تواجه بلادنا اليوم ، فتزايد اعداد العاطلين عن العمل يشكل امعانا في هدر الموارد  البشرية ، مع ما ينجم عن ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية وخيمة.فقراء العراق يسددون ديون صدام حسين التي دفعتها له الدول الغربية بطيب خاطر عبر الاجراءات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة العراقية بزيادة اسعار المشتقات النفطية والمماطلة في اصدار التشريعات التي تحل محل قوانين العهد البائد.ولا غرابة ان تتضخم مساطر العمالة في المدن العراقية ، وباتت هذه المساطر الاكثر ملائمة للعمليات الارهابية ، وقد تعرضت مساطر العمل في ساحة الطيران في بغداد وحدها الى 15 عملية ارهابية من ايلول 2006 الى ايلول 2007 ذهب ضحيتها المئات من المواطنين.


§ النقل والمرور


النقل والمرور توأمان متبادلان سياميان، وفي بلادنا تحولا الى عامل اختناق في التطور الاجتمااقتصادي بفعل عدم تناسق تطور مستويات هذا القطاع الذي يغترب تدريجيا بسبب ابتعاده عن عملية اعادة الانتاج الاجتماعي على النطاقين العام والجزيئي ، وتواضع الشبكة التي تربط بين مراحل عملية الانتاج والسوق وعموم الاقتصاد الوطني لتتعرقل الدورة الانتاجية وينحسر مردودها الاقتصادي . لقد سببت الحروب الكارثية والترحيل القسري المنظم ازدياد معدلات الهجرة من الريف الى المدينة وارتفاع معدلات الكثافة السكانية المدينية … ومعظم الطرق والشوارع الرئيسية في بغداد شقت قبل عقود خلت بينما تضاعفت اعداد السيارات والمركبات المسجلة والغير مسجلة في دوائر المرور! .


يتواصل ظهور الاحياء السكنية الجديدة والاستيطانية والمجمعاتية الفقيرة في محيط المدن ( التوسع الافقي ) … ومع النشاط التجاري المتنامي والخروقات الامنية غير المنضبطة والغلق العشوائي للجسور والشوارع باتت بغداد تنتقل من حالة الاختناق المروري الى وضع الكارثة المرورية بسبب الزحام وتوقفات السير والفوضى المرورية العارمة والاضرار البيئية والاقتصادية الكبيرة . ويوجد في بغداد اليوم 67 خطا معطلا و200 خطا مستخدما و 50 خطا لا توجد لها مسارات للنقل الخاص مثلا .


اول ما يتبادر الى الذهن عند الحديث عن سمات الكارثة المرورية اليوم …طفح المجاري ، تراكم الاوساخ، المرور القسري واختراق الطرق الحالية المناطق السكنية والحضرية والتجارية المكتظة بالسكان ،الضوضاء المرورية ، انعدام الاماكن الكافية لوقوف السيارات، فوضى انتشار الحرف والورش داخل الاحياء السكنية، فوضى سير العربات الجوالة والعربات التي تجرها الحيوانات والدراجات البخارية والهوائية ، ظاهرة التجاوز على الارصفة والساحات وممتلكات الدولة بشكل عام والتي اصبحت مع تقادم الزمن تتوسع وتاخذ مناحي متعددة ،الشوارع والطرقات المحفورة،المستنقعات، النصب العشوائي للحواجز والمطبات والكتل الكونكريتية امام مداخل المؤسسات الحيوية و مقرات الاحزاب والدور السكنية، فوضى عبور السابلة للشوارع، عدم توفر شروط المتانة والامان في المركبات، مرور شاحنات النقل الكبيرة داخل المدن، القطع العشوائي للغطاء الاخضر والغابات والبساتين والاشجار القريبة من الطرقات العامة ….. كان النقل والمرور في بلادنا مراد ارهاب القرن الواحد والعشرين فتضررت الجسور تباعا ، الجمهورية عام 2003 والائمة عام 2005 والصرافية الحديدي عام 2007 في بغداد والجسور والقناطر في بقية المحافظات العراقية،كما تضررت الطرق العامة ومنها الاوتوستراد الدائري في بغداد.


تثبت الوقائع اليومية ضحالة الثقافة المرورية في عراق اليوم بعد ان عبث البعث العقود الكاملة … ويتطلب من دوائر المرور تنمية الثقافة المرورية الاحصائية وتحشيد الوعي المروري الوطني . ولا تتضمن المعلوماتية الاحصائية المتوفرة تحت اليد التوزيع الجغرافي لأطوال طرق النقل بالسيارات ( المبلطة ، الحصو الخابط ، الترابية )، وكثافة هذه الطرق ( كيلومتر/ 100 كيلومتر مربع )، والتطور الحاصل في اطوالها ، واحتياجات الاعوام القادمة . وكذلك تنظيم الكشوفات الكاملة بعدد السيارات المسجلة لدى دوائر المرور التي تدخل العراق اذا علمنا ان عددها التخميني بعد سقوط الدكتاتورية بلغ عددها الكلي قبل هذا التاريخ .


§ التمويل والتضخم


بلغ العجز في ميزانية العراق لعام 2007 (6) مليارات دولار لأن العراق لم يستطع تصدير اكثر من مليون برميل يوميا خلال النصف الاول من العام اي 60% من الكمية المقررة بسبب التوقف عن تصدير النفط عبر كركوك .ويؤكد البنك المركزي العراقي ان سياسة الانفاق التي تعتمدها الحكومة تواجهها العثرات الكبيرة ، وان العراق يمتلك احتياطي نقدي من العملة الصعبة بلغ 21 مليار دولار مما اسهم في استقرار العملة المحلية ، وتم الغاء ما يعادل 60% من حجم الديون وفوائدها المترتبة على العراق حتى اواسط عام 2007 ، كما افلحت جهود الحكومة العراقية في تحويل اكثر من 60 مليون دولار من الاموال التي كانت في حساب الانموفيك – لجنة التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل- الى صندوق تنمية العراق .


لوحظ من خلال استعراض الموازنة العامة لسنة 2007 الاخفاق في اداء تنفيذ المشاريع الاستثمارية ، ولم ينفذ منها الا 10% بحكم فقدان الامن والاستقرار والفساد الاداري والمالي.يذكر ان الميزانية العامة للدولة لعام 2007 كانت اضخم ميزانية في تاريخ العراق الحديث رغم العجز البالغ 9000 مليار دينار الذي اتفق على تغطيته من المدور.


فاقت الميزانية العامة للدولة لعام 2008 سابقتها بمليار دولار بسبب ارتفاع أسعار النفط ، والحصول على  مبلغ ثلاثة مليارات و750 مليون دولار من شركات الهاتف النقال … الا ان الموازنتين تعكسان الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي لان كل مصادر الدخل العراقي كثروة وطنية جاهزة يجري تبادلها بعملة صعبة ، واستراتيجية الموازنتين تركزان على اقتصاد السوق بدلا من الادارة المركزية ، وكون الموازنتين انفجاريتين حسب وصف الحكومة العراقية لا يعني سوى المزيد من الفساد، وتخصص الموازنتان 75% منهما للانفاق التشغيلي اي مزيدا من الارتفاع في معدلات التضخم و25% منهما فقط للانفاق الاستثماري. العديد من المشاريع التى رصدت لها المبالغ في ميزانية 2007 لا زالت معطلة  نتيجة لتردى الوضع الامنى وتفشى الفساد الادارى فى مفاصل الدولة.


لقد شهد المركز المالي الدولي للعراق انهيارا كاملا في العقدين الماضيين، وتحول العراق من دولة ذات فائض احتياط من النقد الأجنبي والذهب يُقدر بحدود 40 مليار دولار عام 1980، إلى دولة مدينة بمقدار 130 مليار دولار وطلبات تعويضات عن أضرار ناجمة عن حرب الخليج الثانية مقدارها 320 مليار دولار، منها 50 مليار دولار تمت الموافقة عليها من قبل لجنة التعويضات. وتفرض مؤسسات التمويل الدولية شروطها في الحد من نفوذ القطاع العام وتأمين الخصخصة بينما تسرع الوصاية المالية من تدويل الوظيفة الاقتصادية الخدماتية للدولة العراقية وترحلها الى مؤسسات خارجية .


  سجلت معدلات التضخم تسارعا ملحوظا في الأعوام الأخيرة حيث بلغت حوالي 76% تموز 2007 الامر الذي يشير الى أن الاقتصاد العراقي يغرق فيما يسمى الركود التضخمي(أي ارتفاع الأسعار مع استمرار انكماش الانتاج وارتفاع معدلات البطالة ) وعند مستويات تثير القلق رغم ان البنك المركزي قد رفع من سعر الفائدة ثلاث مرات خلال فترة قصيرة  ليصل إلى 14 % بهدف الحفاظ على قيمة الدينار وتخفيف الضغوط التضخمية ، لكنه زاد بذلك من تكلفة الإقتراض ولم يعد  يشجع على الاستثمار…بدلا من اعتماد سياسات اقتصادية تقشفية، واجراء اصلاحات شاملة على البنى الاقتصادية العراقية، فقد اعتمد النظام العراقي المنهار منذ عام 1991 سياسة (تنقيد الدين) اي طبع العملة بدون غطاء ذهبي، بكميات كبيرة لتغطية العجز المستديم في موازنة الدولة، الامر الذي جعل معدلات التضخم تقفز على نحو غير مسبوق، وقاد هذا الاختلال الى نشوء مايسمى بالتضخم الجامح الواسع المفرط …وهو تضخم حلزوني تصاعدي في الأسعار والأجور، يغذي نفسه بنفسه.


التضخم في بلادنا ليس وليد لحظته، وانما تعود اسبابه بمجملها الى تدهور الاقتصاد العراقي بشكل عام في العقود التي سبقت سقوط النظام السياسي في عام 2003…. الاقتصاد الريعي ، الاقتصاد الموجه وحيد الجانب ، القادسيات الكارثية ، انتشار البطالة وتزايد العاطلين عن العمل .. هناك أسباب عديدة تجعل من ظاهرة التضخم في العراق، ظاهرة ملزمة ومواكبة وعصية على المعالجة في الاقتصاد العراقي، وابرز هذه الأسباب:انعدام النهج الاقتصادي، فوضى الانفاق الحكومي، جدلية الضرائب والاستيراد، انفلات الوضع الأمني، الأزمة البنيوية المتشابكة، انتشار الفساد المالي والاداري، وجود اقتصاد الظل او الاقتصاد الخفي، انعدام الثقافة الاقتصادية.


السياسات المتبعة لتحويل الاقتصاد العراقي لسوق حرة كرفع الدعم وتفكيك اجهزة الدولة، فاقمت من مستويات الحرمان. جهود إعادة الإعمار الكبرى الهادفة الى تأمين الخدمات الاساسية للناس يجب ان تسبق التحول من ادارة مركزية الى اقتصاد السوق الحرة.لقد استكملت الحكومة العراقية الاجراءات والضوابط لطلب العضوية في منظمة التجارة العالمية WTO الامر الذي يعني تأثر الاقتصاد العراقي جراء الاتفاقيات المتعلقة بتحرير تجارة السلع والمتعلقة بحقوق الملكية الفكرية واتفاقيات معايير العمل واتفاقيات مكافحة الاغراق ، وما يتبع ذلك من تأثر صناعاته الاستخراجية والتحويلية..وعضوية منظمة التجارة العالمية تعني تذليل العقبات امام الشركات متعددة الجنسية والسير وفق مبادئ استثمارية جديدة بدعم من برامج الاصلاح لصندوق النقد الدولي IMF التي تركز على خفض الرسوم الجمركية على السلع المستوردة وتوسيع امتيازات الاستثمار الاجنبي.



يتبع



10/10/2007